قليل من الرجال عبر التاريخ البشري هم الذين استطاعوا أن ينشئوا مجتمعا متجانسا في صورة دولة قوية وكبيرة المساحة ، تنعم بالاستقرار ، أن يعيشوا في سلام وأمان تحت علم واحد لما يقرب من مائة عام .
صقر الجزيرة العربية الذى وحد الفرقاء الشريعة الإسلامية مبدأ ودستور الدولة السعودية
مواقفه الثابتة من قضايا الأمة لن ينساها التاريخ
نتيجة الكفاح.. دولة من أهم ٢٠ فى العالم
أحد هؤلاء الأبطال الذي تحدى المستحيل كان المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود الذي جاهد ستين عاماً مقاتلاً وحاكما لكى تصبح السعودية من أهم عشرين دولة دينياً واقتصادياً وسياسياً علي مستوى العالم .
ولد الملك عبد العزيز آل سعود بمدينة الرياض في 2 ديسمبر عام ١٨٨٠ ميلادية وكان والده الأمير عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود آخر أمراء الدولة السعودية الثانية التي انتهت عام 1865 ، وكان طفلاً بارع الذكاء ذا بنيه جسمية كبيرة متميزة ، ونشأ مستوعبا لدروس التاريخ متفهما للظروف التي أحاطت بأسرته ومرافقا دائما لوالده وعمه ، وكان دقيق الملاحظة سريع البديهة ، فوعى تماماً ما كان يحيط بوالده وأسرته من أجواء مشحونة بالعداء والمطامع وتعلم الفروسية في سن مبكرة ، وكذلك فنون القتال وكان يحمل في جيناته الشخصية صفات القيادة منذ سن البلوغ .
تاريخ صنع شخصيته
الدولة السعودية الأولى قامت منذ أكثر من مائتي عام على يد الأمير محمد بن سعود وقد استمرت تلك الدولة أكثر من سبعين عاماً ، تولى الإمارة فيها أربعة من آل سعود ، أولهم مؤسسها محمد بن سعود وعبد العزيز بن محمد وسعود بن عبد العزيز وعبدالله بن سعود ، وعندما قابلت بعض الاضطرابات خلال القرن الثالث عشر الهجري ، جاء الأمير فيصل بن تركي بن سعود وأحيا الدولة السعودية الثانية ، ولكن لم تستمر تلك الدولة سوى سنوات قليلة بين عامي 1843 حتى 1865 عندما تنازع الأنجال على الحكم ، وحدثت اضطرابات ومؤمرات وتدخلت الدولة العثمانية لتدعيم ابن الرشيد أمير حائل ، لكي تستولى من خلاله على بقية أرجاء الجزيرة العربية ، وهنا اضطر آخر أمراء الدولة السعودية الثانية الأمير عبد الرحمن بن فيصل بن تركي والد الملك عبد العزيز إلى الهجرة واللجوء إلى
إمارة الكويت عام ١٨٩١ .
استرداد أرض الأجداد.. حلم منذ الطفولة
تسلسل الأحداث والمؤامرات التي حيكت على الدولة السعودية جعلت هذا الفتى ذا الأحد عشر عاماً ينظر للحياة نظرة جادة ومتعمقة ، وتعلم تحمل المسؤولية من الصغر وساعدته في ذلك شخصيته القوية الفريدة ، فنشأ في سن المراهقة وليس لدية إلا هدف واحد ألا وهو استرداد أرض وملك أجداده ، وهذا حقه وفي نفس الوقت عزمه على ألا يظلم أحداً ، وأن يطبق مبادئ الشريعة الإسلامية في الجزيرة العربية ، إذا استتب له الحكم ، وتحالف في ذلك مع من بايعه من الوهابيين وآل بن جلوى وآل الثنيان .
تحرير الرياض واستعادة نجد
عندما بلغ الملك عبد العزيز آل سعود العشرين من عمره ، وتشكلت لديه سمات الرجولة والقيادة والفروسية اتخذ قراره الحاسم ببدء النضال ، لاسترداد الرياض البلد الذي أجبر على الخروج منها طفلاً هو وعائلته ، وشكل فرقة من ثلاثة وأربعين رجلا لبوا دعوته وبايعوا قيادته خرجوا معه عبر الصحراء من الكويت ، وقاتلوا بإيمان وعزم وقوة حتى استعادوا نجد من ابن الرشيد وحرروا الرياض في نفس العام ( عام ١٣١٩ هجرية)
دولة موحدة تحت سلطته
ترك نجاحه في تحرير الرياض ونجد أثرا جيداً لدى بعض القبائل السعودية والسعوديين المهاجرين إلى الكويت ، مما أعطاه العزم على أن يكمل مسيرته النضالية حتى تمكن وفي معارك بطولية مع أقرانه البواسل على مدى عشرين عاما من تحرير القصيم عام ١٣٢٢ والأحساء ١٣٣١ ثم الطائف ، ودخول مكة ثم جدة في السنة التى تليها ، وكان قبل ذلك قد سيطر على حائل وأخصع ابن الرشيد وقوض سلطته ، وبذلك أصبحت أرض نجد والحجاز والمنطقة الشرقية وجدة والمنطقة الشمالية دولة واحدة بعد طول سنين من الفرقة والقتال بين القبائل بعضها مع بعض ، وانتهت عمليات سطو القبائل في تلك المناطق على بعضها ، وبدأ الناس يشعرون أن هناك دولة قوية قادمة سوف توفر لهم الأمان وقد كان .
البيعة بالملك
في صباح يوم ٣١ جمادى الأولى عام ١٣٥١ الموافق ٢٣ ديسمبر عام ١٩٣٢ نودى بالملك عبد العزيز آل سعود ملكا على البلاد ، بعد ذلك أعلن الملك تأسيس المملكة العربية السعودية وأصبح هذا اليوم هو اليوم الوطني للمملكة .
تثبيت دعائم الدولة الوليدة
سعى الملك عبد العزيز بعد ذلك لتثبيت دعائم الاستقرار للشعب السعودي ، وكانت سياسته تميل إلى الحياد وعدم التدخل في شؤون البلدان المجاورة ، وعقد عدة اتفاقيات عربية مع الدول المجاورة لترسيم الحدود واتفاقيات دولية للبحث عن البترول الذي اكتشف في المملكة قبل الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٨ ، ولكن لم يتم استخراجه إلا عام ١٩٤٨ لظروف الحرب ، وبدأ يستغل موارد البترول في بناء المملكة العربية السعودية بأساليب القرن العشرين ، فبدأت الحكومة في إنشاء الطرق والمدارس وتوطين البدو وإنشاء مؤسسات الدولة ، والمحاكم الشرعية المتميزة وكانت الدولة السعودية أول من طبق مبادئ الشريعة الإسلامية في الحكم ، وبذل الملك عبد العزيز جهوداً رائعة في تأمين طريق الحجاج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، ولزيارة مسجد رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وعقد مؤتمراً لبحث شئون الحج ، ودعا إليه الدول الإسلامية وتعهد فيه أن تقوم المملكة على رعايتهم على أكمل وجه ، مما شجع على زيادة أعداد الحجاج ، ومنع اصطحاب الأسلحة مع المرافقين من قوات الأمن الذين يرافقون رعايا دولهم ،
وأولى اهتماماً خاصاً بتوفير الأمن والأمان لقوافل الحجيج القادمين برا عام ١٩٣٤ مما وفر على مسؤولى الدولة الإسلامية إرسال قوات أمنية لمصاحبة الحجاج في الرحلة المقدسة ، وجعل الأرض المقدسة للمسلمين على الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية ، ورفض أن تكون السعودية من الدول التي تعلن الحرب على ألمانيا وتقابل مع الرئيس روزفلت على ظهر باخرة في قناة السويس بالإسماعيلية عام ١٩٤٥ ورفض طلب روزفلت بالموافقة على هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين ، ودعاه إلى عدم مد اليهود بالمال والسلاح .
استقلال المملكة والبعد عن التحالفات
على أن خوض المعارك وتوحيد البلاد لم يشغلا المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود عن تنظيم المملكة من الداخل ، وارساء دعائم ما يلزمها من أنظمة وقوانين ، والدخول في علاقات صداقة وتعاون اقتصادى وسياسى مع الدول العربية والأجنبية ، مع الحفاظ على استقلال المملكة وعدم الدخول في تحالفات سياسية مع أي قوى عالمية ، لأن الملك عبد العزيز خلال فترة حياته الحافلة وكفاحه لتوحيد الأراضى الشاسعة للمملكة العربية السعودية ، وإرساء قواعد الاستقرار بها على مدى خمسين عاما من عمره ، مر بظروف وأحداث عربية وعالمية خطيرة ومهمة جعلته متيقظا من خطورة التحالفات
وتمثلت تلك الأحداث في الآتي:
شهد نشوب الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ والثورة الروسية عام ١٩١٧ وموجات الانتداب الفرنسي البريطاني عام ١٩١٨ وسقوط الدولة العثمانية عام ١٩٢٣ والأزمة الاقتصادية عام ١٩٢٩ والحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩ حتى عام ١٩٤٥ والقضية الفلسطينية وما آلت إليه الأمور فيها عام ١٩٤٧ وعام ١٩٤٨ ، والتي وقف فيها موقفاً لا تهاون فيه ولم تشبه شائبة ، ولم يتساهل أو يفاوض فيها ، واستطاع أن يكون له موقف ثابت لم يتغير خلال الخمسين سنة سالفة الذكر ، فاكتسب احترام الجميع ومحبتهم ، سواء على المستوى العربي أو العالمي ، ورفض تسليم رشيد علي الكيلاني الذى كاد يقوم بالثورة في العراق ضد الإنجليز إلى إنجلترا أو الحلفاء تحت أى ظرف ورفض جميع الضغوط التي مورست عليه من الإنجليز والحلفاء والعراق ، ليس تأييداً لموقف الكيلاني أو موافقة على حركته ، وانما تبعا لمبادئ الشهامة والأصالة العربية والبدوية من حماية من التجأ إليهم حتى ولو كان على غير هواهم ، وهو نفس النهج الذي تنتهجه المملكة حتى الآن
إنشاء مجلس الوزراء.. والنهضة الثقافية للمملكة
هكذا بدأت المملكة تبدو وكأنها أرض ولدت من جديد ، وقبل وفاته بشهور كانت قد اكتملت دعائم المؤسسات التي أنشأها ، وظهرت بعض ثمار التعليم الحديث بين أبناء المملكة فقرر الملك عبد العزيز آل سعود إنشاء مجلس للوزراء ، يكون مسؤولاً مباشرة أمامه عن تسيير أمور الدولة الفتية ، والإشراف على النهضة المتوقعة ، ومن ثمار النهضة التعليمية الأولى في المملكة ظهر الأدباء والمفكرون والشعراء السعوديون الأوائل الذين تعلموا في عهده مثل الشيخ عبد العزيز التويجري ، والأستاذ غازي القصبي ، والأستاذ حمد الجاسر ، والشاعر محمد حسن فقي ، والشاعر حسن قريشي ، والدكتور سراج ملايكه ، وآل عشقي وآل العقيل ، ومجموعة كبيرة من مثقفي الخمسينات والستينيات والسبعينيات .
مشهد الرحيل
وتوفي الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله في نوفمبر عام ١٩٥٣ في مدينة الطائف ونقل جثمانه إلى مدينة الرياض حيث دفن بها ، تاركاً ذكرى لمناضل مؤمن قوي تحدى كل ما قابله من مستحيلات مثل: البعد عن الوطن والحروب والمؤمرات حتى أنشأ دولة كبيرة وحديثه ومستقرة تنعم بالأمن والأمان إلى يومنا هذا ، وإلى غد مشرق بعون الله تعالى .
اترك تعليق