غزوة بني المصطلق وهم من بطن خزاعة، وقد ساهموا مع قوات قريش في معركة أحد أو غزوة المريسيع وهو ماء لبني خزاعة من الغزوات الهامة في حياة المسلمين في عهدهم الأول، لأنها كانت مرتعاً خصباً للمنافقين، حيث اتخذوا فيها صنوفاً من الكيد للإسلام والمسلمين، ولنبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد حاولوا تمزيق وحدة المسلمين بإيجاد الشقاق بين المهاجرين والأنصار، وإعادة النعرة الجاهلية، كما وقعت فيها حادثة الإفك.. وهذه الغزوة وإن لم تكن كبيرة من الناحية العسكرية، إلا أنها اشتملت على أحداث جسام، وافتضح فيها المنافقون.
وسببها أنه لما بلغ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الحارث بن أبي ضرار - رأس وسيد بني المصطلق ـ سار في قومه، وبعض من حالفه من العرب، يريدون حرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد ابتاعوا خيلاً وسلاحاً، واستعدوا للهجوم على المدينة، بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بريدة بن الحصيب الأسلمي ، ليستطلع له خبر القوم، فرجع بريدة وأكد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحة هذه الأخبار.. فأسرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخروج إليهم في سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسا.
وفي هذه الغزوة كشف المنافقون عن مدى حقدهم على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ازدادوا غيظا بالنصر الذي تحقق للمسلمين، وسعوا إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، فلما فشلت محاولتهم، سعى عبد الله بن أبي بن سلول ـ رأس المنافقين ـ إلى عرقلة جهود الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدعوة، ومنع الأموال من أن تدفع لذلك، وتوعد بإخراج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة عند العودة إليها، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
وحين علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، استدعاه هو وأصحابه المنافقين، فأنكروا ذلك، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا، فأنزل الله سورة المنافقين، وفيها تكذيب لهم ولأيمانهم الكاذبة، وتأكيد وتصديق لما نقله عنهم الصحابي زيد بن أرقم.
ولقد استأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول في قتل أبيه لما قاله عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فنهاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، وأمره بحسن صحبته..
وكان من بين الأسرى الذين أسرهم المسلمون جويرية بنت الحارث بن ضرار سيد قومه، وكانت بركة على قومها، حيث تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح قومها أصهاره فأعتق تزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق.. ومن ثم تعتبر غزوة بني المصطلق (المريسيع) من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها حيث عاد هذا الزواج على المسلمين بالدعم المادي والمعنوي.
وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن حقدهم الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فسعوا ـ كعادتهم دائما إلى يومنا هذا ـ إلى محاولة التفريق بين المسلمين، فبعد انتهاء الغزوة ـ كما يقول جابر بن عبدالله : (كسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين.. فاستثمر المنافقون ـ وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول هذا الموقف، وحرضوا الأنصار على المهاجرين، فسمع ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟، قالوا يا رسول الله: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعوها فإنها منتنة).. وذلك حفاظا على وحدة الصف للمسلمين.. فالإسلام ينبذ العصبية بجميع ألوانها، سواء كانت عصبية تقوم على القبلية، أو الجنس، أو اللون أو غير ذلك.
وهكذا كانت هذه الغزوة رغم صغرها من الناحية العسكرية، إلا أن فيها من الدروس والمعاني الكثير، التي ينبغي أن يقف المسلمون معها للاستفادة منها في واقعهم.
اترك تعليق