استعرض لياو ليتشيانج سفير الصين لدى مصر نتائج «الدورتين السنويتين» في الصين، اللتين اختتمتا بنجاح، مؤكداً أنه في ظل عالم تسوده التغيرات والاضطرابات، تعمل الصين من خلال هاتين الدورتين على بلورة التوافقات ورسم الخطط المستقبلية، وتقديم عناصر الاستقرار واليقين للعالم عبر صبرها الاستراتيجي وحيويتها التنموية. وقال إن هذه المناسبة تمثل فرصة لاستعراض أبرز نتائج الدورتين واستكشاف مسارات التنمية الجديدة والفرص الجديدة في مسيرة الصين نحو التحديث.
وأوضح السفير في مؤتمر صحفي مساء اليوم الاثنين، أن الدورتين السنويتين، وهما «دورة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني» و«دورة المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني»، تمثلان حدثاً مهماً في الحياة السياسية في الصين.
وخلال هذا العام اجتمع في بكين نحو خمسة آلاف من نواب الشعب وأعضاء المؤتمر الاستشاري السياسي من مختلف أنحاء البلاد للتشاور حول شؤون الدولة، حيث يمثلون مختلف القطاعات والقوميات والأوساط، ما يجعل من الدورتين منصة مهمة لجمع إرادة الشعب وصياغة السياسات الوطنية، فضلاً عن كونهما نافذة مهمة يطلع العالم من خلالها على الصين.
وخلال الاجتماعات، حضر الرئيس شي جين بينغ عدداً من المناقشات واجتماعات المجموعات المختلفة وألقى كلمات مهمة، أكد خلالها ضرورة «توسيع الانفتاح عالي المستوى واستكشاف الأسواق العالمية على نطاق واسع وتحسين الدورات الدولية»، وهو ما حظي بتقدير واسع في المجتمع الدولي. كما قدم رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ تقرير عمل الحكومة الذي تضمن الأهداف السنوية والمهام الأساسية للتنمية. وشهدت الاجتماعات حضور سفراء وممثلي منظمات دولية، إلى جانب آلاف الصحفيين الصينيين والأجانب، كما أوفدت وسائل إعلام مصرية مراسلين لتغطية الحدث.
وأشار السفير إلى أن الدورتين هذا العام تكتسبان أهمية خاصة، إذ يمثل العام الحالي بداية حاسمة لانطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، وكان من أبرز مخرجات الدورتين مراجعة واعتماد هذه الخطة التي ترسم ملامح التنمية الصينية خلال السنوات الخمس المقبلة. ويرى مراقبون دوليون أن هذه الخطة لا تمثل فقط خريطة طريق لتنمية عالية الجودة في الصين، بل تقدم أيضاً خبرات مفيدة لدول الجنوب العالمي في مسيرتها التنموية.
وأكد أن وضع وتنفيذ الخطط الخمسية المتواصلة يمثل خبرة مهمة للحزب الشيوعي الصيني في مجال الحكم والإدارة، إذ منذ عام 1953 وضعت الصين ونفذت 14 خطة خمسية متتالية، وتواصل تنفيذ الخطط طويلة الأمد جيلاً بعد جيل. وبفضل هذا الصبر الاستراتيجي والخطوات العملية تمكنت الصين من تجاوز التقلبات الاقتصادية الدورية ومواجهة المخاطر والتحديات بهدوء، وتحقيق معجزتي التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد.
كما يعكس تنفيذ الخطط الخمسية رؤية الحزب الشيوعي الصيني للإنجاز السياسي، حيث يتم وضع الشعب في المقام الأول خلال عملية التنمية، مع إعطاء الأولوية للقضايا التي تمس حياة المواطنين. وخلال السنوات الخمس الماضية ارتفع نصيب الفرد من الدخل القابل للتصرف في الصين بمعدل 5.4% سنوياً، كما تم توفير أكثر من 60 مليون فرصة عمل جديدة في المدن، في حين تجاوز متوسط العمر المتوقع 79 عاماً.
وخلال الدورتين هذا العام برز مصطلح «الاستثمار في الإنسان» كأحد أكثر المفاهيم تداولاً، إذ تجاوزت التخصيصات المالية للتعليم والضمان الاجتماعي والتوظيف في ميزانية الصين لعام 2026 نحو 4.5 تريليون يوان لكل قطاع، كما تم رفع الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية الأساسية لسكان الحضر والريف وزيادة الدعم المالي للتأمين الصحي. وأكد الرئيس شي جين بينغ أن تحقيق رفاه الشعب يمثل أعظم إنجاز سياسي، وأن تطلع الشعب إلى حياة أفضل هو الهدف الأساسي للنضال.
وأشار السفير إلى أن الدورتين بعثتا هذا العام سلسلة من الإشارات الاقتصادية القوية التي عززت الثقة في الاقتصاد العالمي في ظل حالة عدم اليقين الراهنة.
أولاً، تنمية مستقرة، حيث تمكن الاقتصاد الصيني خلال السنوات الخمس الماضية من الصمود أمام الضغوط والتقدم نحو آفاق جديدة وجودة أعلى، إذ تجاوز حجمه 140 تريليون يوان وساهم بنحو 30% من نمو الاقتصاد العالمي. ويعتمد هذا النمو على الطلب المحلي، إذ تمتلك الصين أكبر طبقة متوسطة الدخل وأسرعها نمواً في العالم، وفي عام 2025 تجاوز إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية 50 تريليون يوان للمرة الأولى، ما يجعل الصين أكبر سوق استهلاكي محتمل في العالم.
وفي هذا السياق حدد تقرير عمل الحكومة هدف النمو الاقتصادي لعام 2026 بين 4.5% و5%، وهو ما يعادل زيادة اقتصادية تفوق 5 تريليونات يوان سنوياً، وهو ما يوازي تقريباً حجم اقتصاد دولة متوسطة، ويعكس قوة الاقتصاد الصيني وعزمه على دعم نمو الاقتصاد العالمي.
ثانياً، الابتكار العلمي، حيث تمضي الصين بخطوات ثابتة في تطوير قوى الإنتاج الجديدة وتعزيز التنمية عالية الجودة، وأصبحت ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في مؤشر الابتكار. وفي عام 2025 تجاوزت مساهمة القطاعات الأساسية للاقتصاد الرقمي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تم دمج تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي في قطاعات الصناعة والزراعة والنقل وغيرها. ويقدم نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية «بيدو» خدماته لمصر وأكثر من 140 دولة ومنطقة.
كما تجاوزت حصة الصين من إنتاج وبيع سيارات الطاقة الجديدة وبطاريات الطاقة المركبة 60% من السوق العالمية، وتحتل نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد التنزيلات، ما يسهّل على الشركات الصغيرة والمتوسطة في العالم استخدام هذه التقنيات. وأشار تقرير عمل الحكومة إلى كلمتي «الإصلاح» و«الابتكار» 75 مرة، ما يعكس توجه الصين لدفع اقتصادها نحو آفاق جديدة.
وخلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة ستعمل الصين على تطوير الصناعات الناشئة مثل الدوائر المتكاملة والطيران والفضاء واقتصاد الطيران المنخفض، إلى جانب تنمية الصناعات المستقبلية مثل الطاقة المستقبلية والتكنولوجيا الكمية والذكاء المتجسد وتقنيات الجيل السادس، وهو ما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون التكنولوجي الدولي.
ثالثاً، التحول الأخضر، إذ أنشأت الصين أكبر منظومة للطاقة المتجددة في العالم وأسرعها نمواً، حيث تقترب نسبة الكهرباء الخضراء من 40% من إجمالي استهلاك الكهرباء، فيما تسير أكثر من نصف السيارات الكهربائية في العالم في الشوارع الصينية. وبفضل السلسلة الصناعية المتكاملة للصين انخفضت تكلفة إنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية عالمياً بأكثر من 60% و80% على التوالي.
كما تشارك الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية والهيدروجين في مصر وعدد من دول العالم، ما يساعد هذه الدول على تسريع التحول نحو الاقتصاد الأخضر. ويقدم نموذج الصين في مكافحة التصحر أيضاً مساراً قابلاً للتطبيق في مصر وغيرها من الدول الجافة والصحراوية.
وخلال السنوات الخمس المقبلة ستولي الصين اهتماماً أكبر بالتنمية منخفضة الكربون، حيث ستنخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 17%. كما ستنشئ الصين أول صندوق وطني للتحول منخفض الكربون، مع تطوير مجالات جديدة للنمو مثل طاقة الهيدروجين والوقود الأخضر وتوسيع التعاون الدولي في التنمية الخضراء.
رابعاً، الانفتاح الاقتصادي، حيث تمارس الصين التجارة مع 249 دولة ومنطقة حول العالم، وانضمت أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم إلى مبادرة «الحزام والطريق». وتعد منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر في السويس نموذجاً بارزاً للتعاون الصناعي في إطار المبادرة. كما حظيت المنتجات الصينية بإقبال عالمي، وأصبحت سياسة الإعفاء من التأشيرة سبباً في ازدهار السياحة إلى الصين، فيما تم إلغاء القيود على دخول الاستثمار الأجنبي إلى قطاع التصنيع.
كما تعمل الصين من خلال تنظيم معارض كبرى مثل معرض كانتون ومعرض الصين الدولي للاستيراد ومعرض الصين الدولي للسلع الاستهلاكية على توسيع نطاق التجارة الحرة وتعزيز تبادل السلع والأفراد والمعلومات مع العالم.
وخلال الدورتين عقد وزير الخارجية الصيني وانغ يي مؤتمراً صحفياً موسعاً أجاب خلاله عن أسئلة الصحفيين الصينيين والأجانب حول السياسة الخارجية الصينية والعلاقات الدولية، وسط مشاركة كبيرة من وسائل الإعلام العالمية.
وأشار وانغ يي إلى أن العالم يشهد تغيرات غير مسبوقة منذ قرن، تتداخل فيها التحولات والاضطرابات والصراعات، بينما تمضي الصين بخطوات متسارعة نحو بناء دولة قوية ونهضة وطنية شاملة، ما يجعل الدبلوماسية الصينية مصدراً مهماً للاستقرار في النظام الدولي.
كما أكد أن الصين والولايات المتحدة دولتان كبيرتان لا يستطيع أي منهما تغيير الآخر، لكن يمكنهما تغيير طريقة التعامل بينهما من خلال الاحترام المتبادل والتعايش السلمي وتعزيز التعاون بما يخدم مصالح الشعبين والمجتمع الدولي.
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، شدد وانغ يي على أن الأوضاع في غزة تمثل اختباراً للأخلاق الدولية، مؤكداً أن الجهود الدولية لتحقيق وقف إطلاق النار مرحب بها، مع ضرورة العمل على تثبيت الهدنة وإعادة الإعمار وإيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن «حل الدولتين» هو الحل الوحيد المعترف به دولياً.
كما أكد أن الصين تتبنى موقفاً موضوعياً وعادلاً تجاه القضايا المتعلقة بإيران والشرق الأوسط، مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة أو التدخل في الشؤون الداخلية، والسعي إلى حل القضايا الساخنة بالوسائل السياسية.
وفي ختام كلمته، أكد السفير أن الصين ومصر دولتان عريقتان في الحضارة وقوتان مهمتان في الجنوب العالمي، وتجمعهما رؤى متقاربة ومسؤوليات مشتركة في دعم الاستقرار العالمي. كما أشار إلى أن العام الحالي يوافق الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر وكذلك بين الصين والدول العربية، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع القاهرة لتعزيز الصداقة التقليدية وتعميق التعاون متبادل المنفعة وتكثيف التنسيق متعدد الأطراف بما يدفع العلاقات الثنائية نحو آفاق أوسع ويعزز السلام والتنمية في المنطقة والعالم.
اترك تعليق