عن معاذ أن النبي- صلي الله عليه وسلم- قال: "التوبة النصوح أن يندم المذنب علي الذنب الذي أصاب فيعتذر إلي الله- عز وجل- ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلي الضرع".
فالتوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلي الضرع. وقيل: هي الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع عن الذنب والاطمئنان علي أنه لا يعود. فلابد من المراجعة الدائمة لأنها عظيمة النفع في ترقي الإنسان وخلاصه من الدنايا. ولقد ضرب لنا المصطفي- صلي الله عليه وسلم- مثلاً من نفسه» حيث قال: "يا أيها الناس توبوا إلي الله. فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة".
وسُنة الله في طبيعة البشر اقتضت أن تكون تلك التوبة والمراجعة دائمة. ولا ينبغي أن نمل من كثرة التوبة إلي الله. ولا نمل من مصارحة النفس بالعيوب والقصور. لا نمل من الإقلاع بهمة متجددة لرب العالمين. والله يحب من عبده إذا أخطأ أن يرجع عن خطئه. حتي لو تكرر الخطأ أو الخطيئة. فهو يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير لقول رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
والتوبة فلسفة كبيرة في عدم اليأس. وفي وجوب أن نجدد حياتنا وننظر إلي المستقبل. وألا نستثقل حمل الماضي. وإن كان ولابد أن نتعلم منه دروساً لمستقبلنا. لكن لا نقف عنده في إحباط ويأس. فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. التوبة فيها رقابة ذاتية تعلمنا التصحيح وتعلمنا التوخي والحذر في قابل الأيام. وهي من الصفات المحبوبة» فالتوبة تخرج الإنسان من ذنوبه. وكأنه لم يفعل ذنبا قط. قال النبي- صلي الله عليه وسلم: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ". وكان النبي- صلي الله عليه وسلم- يكثر من الاستغفار والتوبة إليه ليترقي في درجات القرب. وليعلمنا كثرة الاستغفار. فقال- صلي الله عليه وسلم-: "إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
والتوبة منها توبة عن المعاصي والذنوب. ومنها الإنابة وهي أعلي من التوبة. حيث يخرج الإنسان كل ما سوي الله من قلبه. فيفرغ قلبه من السوي. وينشغل بالله سبحانه وتعالي وحده. ثم تترقي الإنابة إلي أن تكون أوابا. والأوبة هي الرجوع التام إلي الله سبحانه وتعالي.
ويتأتي ذلك بإقامة الدين في النفس. قال تعالي: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً كُلّ حِزْبي بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ".
والتوبة الصادقة لها شروط لابدّ من توافرها حتي تقبل من العبد. منها الإخلاص لله تعالي فيجب أن تكون النيّة لله- تعالي- وحده حُباً فيه وطمعاً في نيل رضاه وثوابه. وعدم اتّخاذ مُعين. أو ناصر غير الله- سبحانه وتعالي-. ولا تكون الغاية من التوبة إلا التقرب من الله تعالي وطاعته. وليس لغاية دنيويّة. قال -تعالي-: "إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ".
ثم الإقلاع عن الذنب بحيث يترك العبد الذنب الذي ارتكبه ويبتعد عن كل أمر يُقرّبه منه. وذلك ليتخلّص العبد من الذنب كُلّياً.. والندم علي ارتكاب الذنب فيستشعر العبد عظمة الله -تعالي- حال ارتكابه ذنباً معيّناً. كما هي الحال في كل وقت وحين» فيندم علي ما تقدّم منه من تقصير واعتداءي علي حقوق الله- سبحانه وتعالي-. راجياً من الله تعالي- رحمته ومغفرته.. ثم العزم الجازم علي هُجران الذنب والإكثار من الطاعات. والمحافظة علي ترك المعاصي والمنكرات حتّي الموت وإرجاع الحقوق إلي أصحابها.. مع إدراك الوقت المخصوص لقبول التوبة فهي متاحة له في أي وقت. كما قال النبي -عليه السلام-: "إنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ. وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ. حتَّي تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا".
اترك تعليق