هل شعرت يوماً أن أمانيك مستحيلة وفق موازين الدنيا؟ اليوم في حلقتنا الثامنة لرمضان 1447هـ، نقف مع معجزة إلهية في سورة آل عمران؛ حيث تجلى كمال الإيمان وحسن الظن في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام. فعندما رأى عظيم قدرة الله في رزق مريم عليها السلام، أقبل على الدعاء بيقينٍ خالص، متجاوزاً عائق السن ووهن العظم وعقم الزوجة.
بقلم/ محمد سعيد
كيف استجاب الله لزكريا "المحراب" رغم الشيخوخة وعقم الزوجة؟
سر "الهبة" في آل عمران.. لماذا نادى زكريا ربه نداءً خفياً لطلب الذرية؟
بشارة المحراب.. كيف يرد الدعاء القضاء ويصنع المعجزات؟
((إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)).. أدب نبي الله زكريا في مناجاة خالق الأسباب وموجدها
"بوابة الجمهورية" تواصل الابحار معكم في رحلة إيمانية يومية طوال شهر رمضان المبارك عبر سلسلة "أدعية مستجابة .. الدعاء في القرآن الكريم"؛ بأدعية اختارها الله سبحانه وتعالى لنا في محكم التنزيل. فليس هناك ما هو أطهر من "دعاء" ورد في آيات الذكر الحكيم، وجرى على ألسنة الأنبياء والمرسلين، ليكون لنا نبراساً ومنهاجاً. لنستكشف أسرار الكلمات الربانية، ونغوص في معانيها وتفسيراتها المبسطة وكيف استجاب الله بها لعباده الصالحين.
((رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)) آية 38 سورة آل عمران
هذه إحدى دعوات النبي زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام التي قصّها اللَّه تعالى في كتابه.
نداء الهبة.. تجاوز الأسباب إلى المسبب
لما رأى زكريا أنّ اللَّه سبحانه وتعالى يرزق مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد، وكان شيخاً كبيراً قد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعقيماً، لكنه لكمال إيمانه، وحسن ظنه بربه بكمال قدرته تعالى، ونفوذ مشيئته وحكمته، أقبل على الدعاء من غير تأخير.
سأل ربه، وناداه نداء خفياً، وجاء الطلب بلفظ الهبة؛ لأنّ الهبة إحسان محض، ليس في مقابله شيء، وهو يناسب حالته كشيخ كبير وزوجته عاقر؛ فكأنه سأل الله العطاء، فكأنه قال: أعطني من غير وسط معتاد. لأنه لم ينظر إلى الأسباب والمسببات بظروفها العادية؛ بل نظر إلى خالقها، وموجدها، ومكونها، في قوله ((مِن لَّدُنْكَ)) أي من عندك، ليكون أبلغ وأعظم؛ لأنّ هديّة الكريم عظيمة وجليلة تليق بمقام العظيم الكريم. وهذا هو الإيمان الصادق الخالص للَّه تعالى، وعلى حسن ظن العبد بربه ينال من كراماته، وسحب فضائله التي لا تحدّ ولا تعدّ.
الذرية الطيبة.. صلاح الأقوال والأفعال
في تقييد الذرية بالوصف ((طَيِّبَةً)) إشارة مهمة؛ فالعبد لا يطلب مجرد الولد الذي قد يكون "نكداً أو فتنة"، بل يسأل الذرية الطيبة في أقوالها وأفعالها وأجسامها، لتشمل الطيب الحسي والمعنوي الذي يُرجى خيره في الدارين. وقد ختم دعاءه بالتوسل باسم الله ((سَمِيعُ الدُّعَاءِ))؛ أي المجيب الذي لا يخيب الرجاء.
البشارة العاجلة في المحراب
بسبب كمال الخضوع وحسن الظن، جاءت الاستجابة فورية كما أفاد حرف التعقيب (الفاء) في الآية التالية: ((فَنَاَدَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)) لتبشره بـ "يحيى". وهذا يؤكد أن الله يجازي العبد على قدر ظنه به، وأن الدعاء الصادق قادر على رد القضاء وتحقيق الجليل من الأماني.
من فوائد وحِكَم الدعاء
افتقار الأنبياء: إثبات أن جميع الخلق، بما فيهم الأنبياء، لا يستغنون عن دعاء الله في كل أحوالهم.
التوسل بالربوبية: اختيار اسم "الرب" في الدعاء لأن الإجابة من مقتضيات الربوبية.
المسارعة في الخيرات: من رأى أمراً جليلاً يتمناه، فعليه بالإقبال على الدعاء في لحظته ولا يؤخره.
آداب المناجاة: يستحب الإسرار بالدعاء، وإظهار الذل والمسكنة والضعف، والشكوى إلى الله التي لا تنافي الصبر.
أسباب الإجابة: الخشوع، والمسارعة في الخيرات، والدعاء في حالتي الرغبة والرهبة، كلها من أعظم مفاتيح الاستجابة.
القدرة الإلهية: القصة درس في عدم اليأس من فضل الله ورحمته مهما بلغت الظروف تعقيداً.
تابعونا غداً في حلقة جديدة من سلسلة "أدعية مستجابة .. الدعاء في القرآن الكريم" عبر ((بوابة الجمهورية))، لنستلهم من كتاب الله وسيلة جديدة للقرب من الله.
اترك تعليق