المترجم
بقلم: محمد عبد المنعم زهران
في بداية عملي بالترجمة كنت أنام وأحلم بشخصيات الرواية التي أعمل عليها، أحلم بهم يواصلون أحداث الرواية، فأترجم ما يقولون فور أن ينتهوا، أترجمه في ذهني مباشرة وأنا في الحلم. بدا النوم مجرد استمرار عنيف ومرهق لعملي في الترجمة، وكنت أستيقظ في النهاية مجهدًا.
في الحلم يصدمني أحياناً أن تلتفت إليّ شخصية روائية فجأة لتقول إن ترجمتي لحديثها لم يكن دقيقًا وإنها كانت تقصد كذا وكذا. فأشعر بالضآلة والفشل. وأضطر إلى أخذ استراحة من العمل في الرواية ليومين كاملين لأتمكن من النوم. يبدو لي أنه كان من الخطأ أن أبدأ عملي الأول في الترجمة برواية، كان من الأفضل أن أبدأ بترجمة قصص قصيرة، ولكن القصص القصيرة غير رائجة للأسف, في النهاية يفضل الناشرون رواية مترجمة عن كتاب قصصي. بمرور الوقت ترجمت روايات كثيرة وقصصًا قليلة، وبمرور الوقت أيضًا لم أعد أحلم بشخصيات الروايات، وكنت أنام بهدوء وأسترخي تمامًا. لقد جرى كل شيء بطريقة مغايرة تمامًا!
بعد عدة ترجمات لروايات لاقت قبولاً، بدأت الشخصيات الروائية تظهر لي فتتكلم أو تتحرك، بمعنى أدق وأقرب إلى المنطق، أتخيل أنها تظهر، وكما في فيلم سينمائي تمثل أمامي كل أحداث الرواية وحواراتها. حدث هذا في الوقت الذي كنت قد تخلصت فيه تمامًا من الإرهاق العصبي الذي لازمني في ترجماتى الأولى والذي بت أفهمه. وبدأت الترجمة تأخذ حيزها الطبيعي باعتبارها عملاً لا ينغص عليّ ساعات نومي. أصبحت أكثر خبرة باللغة الأسبانية، ورغم أن القواميس والمعاجم اللغوية الأسبانية كانت بجواري طوال الوقت إلا أنني لم أكن ألجأ إليها إلا في القليل جدًا، ربما لترجمة لفظ محلي لم يكن قد مر علي من قبل، ويتعلق بلهجة تخص مدينة أو منطقة نائية ما، أو للبحث عن مكان أو شخص ورد اسمه في عبارة ولم أكن قد سمعت عنه من قبل، ويكون عليّ أن أكتب ملاحظة بالمكان أو الشخص. دون ذلك كانت الترجمات تسير بصورة إنسيابية وباستمتاع أحببته. في النهاية توطنت لي معرفة عجيبة بكل ما يتعلق بالأسبانية ولهجاتها المتنوعة بطول القارة وعرضها. ولأنني خشيت أن تكون علاقتي باللغة كتابية فقط، فقد اعتدت على القراءة المسموعة للروايات التي أقوم بترجمتها، وكانت قد ظهرت هذه التقنية مؤخراً، وبت قادراً على إتقان الصوتيات الحية للغة بلهجاتها المحلية بصورة أدهشتني، بدلاً من التعامل المصمت مع نصوص مكتوبة. وأخيرًا اعتمدت في الترجمة طريقة القراءة المسموعة للرواية بجانب النص المكتوب أمامي.
أن تظهر شخصيات الرواية أمامي أثناء قيامي بترجمتها، هو خيال جميل أحببته وتعاملت معه بصورة عملية، وأرجعت كل ما يحدث إلى تركيزي الشديد. لا بد أن أعترف أن الأمر كان يرهقني ذهنيًا، إذ بت ألاحظ أدق التفاصيل في نظرات العين والارتعاشات البسيطة في الوجه، وطريقة المشي ودرجة الصوت، ووصل الأمر إلى أنني كنت أستطيع إدراك كل بدائل العبارات التي تمر في ذهن الشخصية قبل أن تقرر أخيرًا النطق بإحداها، عليّ الاعتراف أيضًا أن هذا ساعدني كثيرًا، في الغالب كنت أنهي ترجماتي في أوقات قياسية أثارت دهشة الناشرين، وحتى المراجعين الذين كانوا يعترفون لي في كل مرة بأنهم لم يعثروا على مجرد مفردة لم تكن في مكانها الصحيح. لهذا بدأت ترجماتي الأخيرة تصدر دون مراجعات تذكر.
يمكن القول إن الأمر قد تطور قليلاً بعد ذلك، وكان عليّ استيعابه والتعامل معه بمرونة وتفهم، دون أن يؤثر على اتزاني العصبي، ودرجة إدراكي لكل ما يحدث من حولي. فأحيانًا يكون عليّ أن أتجاهل رصاصة أطلقها الجنرال "بوينديا" لتمر بجوار رأسي تقريبًا، بينما أترجم برعب إحدى معاركه الدموية، وأحيانًا يكون علي أن أبدأ تمارين استرخاء عميق لأتخلص من وسواس النظافة الذي سببته لي "ريبيكا" عندما كانت تلعق التراب من على أرضية غرفتي طوال الوقت، مخلفة وراءها طبقة من لعاب لزج يلمع في الضوء!
ولكن الأمر بدأ يتعدى الخيال قليلاً عندما كنت أعمل على رواية " بيدرو بارامو" لخوان رولفو، لم يكن غريبًا أن أتخيل شخصيات الرواية تتحرك أمامي، بابتسامها وغضبها، بسخريتها وإشاراتها القبيحة، في النهاية كنت قد اعتدت الأمر، مجرد أن أبتسم وأنا أترجم وأسمع وأري، وفي القليل ألجأ إلى المعاجم فأوقف ملف الرواية الصوتية، وبصورة تلقائية تتوقف الصورة السينمائية الماثلة أمامي. كل شيء كان يمر بسلاسة وباستمتاع أحببته إلى أن جاءت هذه الفقرة، سمعتها في الملف الصوتي بينما أقرأها في الرواية أمامي، أوقفت الملف الصوتي لأكتب ترجمتها وأنا أنظر إلى بيدرو بارامو، ولكن بارامو كان واقفًا كتمثال يحدق فيّ، ارتبكت قليلاً ولكنه باغتني بنظرة غضب شديد وقال إنه لم يقصد هذا تحديدًا!! أصابتني صدمة لأنني كنت أثق في أن الخيال الجميل الذي يساعدني في الترجمة ويتشيد أمامي مجسدًا كل شيء، هو في النهاية مجرد خيال بحت، ولكنه تحول فجأة إلى حقيقة أفزعتني، أفزعني حقيقة أن يترك بيدرو بارامو الشاشة المتخيلة أمامي، ويدور ويقف بجواري ليقرر ببساطة أن هناك خطأ جوهري لا يمكن السكوت عليه، وأشار إلى شاشة اللاب توب أمامي وقال إنه صبر كثيرًا ولكنه في النهاية لم يحتمل. نظر إلي طويلاً كأنما ينتظر زوال الدهشة من وجهي وعندما تماسكت قليلاً بدأ يشرح محركًا كفيه في الهواء وهو يشير إلى فقرة " لن تشعر إلا بطعم أزهار البرتقال في دفء الزمن"
هذه الجملة لم تقلها دونيا ايدوفيغس وإنما قالتها دولوريس لخوان ابني.. هل تفهمني؟
.....
أومأت برأسي محاولاً الفهم، فرفع كفيه مرة أخرى في الهواء
انظر! إذا استمر هذا الخطأ فلن يكون بإمكانك التفرقة بين كلام الأم الذي يتذكره خوان في مقاطع متفرقة من الكتاب، وبين أحاديث أخري لشخصيات أخرى.
.....
ولم أستطع أن أرد أيضًا لأنني كنت مأخوذًا وأفهم شيئًا واحدًا، ولا يمكن أن أفهم خلافه، وهو أنني متعب أو مرهق وأن هذا الذي يحدث هو مجرد إجهاد عصبي ناتج عن استغراقي في الرواية، تمامًا كما كان يحدث أوقات الأحلام في روايتي الأولى. ونتيجة لتشبثي بفهمي هذا الذي رأيته معقولاً لم أرد، إذ كيف أرد على شبح متخيل!! كان بيدرو ينظر إلي فقط، وأخيراً بدا أنه فقد حماسته معي فتنهد ونكس رأسه في الأرض وهو يضع يديه حول وسطه. أخيرًا رفع رأسه وكنت أنظر إليه فقط، وبدأ يتحدث وهو ينظر إلى اليسار.. إلى لا شيء تقريبًا..
أنت مرهق الآن، بإمكانك أن تنال قسطًا من الراحة.
يجب أن أقول إنني انخطفت من أمامه، وبصورة أكثر دقة، قفزت في الفراش دون أن أعلم متى نهضت من على المكتب أو كيف مشيت هذه المسافة من حجرة المكتب لغرفة النوم؟ كل ما كنت أريده أن أنام لتذهب الهلاوس وأستعيد وعيي. نمت مرتاحًا وبهدوء، لم أشعر بشيء، لم أحلم ولم أرى بيدرو في منامي فنمت طويلاً.
استيقظت فجرًا، في الوقت الذي أحبه لمواصلة العمل، كنت هادئّا وابتسمت عندما تذكرت كل ما حدث، أعددت قهوة ومعها بعضًا من شرائح أقراص الخبز المحمص الذي كانت تصنعه أمي وترسله لي بانتظام، حملت كل شيء ودخلت إلى المكتب، ورأيته يجلس على مكتبي أمام اللاب توب فارتعشت يدي واهتز كوب القهوة وحدثني فجأة دون أن يلتفت..
قرأت كل ما ترجمته، جيد. جيد جدًا. في الحقيقة أود أن أقول إنه عمل مدهش، إذ كان بإمكانك أن تفهم دائمًا من يتحدث ولمن.
وحتى لو كنت مأخوذاً ولا أصدق فقد أصابتني كلماته بانتشاء وسعادة، نهض فجأة واقترب مني
آآآه.. جميل. قهوة وخبز محمص!
أخيرا قلت..
نعم. تفضل.
أمسك شريحة خبز وقلبها بين يديه..
لا. لا يمكنني للأسف. أنت تفهم طبعًا.
وكنت فعلاً قد بدأت أفهم، وقلت له فورًا إنني سعيد لأن الترجمة أعجبته.
أعجبتني طبعاً. ستحظى بإعجاب رولفو أيضًا، أنا متأكد. كيف تصنعون هذا الخبز المحمص؟ رائحته جميلة..
وكنت مأخوذاً عندما قال إنها ستحظى بإعجاب رولفو، ولكنني وجدتني أرد عليه وأشرح له كيف تصنع أمي شرائح الخبز المحمص. قال إنها تشبه طريقة عمل الخبز المحمص في المكسيك أيضًا، ولكنه وضع الشريحة في الطبق فجأة واتجه مباشرة إلى مكانه أمامي..
هيا.. لنواصل العمل.. لم يتبق إلا القليل وعلى أن أساعد كلما كان هذا ممكنًا.
جلست وأنا أفكر في أنني الآن أترجم رواية "بيدرو بارامو" وأنني كنت أتخيل أن بيدو يحادثني، ولكنه لم يكن خيالاً لأنني نمت واسترحت وأشرب القهوة الآن، وهو أمامي يقف منتظرًا أن أفرغ من قهوتي! وبينما أشرب قهوتي بدأ ينادي الجميع ليستعد لمواصلة العمل، كما لو كان مخرجًا لفيلم يمجد حياته وكان متحمسًا بصورة أدهشتني. وفور أن أنهيت قهوتي أشار إلى أنه لم يعد مهمًا أن أستمع للرواية الصوتية منذ الآن، إذ إنهم يستطيعون أن يسمعوني أصواتهم وسيصفون لي كل شيء بدقة تمامًا كما هو في الرواية. أصابني الحماس أيضًا وبدأنا العمل. أحيانًا كان بيدرو يترك كل شيء ليؤكد لي أن هذا الصوت يخص دوروتيا أو خوان بريثيادو، أحياناً كنت أسأله سؤالاً غبياً وأقول: لماذا حدث هذا؟ فكان يجيب ببساطة وهو يرفع كتفيه "لأنه حدث!". وعندما سألته مرة أخرى سؤالاً غبيًا يتعلق بقدرته على تقييم ترجمتي العربية رغم أنه لا يجيدها بالتأكيد، ضحك بصوت مرتفع وبطريقة ساخرة، وحين شعر أنني تضايقت قال بجدية " لدينا هنا لا توجد لغات، يوجد معنى فقط"! فأومأت برأسي باعتبار أنني قد فهمت!
مر العمل سريعًا وباستمتاع ودون تذمر أو إحساس الدهشة المقرف الذي كنت أشعر به في البداية، انتابني حماس لدرجة أننا كنا نواصل العمل لعشر ساعات متواصلة، وفي اليوم الأخير كنا قد واصلنا العمل طيلة النهار، فانتبه بيدرو وحدق فيّ فجأة..
إذا لم تكن تتعب فأتمنى أن تستوعب أن الموتى بإمكانهم التعب أيضًا. انهض وخذ قسطًا من الراحة يا رجل. أنت تخوزقنا حرفيًا!
قالها بطريقة أثارت ضحكي، لأنني كنت قد قرأت هذه الكلمة في ترجمات متنوعة وكنت أعتقد أنه لا ينبغي ترجمتها بهذه الصورة، ولكنني حاولت أن أجد كلمة تقابلها بالعربية فلم أجد كلمة أكثر لياقة من "تخوزقنا".
لم يستغرق العمل إلا ساعات قليلة إضافية، كنا قد انتهينا تقريبًا، وراجعنا النسخة المترجمة مرة أخرى ونالت رضاه، ثم بحماس تركته وبدأت أكتب تصدير النسخة فتركنى. لم أدر أنه يراقبني إلا عندما انتهيت، قال إنه لا يستطيع أن يجادلني في تصديري للرواية، وقلت له إنني سأنام قليلا وأنهض لنتناقش، لأنني كنت قد قرأت عدة تصديرات ومقدمات تحليلية في نسخ الرواية الأسبانية والإنجليزية، وكنت أطمح إلى كتابة تصدير تحليلي مغاير فوافقني.
يبدو أنني نمت طويلاً، لأنني عندما استيقظت بدا أنه كان ينتظرني، ولكنه لم يجرؤ على إيقاظي رغم أن هذا لا يوافق شخصية بيدرو، أشار إلى بسرعة فارتديت ملابسي وخرجت وراءه، رأيت شخصًا يقف بجوار المكتب ويحاول إشعال سيجارة، كان يرتدي بدلة كاملة ويتحرك بهدوء، توقفت مندهشًا ولم أعرف من هو لأنه كان مستديرا بظهره ناحيتي، وكان بيدرو يميل برأسه على هذا الشخص ويتبادل معه حديثًا لم أستطع سماعه، ظلا يتحادثان وكان بيدرو يشير بيده إلى النسخة المترجمة على جهازي ثم إليّ. في النهاية رفع بيدرو يديه و أشار إلي لأقترب، أخيرًا رأيت هذا الشخص وبقيت مأخوذًا لثوان لأنني عرفته تماماً، كان هو "خوان رولفو" الكاتب العظيم الذي أحبه، قال لي بيدرو: صافح الرئيس. اقتربت فصافحنى رولفو وشد على يدي.
علي أن أعترف بأنني كتبت تصدير الرواية بوحى من رولفو نفسه، فقد كتبت كل ما أراد أن يقوله بدقة، وأسهبت في شرح ما كنت أفهمه دون أن يشير إليه، وقررت في التصدير ناصحًا القراء ألا يلتفتوا إلى كل المقدمات التفسيرية الشارحة لروايته، وأن يمضوا قدمًا في القراءة، قال رولفو إن كل هذه التفسيرات والتخمينات والتقسيمات التي وضعها نقاد يقدر هو جهدهم كثيراً، لا تعدو أن تكون بناءً متخيلاً للرواية من وجهة نظرهم. ولكنها تصادر على البناء المتخيل الذي سيشيده كل قارئ بنفسه. حتى لو كان بناء هلاميًا. قال رولفو أخيرًا: إن كل شيء مقصود تمامًا، حتى محض الهلام.
يقينًا أصابني الرعب عندما تذكرت أنني طوال الأسابيع الأخيرة لم أذق لقمة ولم أشرب ولو رشفة ماء، وارتجفت عندما وجدت بقايا الخبز المحمص والقهوة على مكتبي كما هي لم تمس، منذ تلك الليلة التي قال لي فيها بيدرو إنها تشبه الخبز المحمص في المكسيك.
انتابتني هلاوس قطعتها بالنهوض، اتجهت إلى الثلاجة لآكل أي شيء، ولكنها كانت فارغة تقريبًا! ارتجفت أكثر عندما رأيت ملاءات تغطى كل أثاث البيت!! رائحة النفتالين تنتشر في كل مكان. لم أكن أستطيع التفكير لأنني كنت أنتفض وأنا أتذكر الحلم الذي حلمته بينما كان بيدرو ينتظرني، كان حلمًا مزعجًا كأنني مت، أتذكر كل شيء كما لو كان قد حدث بالأمس، حلمت بغطاء يغطي وجهي بهدوء، أصوات بكاء، أيد تتشبث بي وتهز جسدي، ووجوه تكشف وجهي مرة أخرى وتقبلني ثم تعاود تغطيته، تغسيلي بالماء ولفي بالكفن وسكب العطر، حملي في سيارة، صلاة الجنازة بالمسجد، كل من أعرفهم يمشون ورائي، ثم أخيرًا دفني. عندما أنهوا كل شيء واختفوا، استيقظت وقلت لبيدرو إنني كنت أحلم.
يبدو أنني فهمت كل شيء، فهمته وبدأت أبكي وأرتعش، وأتمنى لو أنني كنت ما أزال في حلم كبير لم أستيقظ منه بعد. ولكنني سمعت صوت مفتاح يتحرك في باب شقتي، انفتح الباب، ورأيت "منتصر" صديقي، تلفت قليلا في البيت، عيناه تلمعان ببكاء، اتجه إلى جهازي مباشرة وفتحه، هو الوحيد الذي يعرف الباسوورد، ظل قليلاً ينظر ويقلب، وأخيراً أجرى مكالمة هاتفية، قال في المكالمة إن ما ترجمته يقارب نصف الرواية فقط! خمنت أن الطرف الآخر هو الناشر صديقي أيضًا، وعندما أنهى المكالمة كان قد أغلق الجهاز ونهض ليخرج، مشيت وراءه وأنا أقول له إنني انتهيت فعلاً، وإنني كتبت تصديرًا جديدًا شاركني فيه رولفو نفسه، قلت أيضًا إنني سأجد طريقة لإرسالها. ولكنه خرج وتركني، لم أغضب منه، وبكيت كطفل وحيد.
ولكن هذا لن يكون مجديًا أبدًا، لا يمكن أن أبكي طوال الوقت هكذا فقط، فكرت فيما ينبغي علي عمله، أخيرًا نهضت واتجهت إلى المكتبة، جميل أنهم لم يمسوها حتى الآن، أخرجت رواية "رايولا" لكورتاثر، كان قد تم ترجمتها من قبل ولم تعجبني الترجمة أبدًا، وفورًا أعددت كل شيء للبدء، وفي أول جملة في الرواية ظهر أمامي أوليفييرا وتبعته لاماجا، شعرت أخيرًا بالونس والألفة وواصلت العمل. في الواقع كنت أعمل بسرعة لأتمكن من مقابلة كورتاثر في النهاية، لأنني تذكرت باعتزاز مقابلتي الأخيرة لرولفو، واندهشت لأنني نسيت تفاصيل كثيرة كنت أحاول تذكرها، كل ما أتذكره في وقفتنا الأخيرة أن بيدرو كان يتكلم ورولفو ينصت وأنا أومئ برأسي. أحياناً كانا يتحادثان بسرعة فلا أستطيع استيعاب أية معان، كل ما أتذكره أن رولفو حياني وأثنى على ترجمتي، ولا أتذكر حتى الطريقة التي اختفيا بها، بالتأكيد لم يكن اختفاءً مفاجئًا، أتذكر أنني كنت أشكرهم وأودعهم ولوحوا لي، وأشار لي بيدرو بيده إشارة سافلة وهو يضحك، فلكزه رولفو وذهبا هكذا فقط.