رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

العراقيل الإدارية والمالية.. تضرب الدور الثقافي المصري في مقتل

بوابة الجمهورية

انتبهوا أيها السادة

المسرح ضرورة للمواجهة والتنوير.. فلا تبخلوا عليه بالدعم والاهتمام
الناس في أمس الاحتياج إليه.. والبديل كارثي لو تعلمون

هذه إشارات ثلاث، ربما تظن أنه لارابط بينها، لكني أظن أن الرابط موجود، وهو، باختصار: أن المسرح ضرورة، وأن الناس في احتياج إليه، وأن البديل كارثي، ورغم أننا نعرف ذلك جيدا، فإننا لانتورع عن ضرب المسرح، ووضع العراقيل أما صناعه، والتضييق عليهم، كأننا لانريد خيرا لهذا البلد.


الإشاراة الأولي: في قصور الثقافة هناك تجربة مهمة اسمها "نوادي المسرح"، يتقدم أعضاء النادي بمشروع لانتاج عرض مسرحي، وتذهب لجنة تشاهد جزءا من العرض، وتناقش صناعه، وإذا انتهت اللجنة إلي أن المشروع جيد توافق على إنتاجه، ومبلغ الإنتاج هو ألفان وخمسمائة جنيه فقط لاغير.

شاركت في إحدي اللجان مع الصديقين المخرج حمدي حسين ومهندس الديكور محمد هاشم، وفوجئنا بأحد المشروعات الضعيفة للغاية، المخرج مازال يتحسس طريقه، والممثلون ربما لم يشاهدوا عرضا مسرحيا واحدا في حياتهم، وكان من المنطقي أن نرفض إنتاج هذا العرض، لكننا - وأرجوك لاتتعجل في الحكم علينا - وافقنا، وبمنتهي الرضا، علي إنتاج العرض.

الفرقة التي قدمت المشروع تنتمي إلي بلده نائية، لايوجد بها أي منفذ ثقافي سوي بيت الثقافة وهو عبارة عن شقة في المساكن الشعبية، لامسرح ولايحزنون، والمخرج استطاع تجميع أكثر من 15 شابا وفتاة، فكرنا أين يذهب هؤلاء لو رفضنا مشروعهم، ثم أليس من واجبنا أن ندعمهم ببعض النصائح ونوجههم إلي بعض الكتب ليقرأوها حتي تترسخ علاقتهم بالمسرح؟ فعلنا ذلك ووافقنا على المشروع واثقين أننا اكتسبنا 15 شابا وفتاة وأتحنا لهم فرصة ممارسة عمل فني في النور، بدلا من ممارسة عمل آخر في الظلام.

أسلحة التنوير
الإشارة الثانية: "انظر الصور المرفقة بالمقال".. عندما نطالع صور أهالينا في القري والنجوع الذين تستضيف قراهم ونجوعهم بعض العروض المسرحية التي ترسلها وزارة الثقافة إلي الأقاليم، ونري الإقبال الكبير على مشاهدة هذه العروض، ندرك أن الناس في حاجة فعلا إلي المسرح، وأنه واحد من أسلحة التنوير المهمة جدا التي يجب أن نحرص على تزويد الناس بها.

الدولة تنفذ الآن مشروع حياة كريمة، وهو واحد من المشاريع المهمة التي تغير حياة أكثر من ستين مليون مواطن ومواطنة، مساكن آدمية، ومياه شرب نظيفة، وكهرباء، وشوارع مشجرة ومرصوفة، ووحدات صحية عصرية، ومناطق خدمات لم يعرفها الريف المصري من قبل، هذا المشروع إذا لم ندعم المستفيدين به ثقافيا، فسيكون محكوما عليه بالفشل والفناء، والمسرح هو أهم عنصر ثقافي يمكن من خلاله تطوير وعي المواطنين بما يتيح لهم الحفاظ على المكاسب التي تحققت لهم، وربما يكون حرص وزارة الثقافة على تقديم العروض المسرحية لأهالي حياة كريمة، نابعا من إيمانها بأهمية وضرورة المسرح.

وأنت إذا تأملت الصور التي تبثها وزارة الثقافة لجمهور العروض المسرحية في الأقاليم لأدركت على الفور حاجة الناس الماسة إلي المسرح وإلي الثقافة بوجه عام، وأدركت كذلك أن البديل يمكن أن يكون كارثيا.

أجور عالية
الإشارة الثالثة: هناك بعض الدول الشقيقة تحرص الآن على إقامة الأنشطة الثقافية والفنية بشكل موسع، وتستعين بمئات من الفنانين والمثقفين المصريين، وكل من يشارك من مصر في نشاط فني أو ثقافي يحصل على أجر كبير جدا ربما يتجاوز مائة ضعف مايحصل عليه في مصر، وهذا أمر جيد، خاصة أن المسألة عرض وطلب، لكنه، من ناحية أخري، وبمرور الوقت، سيحدث فراغا كبيرا في مصر، إذا لم ندعم فنانينا ونزيل العراقيل البائسة التي نضعها في طريقهم.

المشكلة أن هذا الفنان، الذي يتقاضي أجرا خياليا من الدول العربية التي يعمل بها، وهذا حقه وواجبها، عندما يعمل في مصر، وهو يعلم جيدا أنه سيتقاضي أجرا بسيطا ويقبله راضيا مرضيا، تقف العراقيل المادية والإدارية في وجهه بالمرصاد، مطلوب منه فاتورة إليكترونية حتي يحصل على أجره الذي ستخصم منه ضريبة القيمة المضافة كأنه يبيع سلعة ولايقدم فنا، هذا إذا تم التعاقد معه أساسا حيث تم إيقاف التعاقد لحين إشعار آخر.

أخيرا فإن الدور الثقافي المصري التاريخي مهدد بالتآكل إذا لم ننتبه إلي مانفعله، ونتراجع عن هذه الممارسات التي تضرب الفن والثقافة في مقتل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فإن العراقيل التي نضعها في وجه الأعمال الفنية والثقافية ليست شطارة والله، بل هي الغباء بعينه، الدولة تنفق المليارات على مشروعات حياة كريمة وغيرها، وكل هذه المشروعات حتي يتم الحفاظ عليها يلزمها مواطن مثقف ومستنير ولديه وعي حتي يدرك قيمة مايملكه وماتحقق له من مكاسب، والانفاق على الأعمال الفنية والثقافية ليس ترفا بل هو ضرورة، يسروا على الفنانين والمثقفين فهم أقوي الدعامات التي يجب أن تستند عليها الدولة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة