رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رَحلَ شامخًا وذِكْرُه طيبٌ بين البشر... وداعًا " عمي الحاج خليفة "

بوابة الجمهورية

بقلم: عصام علي


ما إن يهبط في قلبك نبأ الموت حتى تشعر بالحياة وقد اتشحت برداء الحزن يلفها من كل جانب، يهون في نظرك كل شيء، وتتبخر الأحلام كأنها لم تزرنا يوما؛ لأننا ندرك - حينها - حقيقة الدنيا الفانية التي لا تخلص لأحد بالخلود - مهما كان عظيما ونبيلا - يداهمك هذا الشعور بمجرد سماعك لنبأ الموت عامة، أما وإن أضيف هذا الموت لعزيز عليك فالأمر يزداد صعوبة وقسوة، يزداد مرارة مبهمة المقدار حتى لتجدها في الهواء الذي تستنشقه، وفي الضوء الذي تبصره، فأي ألم أكبر بعد أن يتحول الهواء ( رمز الحياة) إلى مرارة؟!

وأي فجيعة أعظم بعد أن يصير الضوء ( أمل الحياة) مرارة نبصرها أينما وجهنا أعيننا؟!

جاءني نبأ وفاة فقيدنا " عمي الحاج خليفة " عصر الأحد الموافق للثاني من يناير الجاري، فانفرطت أمامي ذكرياته التي شهدتها بنفسي أو قصها لي أحد أقاربي أو رواها أمامي بنفسه ، وكأني بهذه الذكريات في انفراطها تبكي متخذة كل ذكرى منها جانبا ؛ لتنوح فيه على هذا الرجل الشامخ الذي عاش بين الناس بقلب سليم لا يعرف الغدر ويجهل الجبن ، يعطي كل إنسان حقه ومقداره ، ولا ينتقص من قدر أحد كان من كان ، وفي نفس الوقت لا يجرؤ أحد على أخذ حقه أو الانتقاص من قدره ؛ لأنه لن يهنأ بما فعل، فسرعان ما يثب كالأسد ليسترد حقه دون نقصان!

عاش " عمي الحاج خليفة " بمبادئ سامية كلها تدل على صفاء سريرته ، فقد كان متسامحا لأبعد الحدود ، لا يُضْمر بداخله الضغينة لأحد حتى وإن أسأء إليه، فبمجرد أن يأتيه مقدما اعتذاره يصفح صفحا جميلا كأن شيئا لم يحدث ، وما كان هذا الخلق فيه وليد موقف أو موقفين بل كان صفة متجذرة بداخله لازمته حياته بأكملها ، وهذا يدل على القدرة الفريدة التي تحلى بها ، فلا يقدر على الصفح عن الآخرين إلا من تحلى بقدرة تمكنه من الوثب على الشر وتجاوزه للوصول إلى شاطئ الخير والسلام!

وإلى جانب ذلك التسامح الكبير كان جابرا للخواطر، وله مبدأ في ذلك سأظل أذكره ما حييت، فكان يرحمه الله عندما يأتيه أحد - أيا كان - يعرض عليه الصلح مع أحد أو جماعة يقول موجها الكلام للحاضرين :" اللي داخل في حاجة جايلك وشمعته قايدة وأنا لا يِمْكن أطفي شمعة حد..." فيقبل دون نقاش!

وقد امتلأت حياته - على مدارها - بحكايات بطولية رائعة في الخير، فيذكر لي أبي - حفظه الله - أن " عمي الحاج خليفة" كان مسافرا يوما إلى القاهرة، وبجانبه رجل لا يملك نقودا لدفع قيمة تذكرة القطار؛ مما جعل" الكمسري " يعتدي عليه بالضرب، ولم يرق هذا التصرف عمي الحاج خليفة مما جعله يدفع الكمسري مدافعا عن هذا الرجل قائلا له :" أنا أدفع له التذكرة ومتضربهوش"

وإلى جانب ما سبق من صفات جليلة تبنى دعوات غاية في الرقي والإنسانية، فكان يدعو - دائما - لنبذ العنف والتمسك بالتحضر، وأن الإنسان الناجح في الحياة من يتجنب الخصومات والمشاكل؛ رغم إن هذه الدعوات في مجتمعنا الصعيدي قليل من يتبناها ويحث أهله عليها، فلا ينادي بها إلا رجل أدرك حقيقة الحياة ووهبه السلامُ مفاتيح مدينته!

أحب " عمي الحاج خليفة" القرآن الكريم، وأحب كل من يحسن إليه مجودا له بحنكة واقتدار، فلقد رأيت عنده بأم عيني - منذ صغري - كرتونة كاملة بها شرائط للقرآن الكريم بصوت الشيخ " محمود صديق المنشاوي" وكلما أسمعنا شريطا يقول لنا :" هذه حفلة بلد كذا عند عائلة كذا" ومع محبته للقرآن الكريم أحب وطنه ( مصر ) كثيرا فكان يتابع أخبار السياسة عن كثب ويشيد بالإنجازات المصرية مفتخرا بها أيما فخر، وإذا سمع من أحد رأيا يخالف المصلحة الوطنية أو يقلل من قيمة الوطن ينهره ولا يسمح له بإتمام قوله، ومع محبته للوطن أحب الرموز الوطنية التي قدمت كل جليل للشعب المصري، فكان يفخر بالرئيس الراحل " جمال عبد الناصر" بأنه صاحب قانون الإصلاح الزراعى وكان يقول عنه : " ناصر الفقراء" ويقول عن الرئيس السيسي :" منقذ البلد"

وهذا الإخلاص الوطني وجدناه في محبته الشديدة لقريته

" الكوم الأحمر" فكلما جاء ذِكر قريتنا أشاد بها، وذَكر أهلها بالخير واصفا إياهم بأنهم أهل أصل وفضل؛ لذاك لم يتأخر عن أي مناسبة - سواء أكانت حزنا أم فرحا - تحدث في بلدتنا العامرة (الكوم الأحمر) إلا ويشارك فيها؛ لأن هذا هو المعنى الحقيقي للانتماء والتضافر بين أبناء المجتمع الواحد.

وقد شُغِف " عمي الحاج خليفة" - رحمه الله - بالعلم أيما شغف، فكان يستمع إلى العلماء ويرفع من شأنهم، ويبذر في قلوب أحفاده محبة العلم والسعي إلى تحصيله!

لقد كان" عمي الحاج خليفة" حقيقة ثابتة لا تختلف عن حقائق الكون من حولنا، كان حقيقة تأبى الانهزام، وعزيمة لا تعرف الهوان، خصني بالكثير الكثير من المحبة والتقدير وأعترف - الآن - أنني سأفتقده كثيرا! سأفتقده كما يفتقد الطائر لجناحه، والنهر إلى مائه، والمركب إلى شراعه، سأفتقده كما يفتقد الإنسان إلى وطنه ويعيش غريبا بعيدا عنه!

رحل " عمي الحاج خليفة" شامخا بعد أن وَطَّن في نفوسنا مبادئ ومواقف سنظل نعمل بها ونرويها لأبنائنا وأحفادنا - متى بلغنا هذا العمر - حتى يدركوا معنى الخير وقيمة محبة الناس.

فاللهم اغفر له وارحمه، وأسكنه فسيح جناتك، إنك - سبحانك - ولي ذلك والقادر عليه..





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة