البارد والحار
قصة قصيرة
بقلم: محمد عبد المنعم زهران
.. وجاء ليستقر هنا أخيرًا.
كان هذا في نوفمبر الماضي تقريبًا. آه كان نوفمبر، لأنني أحب نوفمبر. لم يكن يفهم سببًا لرغبته الدائمة في العيش قريبًا من ميدان سليمان باشا، وتحديدًا في شارع محمود بسيوني. بالتأكيد كان يشعر بالارتياح الذي كنت أشعر به. أنتِ أيضًا كنتِ تشعرين بهذا الارتياح والصفاء يا "زهرة"، ربما كان شعورنا طبيعيًا وعاديًا لأننا قضينا أجمل سنواتنا في هذا الشارع، بالنسبة إليه كان كل شيء يبدو غامضًا وغير قابل للتفسير.
قبل هذا ظل لسنوات في تنقل رتيب ومرهق بين بلدته وهنا. كان يقضي أسبوعًا من كل شهر في أحد بنسيونات الشارع للاسترخاء والاستمتاع بالعيش منفردًا. أغلب رواد البنسيون من الأجانب أو الفنانين التشكيليين، وكان يستمتع بتبادل الحديث معهم، أحياناً يقضي أوقاتًا في النادي اليوناني أعلى مقهى جروبي، يرقص مع رواده على إيقاع موسيقى زوربا، ثم يمر أثناء عودته إلى البنسيون على محل "أورفانيدس" ليشتري شيئًا يشربه. في الغالب كان يشرب ويعاود النزول إلى الشارع، ليمشي في هدوء الليل، يقطع شارع الملكة نازلي، ثم يدخل شوارع لم يسبق له المرور فيها، ليصل أخيرًا إلى شارع قصر النيل، وفي ليال أخرى يتمشى حتى شارع المعز ويجلس بمقهى حتى الصباح.
وعندما رأى إعلاناً عن شقة للإيجار في العمارة المجاورة للبنسيون، اندفع دون تفكير وأبرم العقد. ليقرر الاستقرار نهائيًا هنا. في يومه الأول خرج إلى شرفة الشقة وباغته إحساس الذهول مختلطًا ببهجة لا حدود لها، لأنه اعتقد أنه المكان الذي تمنى أن يعيش فيه، ربما بدأ يفسر الأمر بالطرز الجمالية العتيقة للعمائر والشقق، وارتفاع أسقفها الذي يمنح شعورًا بالاسترخاء، شيء وحيد لم يكن يعطيه أهمية إذ كان يعتقد أنه محض خيال يا "زهرة"، إحساسه الغامض بأن هذه الأماكن ما تزال عامرة بسكانها الأصليين، في البنسيون أحيانًا كان يستقيظ ويعتقد أنه رأى طيفًا لباشا يلوح له بيده بينما يمر عبر الباب، باشا بملابس رسمية، على رأسه طربوش أحمر وفي يده عصا أبنوسية، وفي أوقات أخرى بين اليقظة والنوم يرى طيف الباشا جالساً على كرسي بجواره، مريحاً رأسه على عصاه الأبنوسية!
لقد باع كل شيء يا زهرة بعد أن توفى أبويه وكنت أعلم أنهما فقط سبب بقائه في مدينته بالجنوب، تللك المدينة التي لم يكن يحبها أبدًا، كانت مسخًا مشوهًا تتلاقى فيه أبشع ما في المدينة وأسوأ ما في القرية، لم تكن تملك روحًا تخصها، مثلها مثل عشرات المدن التي فشلت أن تؤسس لروح تخصها. للمدن أرواح أيضًا يا زهرة، والمدينة التي تفقد روحها تبدو مصدراً دائماً للتهديد، كحرب أهلية على وشك الاشتعال، تتحول إلى مرض مزمن لا سبيل فيها للراحة والأمان إلا بتحويلها إلى أنقاض ومن ثم بناؤها من جديد بروح صانعيها الأصليين.
لذا فقد بدأ -منذ اليوم الأول الذي قضاه في الشقة- بإزالة كل ما طرأ عليها، أعاد تجهيز كل شيء وفق تصوراته وطبعًا كان هذا يرضيني تمامًا، أصلح الأرضيات التى فسدت، وأعاد طلاء الجدران إلى ألوانها الأولى ولم يدهشني هذا أبدًا، بدأ في الأيام التالية في تأثيثها وتركيب الستائر والنجف والشمعدانات في أماكنها تمامًا.
في مساء الثامن والعشرين من أبريل والذي يوافق عيد جلوس الملك فاروق على العرش، كان قد أتم تجهيز البيت بكل التفاصيل الصغيرة، أشعل الشمعدانات وجلس على الكرسي الهزاز لينصت إلى أغنية لأم كلثوم على أسطوانة الجرامافون، انظري يا زهرة، لقد اشترى ذات الجرامافون، إنه هو نفسه! اندهشت عندما رأيته يتوقف أمام دكان أنتيكات ورأيته يلتقط الجرامافون ويشتريه بمبلغ كبير!!
من فضلك اتركني الآن يا عبد اللطيف، أنا مشغولة مع سعاد لأنها حتى هذه اللحظة تدور في الشوارع دون أن تعثر على العمارة، كيف يمكنني أن أدلها عليها؟ أخشى أن تبتعد فتذهب كل خططنا أدراج الرياح! أراها الآن تبتعد وتتجاوز الميدان وتمضي في شارعنا دون أن تنتبه، انظر!! لقد واصلت المشي حتى مشارف مدرسة الراهبات الفرنسيسكان! كيف أستطيع أن أجعلها تعود؟ افعل شيئًا يا عبد اللطيف، يبدو أنها نسيت العمارة تمامًا! تتجه إلى ميدان الاسماعيلية!! كانت قد جاءت مرات قليلة بصحبة والدها، ولكنها كانت صغيرة، الآن تمضي متعثرة في حقيبتها دون أن تفهم. آآه أخيرًا وبمصادفة سعيدة وقفت أمام "جابر"، أنت تذكره طبعًا: جابر ابن مجاهد بواب عمارتنا، صار عجوزًا الآن. حمل الحقيبة ومضى بجوارها وهي تتلفت في الشوارع، عاد بها إلى مشارف ميدان سليمان باشا، وعندما رأت مقهى جروبي تذكرت ورأت العمارة أخيرًا. سألها البواب العجوز إذا ما كانت تعرف الشقة فقالت بثقة "طبعا". وضع لها الحقيبة في المصعد ورمقها وهي تصعد.
في الدور الرابع تلفتت لأنها لم تكن تتذكر أي شقة تكون، وقادها حدسها إلى باب تعلوه أتربة لأنه لم ينفتح من وقت طويل فاتجهت إليه، وضعت المفتاح وانفتح بسهولة فتنهدت بارتياح.
كنت سعيدة جدًا وكدت أن أبكي يا عبد اللطيف، لأنني أراها الآن في بيتي أخيرًا. كل ما يؤلمني أنها جاءت لتبقى أسابيع قليلة، لأنها تعد العدة للهجرة النهائية إلى سويسرا! لم يكن بمقدوري شيء. عنيدة مثلي!! أبوها هو السبب! كان يحدثها دائمًا عن الريف السويسري. لم يترك مخيلتها أبدًا، وظلت طوال الوقت تحلم بالعيش هناك. انظر يا عبد اللطيف! إنها لم تبق في البيت إلا دقائق قليلة!! خرجت وعبرت الشارع واستأجرت غرفة في بنسيون. لم أستطع أن أفهمها أبدًا يا عبد اللطيف، أنا أعاني فعلاً، ومهمتي تبدو مستحيلة معها!
تأكدي أن الأمر سيكون شاقًا وغير مضمون النتائج، ورغم ذلك فالأمور تسير بطريقة مرضية. محمود استطاع أن يعيد تأثيث الشقة على النحو الذي أحبه، لم أكن أطمع أن يشتري نفس سريري النحاسي الذي لن يعثر عليه أبدًا، ولكنه استطاع شراء آخر يلائمني تمامًا. استطعت أخيرًا أن أستلقي على فراشي بعد سنوات طويلة قضيتها ضائعًا، أستلقي وأنا أراه يقف في الشرفة المطلة على مدخل الميدان وينظر بضيق للأتربة المتصاعدة من شقتك، لأن سعاد استأجرت امرأة لتتولى تنظيف البيت ورفع أكوام الأتربة من الأرض والأثاث، أغلق الشرفة بضيق لأنه يكره الأتربة، وحين التفت رأى طيف الباشا الذي تعوّد أن يراه، رآه نائمًا في السرير الجديد مرتدياً ثياب النوم، كان قد اعتاد على رؤيته واقفًا أو أو جالسًا على كرسي كما حدث في البنسيون أو متجولاً بين الغرفات، ولكنه لأول مرة يراه بثياب نوم، ولم يشعر بالخوف أيضًا، فقط ابتسم لأنه عندما عاد ينظر إلى الفراش رآه خاليًا، فبدل ملابسه ونام إلى جواري!
كيف يمكننا أن نجعلهما يتقابلا؟ هل سيكون بإمكانه أن يحبها وهي بهذه الصورة البشعة من العناد ورفض كل شيء؟! إنها لا تراني! أو ربما تراني وتتجاهلني ولا تبدي أدنى اهتمام، عقلها وحده من تنصت إليه، وكان يرسم أمامها الريف السويسري فقط فلا تعود قادرة على رؤية أي شيء عداه. هل كنت سيئة لهذه الدرجة يا عبد اللطيف، أرى نفسي فيها دائمًا، كيف كان بإمكانك أن تحبني؟
اتركي كل شيء الآن يا زهرة، كل ما يمكنك فعله هو أن تجلسي هنا في شرفتك،على مقعدك المريح بمفارشه البنفسجية التي أحبها وتسترخي لتراقبي كل شيء، أنا أيضًا بدوري سأترك محمود ينام في سريره الجديد، وسأخرج إلى الشرفة قبالتك لأجلس على المقعد الهزاز. سنجلس هكذا دائمًا وسنراقب كل شيء، تأملي فقط، ولكن عليك ألا تشعري بالأسى أبدًا. آن لنا أخيرًا أن نكون سعداء يا زهرة رغم كل شيء أو ربما فقط لأننا نجحنا في أن نعيدهما إلى هنا.
***
وأنا أيضًا استسلمت للجلوس على مقعدي، لأراقب فقط كما قلت يا عبد اللطيف، ورأيت سعاد تخرج. لتجري اتصالات بمكتب الهجرة لتعرف الوقت المحدد لخروج التأشيرة، كما أجرت اتصالات أخرى بمكاتب سماسرة لبيع الشقة. وحين عادت نصحها "جابر" البواب أن تضع لافتة على الشرفة، وفي الشارع كان محمود عائدًا من العمل، ورآها لأول مرة. كنت أفكر في طريقة لأمكنهما من التعارف أو تبادل حديث بسيط يا عبد اللطيف!، ، ولكنك كنت مصرًا على أن نراقب فقط! وكنت مغتاظة منك!!
في المساء رأيت سعاد في شرفتك، كانت تقف بجوارك دون أن تشعر بك، وتضع لافتة أن الشقة للبيع النهائي وعليها رقم هاتف، في هذه اللحظة خرج محمود ورآها وتذكر أنه رآها وهو يدخل الشارع، تأمل اللافتة ونظر إليها طويلاً. ولكنها دخلت فور أن انتهت من وضع اللافتة، وأغلقت الشرفة.
أنا أراقب فقط كما تقول، ولا شيء يحدث يا عبد اللطيف! لا شيء يحدث!!
قرب منتصف الليل خرج محمود إلى الشرفة يا زهرة، فاضطررت أن أترك له مقعده الهزاز الذي أحبه، لأنه اعتاد أن يجلس وينصت لأم كلثوم. خرجت سعاد وهي تدخن سيجارة وكنتِ تجلسين بجوارها تنظرين وتشيرين إليّ أن أفعل أي شيء! ولكننا كنا قد اتفقنا على ألا نتدخل أبدًا، وبدا عليك الغضب يا زهرة فتركتِ مقعدك غاضبة ودخلتِ واختفيتِ، بعد دقائق قليلة دخلت سعاد أيضًا وأغلقت الشرفة بغضب أيضًا! ربما لأن محمود نظر إليها بطريقة رأتها ريفية وبدائية. في الصباح التقط محمود هاتفه واتصل بالرقم على اللافتة، وسمع صوتها لأول مرة. بعد دقائق رأيته يتجول في شقتها، يدخلان معًا إلى حجرة ثم يظهران في الصالة وما يلبثا أن يدخلا حجرة أخرى وأخرى وهي تتكلم، أخيرًا خرجا معا إلى الشرفة، ورأيتك تبتسمين يا زهرة كأنك تعتذرين لي، ربما لأن غضبك بالأمس لم يكن مبررًا. بعد قليل هبطا معًا ودخلا مقهى جروبي أسفل العمارة المجاورة. ولم يكن لدي فضول أن أرى أو أسمع. لأننا اتفقنا أن نجلس هنا فقط يا زهرة، فلا تغضبي.
أنا يقتلني الفضول يا عبد اللطيف، وأوشكت على نقض اتفاقنا وأن أتدخل بسرعة، ولكنني لم أكن أريد إغضابك مرة أخرى. كان عليّ أن أتوقف عن الغضب والاشتعال الذي أشعر به في جسمي عندما تصيبني العصبية المزعجة. قضيا ساعتين تقريباً بالداخل وخرجا وهما يضحكان، وكان هناك صفاء يلوح على وجهها لأول مرة، ولكنك لم تكن تنظر إليهم يا عبد اللطيف! أنت كنت تراقبني عندما خرجا، لماذا كنت تراقبني؟! للحظة خاطفة فكرت بأن الأمر لم يكن مهمًا بالنسبة إليك! لم يكن مهمًا أن يلتقيا أو أن يبدءا حبًا هادئًا وسعيدًا كما كنا نخطط، لم أعد أفهمك! تجبرني على ألا أنصت لاتصالاتهما وأحاديثهما التي بدأت تمتد لوقت أطول من المعتاد! وكنت أريد أن أفهم ماذا يحدث؟! هل بدأ انجذاب ما بينهما؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد تفاوض مستمر لأن محمود يرغب في شراء الشقة؟! مضت أسابيع وأنا لا أفهم، لا أفهم أي شيء! وأكاد أجن!! أحيانًا يتحادثان ويلتقيان، وأحيانًا أخرى تمر أيام لا يتبادلان فيها حديثًا، ولا يلتقيان، لماذا ألزمتنا بألا نتدخل أو نسمع؟ لماذا أردتنا أن نراقب فقط؟!
أكره هدوءك هذا الذي يغيظني! برودك الخانق يثير عصبيتي مرة أخرى!! لأنك لا ترد عليّ، تكتفي بأن تشير إلىّ كي أصمت. في هذه الليلة كانا يقفان في الشرفة يتبادلان حديثًا لا أسمعه فقط لأنك لا ترغب في أن نتدخل أو نسمع! لم أسيطر على نفسي هذه المرة، صرخت في وجهك وقلت إنك بارد ودخلت لأنني لم أكن أريد أن أراك، وتركتك على المقعد الهزاز باسترخائك الممل، لتنظر إليهم فقط، لأننا اتفقنا أو لأنني محض غبية وصعبة المراس وهوائية المزاج وهيستيرية إلى أبعد مدى، لدرجة أنني بكيت لأنني تسببت في ألمك، وكنت قد ألزمت نفسي ألا أعاود إيلامك. وخرجت مرة أخرى لأعتذر لك، ولكنك لم تكن هناك، فقط سعاد ومحمود ما يزالا يتحادثان ويبتسمان. ودخلت لأبكي مرة أخرى لأنني بدأت أكره نفسي وأمقتها وأزدريها، كيف كان بإمكانك أن تحبني وأنا بهذه الصورة البشعة يا عبد اللطيف؟ إذ كان من المفترض ومن اللائق أن أثق بترتيباتك، أنت من خطط لكل هذا ووافقتك وكنت سعيدة لأنني أعلم أن خططك غير قابلة للفشل أبدًا. ولكن ما زال بإمكاننا استعادة كل شيء، كل ما خططنا له، حضورهما إلى هنا، والالتقاء، والحب والزفاف السعيد ذلك الذي لم نحظ به أبدًا. الآن أفهم لماذا تصر على ألا نتدخل، تريد أن تكون لهما الإرادة الحرة كما كانت لنا، أن يبدأ الحب بينهما لأنه لا بد أن يبدأ ولأنه حقيقة فقط.
انظر الآن إلي الشرفة سترى حفيدتي الجميلة سعاد وحفيدك محمود يتبادلان الابتسام، الآن بت واثقة أنهما سيستطيعان تجاوز كل العوائق التي منعتنا من العيش سويًا. واضطرتنا للعودة أنا إلى الإسكندرية لأتزوج وأنجب وأنت إلى مدينتك في الجنوب لتتزوج أيضًا وتنجب، ولكن أحدًا لم يستطع منعنا من مواصلة الاتصال كل وقت، التقينا تسع مرات وفي المرة الأخيرة كانا قد ولدا: محمود وسعاد. قبلتني بعينين هادئتين وأنت تتأمل تجاعيد وجهي وأنا ألمس شعر رأسك وكان ما يزال بالغ الطول أبيض فضيًا، وكنت أحبه أبيض فضيًا، وعدنا لنعاود اتصالاتنا الدائمة.
يخيل إلي يا عبد اللطيف أننا قد متنا في لحظة واحدة، لأنني عندما حاولت الاتصال بك في لحظاتي الأخيرة رن هاتفك طويلاً قبل أن تجيب، ولكنني لم أتمكن على قول مجرد ألو بسيطة، ويبدو أنك لم تتمكن أيضًا. كان آخر ما سمعته صوت حشرجاتك المخنوقة، ويبدو أنك كنت تسمعني أيضًا ولم أشعر بشيء بعد ذلك.
لماذا لا ترد علي يا عبد اللطيف ؟ هل أنت غاضب؟ من فضلك لا تغضب مني، أنت دائمًا لا تغضب، لا تغضب الآن من فضلك.
معك اعتدت الأمر يا زهرة، عندما تغضبين أتركك قليلاً لمجرد أن تهدأي، عندما تنتابك العصبية لا تستطيعين السيطرة على نفسك، يحمر وجهك كثيرًا، ويرتعش كل جسدك وكأن أمواجاً هائلة من ماء يغلي تتلاطم في رأسك، ثم بعد ذلك تهدئين وتبكين. اعتدت الأمر يا زهرة. اجلسي على مقعدك وراقبي فقط، كما أفعل تمامًا، كل شيء سيمضي كما هو مقدر، لن تفلح تدخلاتنا، ربما ستزيد الأمر تعقيدًا. لقد فعلنا كل ما بوسعنا، ولكنني أعتقد أنه يمضي بنجاح.
لقد بدءا يخرجان معًا كثيرًا كما ترين، وإذا لم يكن بإمكانك أن تلاحظي لأنك تغضبين على الدوام، فأنا أستطيع ملاحظة العينين، يكمن كل شيء في العينين يا زهرة، لقد أحبها في اللحظة التي أغلقت فيها باب الشرفة في وجهه، عندما رأته ينظر إليها، وتأكد أنها تبادله الحب عندما كانا يتمشيان في شارع قصر النيل يتأملان فتارين المتاجر، وخرجت صديقته فجأة من متجر واحتضنته وقبلته في خده، فلاحظ الأدخنة الملتهبة تخرج من رأسها. قام بإجراء تعارف لم يكتمل لأن سعاد أومأت بابتسامة باهتة ونظرت بعيدًا! فتشاغل عنها بصديقته التي ترتدي فستانا أحمر جديدًا وكانت تستدير أمامه لتريه فستانها الجديد، وقال لها إنه جميل. عندما جلسا على مقهى بعد ذلك، كانت ما تزال الأدخنة تتصاعد من وجهها الأحمر، فاقترب منها وقال لها أحبك. حدقت سعاد في وجهه طويلاً واستطاع أن يرى الاحمرار على وجهها يتلاشي، والأدخنة الملتهبة تتبدد، أخيرًا تسللت بهجة صغيرة إلى وجهها، التقط يديها وقبّلهما فابتسمت.
انظري الآن يا زهرة إنهما معا طوال الوقت، التحقت زهرة بالعمل في مكتب الهجرة الذي كانت تنوي أن تسافر منه، لأنهم كانوا بحاجة لموظفة جميلة، وساعدها محمود في إعادة دهان شقتها وتجديد كل أثاث الغرف، وفي يوم عيد ميلادها أهداها تلفازا كبيرًا وحديثاً جدًا وضعته في غرفة المعيشة. اتفقا على كل شيء بينما يستعدان لبدء حياة أكثر سعادة من حياتنا يا زهرة! ورغم أخويها اللذان ظلا يحادثانها كل يوم في الهاتف لأن شخصًا يشغل منصبًا هامًا تقدم لخطبتها، لم يعطيا الأمر أهمية، وبدءا يخططان لحياة جديدة.
هذا يشبه ما حدث لنا يا عبد اللطيف، أتذكر، كنا نجلس في كازينو ورأيتك تحدق في صورة الملكة فريدة والملك فاروق في جريدة نشرت صور زفافهما، وشعرت فجأة بالضيق والغضب وأنت تتحدث عن جمال الملكة ورقتها وأناقتها! هل كانت هناك أدخنة تخرج من رأسي؟ في هذه اللحظة تمامًا قلت لي أحبك فابتهجت. أجلس الآن أمامك على مقعدي وأنظر إليك وأراك تتوقف فجأة عن التأرجح على كرسيك الهزاز..
ألا تزال تحبني يا عبد اللطيف؟
نعم. أحبك.
تحبني بالقوة التي كانت في زمننا الذي عشناه؟
وأكثر. وأكثر يا زهرة.
أشعر بالارتياح يا عبد اللطيف، أشعر بأنني أيضًا أحبك أكثر. ينام محمود وسعاد الآن، ربما يحلمان، ولكنني أعيش معك في زمن آخر نحلم بلا نوم، وأحبك أكثر.
في الصباح بدا أن هناك ارتباكاً يحدث في كل شيء، فقد خرج محمود إلى الشرفة إثر سماعه صوت سعاد تصرخ في الهاتف، خرجت أنا أيضًا ورأيتك، كنتِ ترتعشين بخوف يا زهرة بعد قليل خرجت سعاد إلى الشرفة وأشارت له وجلسا في جروبي.
كان أمرًا رهيبًا يا عبد اللطيف، بدا أن كل شيء يتكرر، كانا يتصلان بها كل يوم لتعود، لأن رجلا مهمًا يعمل سفيرًا في سويسرًا تقدم لخطبتها، وقالت لهم إنها ستتزوج هنا وإن شخصًا تحبه سيتقدم لخطبتها. لهذا أرادت سعاد أن يتزوجا بسرعة، وقالت لمحمود بحدة جاهدت أن تخفيها: ألا تريد أن نتزوج الآن؟ فقال لها بهدوء إنه يريد ولكنه الأمر يحتاج للتفكير. انتظرته يوما ويومين وثلاثة وهو يفكر، وكانا يلتقيان ويتحادثان وكان ما يزال يفكر.
كنت أهمس لمحمود أن يوافق بسرعة وألا يضيّع وقتًا ثمينًا سيندم عليه طويلا، أن يشرع فورًا في إبرام زواج سريع، صدقيني يا زهرة كنت أجيئه في الحلم وأوشوش له في يقظته، ولكنه ظل يفكر بأنه لا يمكن أن يتزوجا بهذه الطريقة، وأن تقاليد عائلته وكذلك عائلتها لا تسمح بهذا أبدًا. أكاد أجن يا زهرة، لم أكن أفهم كيف تسللت هذه الأفكار من أزمنتنا الخانقة إليه في زمنه؟ كيف ظل واقفًا يفكر بارتباك هكذا طوال الوقت؟!
لهذا أغلقت سعاد شرفتها يا عبد اللطيف، كما أغلقت هاتفها، لأن الغضب كان قد أصابها، طوقتها الأدخنة الساخنة فحطمت الهاتف والتلفاز الكبير الذي أهداه لها، وبكت وصرخت باكية ولكن بدا أن محمود لم يكن يسمع.
كنت أسمع، صدقيني يا زهرة كنت أسمعك وقررت إنك على صواب، لهذا تحديت أبي وأمي، تركتهما نائمين وارتديت ملابسي وفكرت أن أتصل بك ولكنني خشيت من أبيك، لأنني كنت أتصوره جالسًا بجوار الهاتف يدخن ويراقب. أرسلت "مجاهد" البواب مرارًا وفي كل مرة كان يعود خائبًا. أردته أن يقول لك إنني أنتظرك، ظللت واقفًا أنتظرك طوال الليل، وقبيل الفجر رأيتك تخرجين من العمارة بصحبة أبيك الباشا وأمك وإخوتك، لم أجرؤ على أن أناديك لأن أباك كان ينظر لي بغضب، ورأيتك تركبين السيارة وتمضين.
وكيف لي أن أعرف يا عبد اللطيف؟ سنوات طويلة كنا نتحادث باستمرار في زماننا، لماذا لم تقل لي؟ كنت تريدني ألا أشعر بالألم أليس كذلك؟! لم تكن تريدني أن أعرف أن حياة كاملة مضت بصورة خاطئة، لمجرد لحظات غضب مجنونة لم أنصت فيها لمجاهد البواب في كل مرة كان يطرق فيها الباب، أراه واقفًا يرتعش أمامي، أعنفه وأشتمه لأنني لم أستدعه ولم أطلب منه شيئًا! كنت غاضبة! كنت أحترق تقريبًا!! لم أفهم يا عبد اللطيف! ولم يكن بمقدروي أن أعرف أنك تنتظرني!!
تمامًا كما تكرر الآن يا زهرة، لم تدرك سعاد أن محمود كان ينتظرها في شرفته طوال الليل، وفي الصباح رآها تستقل سيارة أخويها بإرادتها الغاضبة والأدخنة الملتهبة تحيط وجهها.
سعاد ستسافر يا عبد اللطيف، ومحمود سيعود لمدينته التي يكرهها، ربما سيتزوج أي امرأة كما فعلت أنت.
ربما سيبيع الشقة لآخرين ليعبثوا بها ويستخدمونها في أي شيء، كما سيعود التراب ليغطي أثاث شقتك وأبوابها من جديد، كأن شيئًا لم يحدث.
هل سيكون بإمكانهما أن يتقابلا؟
ربما. في الأوقات التي ستعود فيها.
سيصيران عجوزين ولكنهما لن ينسيا أبدًا..
لا يمكن أن ينسيا يا زهرة.
ربما سيعاود أحفاد آخرين المحاولة يا عبد اللطيف، ربما سيتمكن محمود وسعاد من المحاولة، عندما يغدوان طيفًا ويعاودان الظهور لحفيدين جديدين.
ربما يا زهرة .. ربما.