■ شوارد منسية
كلما تذكرت ذلك الموقف تعجبت منه و بلغت مني الدهشة مبلغها ..كنا كبارا إلى الحد الذي جعلني أنا و زميل الابتدائي نقرر الذهاب لتأدية واجب العزاء في شقيق معلم المواد الاجتماعية ( لن أذكر اسمه التماسا للسلامة ) ..
انطلقنا إلى رحلتنا المقدسة من دار زميلي بعد انتهاء اليوم الدراسي ، تزودنا بالعزيمة و التصميم ، راضين تماما عن أنفسنا ، متقلدين أسياف الجرأة و الشهامة .
لم تثننا خطواتنا الصغيرة عن منافحة حرارة شمس أبريل الجافة ، فتارة نغذ السير ، و أطوارا نمشي الهوينا .
و البرسيم في غيطان مترامية الحسن فواحة العبير ، لكن لسعات النحل المالك الحصري للموسم كانت لنا بالمرصاد ، فكنا نراوغ و نكر و نفر في تكتيكات ممنهجة ، حتى نفوز بالمراد و ندرك فراشاتنا الزاهية .
أحد الفلاحين يطاردنا ظنا منه أننا نسرق الفول الأخضر من أرضه ، رغم أننا لم نحصل منه سوى ملء حقائبنا ، و هي كمية بالكاد تكفي لمشوارنا الطويل ذهابا و عودة و تزيد ، لم نفهم لماذا يطاردنا في إصرار على إدراك مبتغاه من العقاب ، بالتأكيد لم يلحق بنا ، لكنه أطلق سبة طويلة بعيدة المدى شاملة لسائر سلالات الحيوانات تشبه القصة القصيرة !
في قلب حقل خلا من المحصول ، تجلس عجوز في ظل خيمة لرعاة رحالة ، حولها الطيور الداجنة تنقر الأرض بشهية و تفان ، شاة نضبت نضارتها و عجزت عن الرعي مقيدة إلى أحد الأوتاد الراسخة في الأرض ، موقد للطهي حوله بعض الحطب ، صومعة صغيرة للكتاكيت ، جرو لا يكف عن النباح بصوت ضعيف لكنه متحمس لعمله القادم في تقلد مهام الحراسة !
مصرف عملاق للمياه الزراعية ( يصر الأهالي على تسميته بالبحر ) نعبر من فوقه بواسطة جسر أسمنتي متهالك ، أتذكر أننا عبرناه عدوا حتى لا يسقط بنا إن مشينا عليه في وقار مصطنع ، لا يجتمع الذعر و الوقار في آن واحد !
بعد حوالي الساعة نصل إلى مشارف القرية التي يسكنها المعلم ، و نسأل عن داره ، فيدلنا أحدهم عليها ..