من مذكرات ابنة صاحب أجمل علامة نصر.
قصة قصيرة
بقلم: صفاء القاضي
في طفولتي .....كان أبي جنديا في الجيش المصري قبيل حرب ونصر أكتوبر المجيدة...كان أبي يعتقد أنه سيتركني ويرحل إلى الشهادة وكان قد أوصى أمي بالزواج بعده ....
كان أبي رجلا متعقلا جدا يجيد التعامل مع أبجديات العقل حتى لو حطمت الأعراف والتقاليد كلها ...تزوج أمي الجميلة المتعلمة التي كانت تعمل كمعلمة ابتدائي، في وقت كانت النسوة كلهن يقبعن في المنزل فقط ولا يظهرن من أجسادهن حتى وجوههن ...كانت جميلة تشبه الفنانة زبيدة ثروت بعيونها الخضراء وخجلها الساحر ...

كل شباب بلدتها حلم بالزواج من زبيدة لكنها اختارته هو ...حيث أرادها رغما عن ظروف كثيرة قد تعيق ..
ما زلت أذكر ذلك الجندي القادم إلينا ....بلباس الجيش ..لونه يداعب ذاكرتي الطفولية ، يظل معنا أياما يلاعبني ويحملني ويخرج بي …تعلو ضحكاتنا وتتحول إلى قهقهات ومغامرات ولا تكاد مشاعري تتكون حتى يتركنا بنفس اللباس ويرحل ..
صورته على سلم منزلنا يلوح لي ..باي باي ..باي
لم أكن أفهم لماذا جاء ؟؟
ولماذا رحل ...

لكن مشهد الجندي على درجات السلم يلوح لي ويمضي لم يفارق عقلي ...
ومشاعر حزن تدغدغ قلبي ..لماذا يمشي ؟ ...
لم تكن هناك إجابات أبدا ...
لكنه كان يعود أيضا ...ظللت على تلك المشاعر المتخبطة كثيرا حتى كبرت وأدركت أن الجندي القادم الراحل ...هو أبي ….
كنت أصغر من أن أدرك شيئا حولى، وكنت أنال اهتمام الجميع أمي وأقاربي وجدي وجدتي على اعتبار أنه قد أكون يتيمة الأب باستشهاد أبي .. كان هذا هو التوقع الأقرب إلى نفوس الجميع حتى أمي نفسها ...كان أبي يصدمها بتعقله الشديد وتقبله للأمور ..

سبع سنوات قضاها جندي الإشارة عبدالرحمن أحمد عبدالله يحارب في انتظار النصر
حيث تشرب الجنود كلهم معاني الوطنية وحب الأرض فهي العرض، لم يفكروا إلا في النصر أو الشهادة وكلاهما ربح عظيم …
امتدت السنوات واشتاقوا للحرب لكنها لم تحدث ..تماطلت الأيام نحو النصر لكن أرواحهم ما زالت قيد الاستعداد للشهادة أو النصر ….
وفقد الجندي عبد الرحمن لشهور طويلة... وهنا حدث ما توقعه الجميع أصبحت يتيمة تقريبا.. وأمي أصبحت وحيدة برغم أن أسرتها جاءت إلى بيتنا كلهم الأب والأم والأخوة لتعيش بينهم ولا يتركوها …
أبي لم يكن شهيدا ...لكن لا نعرف عنه شيئا ومضت الأيام لم يأت الجندي الجميل الذي يحملني معه للتنزه ويلعب معي ويضعني فوق البوفيه في صالة بيتنا ليطعمني بيده ملاعق الزبادي البلدي الذي ابتاعه خصيصا لي … ومع كل ملعقة يقول : هم ..يااا جمل …
كانت هذه بذرة حب أبي الذي لم أكن أعلم لماذا يرحل بالملابس المموهة، وأين يذهب ولماذا تأخر..
أسئلة دارت في عقلي لكن اهتمام أسرة أمي بي وتدليلهم المستمر وعمتى الكبرى التي كانت تسكن بجوارنا جعلني أنسى الجندي الراحل... وكنت لا أدرك جيدا معنى كلمة أبي.. فكان هناك من يعوضني، لكن هذا الجندي بالذات علق في قلبي كثيرا برغم أن تلك الطفلة لم تتجاوز سنتها الثانية.. لكن تكون في عقلها وقلبها مكانا وفي ذاكرتها الطفولية أيضا…
حفرت الأحداث في عقلي كأنها وشم.. وما زالت الفرحة تداعب قلبي عندما يأتي الجندي ذو الملابس المموهة.. وانتظره وهو يصعد سلم منزلنا وأيضا مشاعر الخوف من رحيله وتوديعه على نفس السلم….
وشاء القدر أن يأتي النصر ويرجع أبي منتصرا وينهي سنواته السبع بنصر وفخر وشهادة عبور قناة السويس يحملها في محفظته دوما ويحكي لنا أحداثا يعجز التاريخ عن تصويرها...
ومات أبي في ٢٠١٩ في رمضان ...مات في رمضان مثلما انتصر في رمضان وأدعو الله له أن يبلغه أجر الشهداء يارب ...فقد تحمل وقاتل وتجرع الموت مرات ومرات ولكن كان مازال هناك في العمر بقية….
توفي صاحب أشهر صورة لحرب أكتوبر المجيدة وصاحب أجمل علامة نصر...والتي أذيعت في التلفزيون وجميع الصحف بعد الانتصار،
عرفه من خلالها أهل بلدي صائحين :
عبدالرحمن القاضي عايش .. وأخوته وأمه كانوا فرحين بعودة الشهيد والنصر معا….
عاد الجندي المنتصر وأنهى سنواته بالنصر واستكمل حياته العملية في الحياة.. لكني أظنه لم يخلع عنه أبدا اللبس المموه الذي أصبح محفورا بداخله وانعكس على تصرفاته في الحياة وأخلاقه الجادة المنظمة وكأنه كتيبة وحده..

وعندما توفي أبي …. ووجدت معه شهادة العبور أخذتها وحملتها أنا في محفظتي وشعرت أنها أمانة تركها لي الجندي الراحل ...فلم يعد الجندي القادم الراحل لكنه أصبح راحلا فقط في نفس شهر النصر.. وترك لي صورته في كل مكان
جندي مصري منتصر ….حمل مصر في قلبه حتى لقى ربه .