هل ينتهي العصر الذهبي لألمانيا برحيل ميركل؟!

يفتقد الألمان بالفعل المستشارة أنجيلا ميركل، حيث أشادوا بهدوئها وتأثيرها الذي يبث الطمأنينة، بينما يستعدون بمزيج من الأمل والخوف للحياة تحت قيادة زعيم جديد لأول مرة منذ 16 سنة. وعلى الساحة الأوروبية ظلت المستشارة ميركل، التي شغلت منصبها أربع مرات، صامدة منذ توليها المنصب عام 2005، عندما كان جورج دبليو بوش رئيسًا للولايات المتحدة، وجاك شيراك في قصر الإليزيه بباريس وتوني بلير رئيسًا لوزراء بريطانيا.
ولا جدال في أن ألمانيا كان لها تأثيرها في الشؤون الأوروبية والعالمية، وكان نفوذها قويًا تحت قيادة المستشارة أنجيلا ميركل. الآن تترك منصبها بعد 16 عامًا، ووفقًا لاستطلاع حديث، يعتقد العديد من الأوروبيين، بما في ذلك غالبية الألمان، أن "العصر الذهبي" للبلاد قد انتهى.

تشاؤم في الداخل والخارج بسبب اعتزال "المستشارة الذكية"
وجد الاستطلاع، الذي أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في 12 دولة من دول الاتحاد الأوروبي في أوائل الصيف، ونشرت نتائجه منذ أيام، أن الأوروبيين ظلوا ينظرون إلى ميركل كقوة تعمل على تحقيق الوحدة، ويأملون أن تواصل ألمانيا دورها القيادي داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، هناك تشاؤم في الداخل والخارج بشأن مستقبل ألمانيا ما بعد ميركل.
عالمة الكيمياء قادت منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي ببراعة في الأزمات
قادت ميركل ألمانيا ومنطقة اليورو والاتحاد الأوروبي عبر العديد من الصدمات بما في ذلك الأزمة المالية في 2008-2009 وأزمة الديون السيادية اللاحقة في منطقة اليورو التي بلغت ذروتها في عام 2012 وأزمة الهجرة في 2015-2016. وفي الآونة الأخيرة، لعبت دورًا بارزًا في استجابة أوروبا لوباء فيروس كورونا، وأشرفت مع ماكرون على خطة التعافي في الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، فإن سياسات ميركل خلال الأزمات لم تكن تعجب دائمًا أصدقاءها. أصبحت شخصية مكروهة في اليونان خلال أزمة الديون حيث دعت ألمانيا إلى ضرورة فرض تدابير تقشف صارمة على أثينا كشرط لعمليات الإنقاذ الدولية.
وتسبب قرارها بالسماح لمئات الآلاف من المهاجرين، معظمهم من سوريا، بدخول ألمانيا خلال أزمة الهجرة، في إثارة الذعر في البلاد. وبينما احتشد العديد من الألمان وراء هذا القرار، شجعت هذه الخطوة أيضًا حزبًا مناهضًا للمهاجرين "البديل من أجل ألمانيا" مما أدى إلى دخول كتلة يمينية متطرفة إلى البرلمان لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
الطريقة التي قد تتغير بها علاقة ألمانيا ببقية دول الاتحاد الأوروبي، والقيادة الفعلية للكتلة، بمجرد مغادرة ميركل لمنصبها، هي إحدى أكبر الأمور المجهولة التي خلفها اعتزالها السياسة.
ربما تكون ميركل، 67 عامًا، قد حافظت ببراعة على الوضع القائم عبر القارة على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، لكن التحديات التي تواجهها أوروبا الآن -الوباء وتغير المناخ والمنافسة الجيوسياسية -تتطلب حلولًا جذرية، وليس تغييرات تجميلية. ما يحتاجه الاتحاد الأوروبي الآن هو ألمانيا ذات الرؤية، التي ستدافع عن قيم الكتلة وتذود عن مكانتها في العالم.
ذكر تقرير لوكالة رويترز أن ميركل حاصلة على درجة الدكتوراه في كيمياء الكم، وساعدها ذلك على استخدام نهج عملي لحل المشكلات مع الحكومة للمساعدة في الإبحار بألمانيا وأوروبا عبر أزمة منطقة اليورو، والتدفق الهائل للمهاجرين عام 2015 ووباء كوفيد-19.
في عهد ميركل، تحولت ألمانيا من دولة كانت توصف بأنها "رجل أوروبا المريض" إلى قوة اقتصادية. ومع بقاء ميركل في المنصب لفترة طويلة، أطلقوا عليها لقب "المستشارة الأبدية" لألمانيا، وفي ظل شعبيتها القوية، كانت ستفوز على الأرجح بولاية خامسة قياسية لو أنها أرادت تمديد ولايتها. وبدلاً من ذلك، تسلم ميركل المسؤولية كأول مستشارة ألمانية تتنحى بكامل إرادتها.
تسلط البيانات الضوء على حالة الارتياب في كل من ألمانيا وجيرانها بشأن مستقبل البلاد، وقيادتها الفعلية للاتحاد الأوروبي، بمجرد مغادرة ميركل لمنصبها.
يقول مؤيدوها إنها قدمت قيادة ثابتة وعملية من خلال أزمات عالمية لا حصر لها كشخصية معتدلة قادرة على جمع الشمل. ويشير تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية إلى أن ميركل الذكية، تتسم بالرزانة والهدوء، وكانت بالنسبة للكثيرين بمثابة رمانة الميزان، حيث يرحب بها رجال السياسة العالمية الكبار الصاخبون، بدءًا من دونالد ترامب إلى فلاديمير بوتين. لكن الأيام الأخيرة من ولايتها شابها أيضًا ما وصفته ميركل بالعودة "المريرة والدرامية والمروعة" لطالبان إلى السلطة في أفغانستان وهي كارثة تتحمل فيها اللوم مع انسحاب القوات الألمانية.
واجهت المرأة، التي كانت تُعرف سابقًا باسم "مستشارة المناخ"، حركة جماهيرية من النشطاء الشباب الذين يجادلون بأن ميركل فشلت في مواجهة حالة الطوارئ المناخية، مع عدم وفاء ألمانيا بالتزاماتها الخاصة بخفض الانبعاثات. كما أطلق المتظاهرون الغاضبون عليها لقب "ملكة التقشف" في أوروبا ورسموها بالزي النازي.
في الآونة الأخيرة، على الرغم من العثرات المعترف بها في جائحة الفيروس التاجي بما في ذلك التباطؤ في نشر اللقاح، ظلت مستويات الإصابة والوفيات في ألمانيا أقل من نظيراتها لدى العديد من الشركاء الأوروبيين مقارنة بعدد السكان.

هجرت السياسة تمامًا .. وتوقعات بأن يملأ ماكرون جزءًا من الفراغ
هناك ولع دائم بميركل. وينظر لها الكثيرون على أنها تتميز بالثبات، براجماتية وهادئة في الأزمات. وعلى الرغم من بعض السياسات المثيرة للجدل، تركت ميركل، منصبها بشروطها. وهي لا تزال شخصية بارزة في أوروبا، وتتفوق على نظيرها الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم أن المحللين يتوقعون أن يحاول ماكرون ملء شيء من فراغ القيادة الذي ستتركه ميركل، حسبما يشير موقع سي إن بي سي.
على الرغم من ورود اسمها في قوائم الرغبات للمناصب الرئيسية في الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، قالت ميركل إنها ستترك السياسة تمامًا. وعندما سئلت في رحلتها الأخيرة إلى واشنطن في يونيو عن أكثر ما تتطلع إليه، أجابت "عدم الاضطرار إلى اتخاذ قرارات باستمرار