مؤتمر الإنجيلية بـ"الجلالة": القوة الذكية حمت مصر من مخاطر الانهيار وأعادت بناء الدولة
فرضت قضية سد النهضة الأثيوبى نفسها على مناقشات اليوم الثانى من فعاليات منتدى حوار الحضارات بالهيئة القبطية الإنجيلية، والذى يُعقد حاليا بأحد فنادق الجلالة- بعنوان "دور المجتمع المدني في بناء الوعي المصري" برئاسة القس د. أندريه زكى- رئيس الطائفة الإنجيلية، ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية- الذى أشار إلى سفره إلى أمريكا مارس الماضى ولقائه بالأعضاء المؤثرين فى الكونجرس وكانت القضية الأساسية هى سد النهضة، وعلينا جميعا كمنظمات مجمتع مدنى القيام بدورنا تجاهها.
حملت الجلسة الثانية عنوان "المواطنة ووحدة المجتمع- قضية سد النهضة نموذجًا"، فأكد رئيس الجلسة د. شحاتة غريب- نائب رئيس جامعة أسيوط لشئون التعليم والطلاب- وجود ترابط كبير بين المواطنة ووحدة المجتمع، ولا يمكن النظر للمواطنة من زاوية الحقوق فقط وإنما هناك مسئولية من المواطن تجاه الوطن، مشيرا إلى أنه منذ تولّى الرئيس عبدالفتاح السيسى مسئولية البلد وقد بلغت المواطنة أعلى درجات الجودة لأن الدولة تسعى جاهدة للقضاء على أى محاولات للنيل من الوحدة الوطنية أو نشر الفرقة بين أبناء المجتمع، واصفا ما ساد الشارع المصرى حول قضية نهر النيل بأنه ليس مجرد أمن مائى فحسب بل دائما ما يرتبط النيل بالهوية والوجود المصرى عبر التاريخ، لذا فالتعنّت الأثيوبى يُحتِّم وجوب التماسك وأن يكون للمجتمع المدنى دوره القوى، مؤكدا ضرورة إعلاء قيم المواطنة للوصول إلى تماسك حقيقى لمواجهة أى تحديات أو تجاوزات.
تاريخ نضالى
وأشارت د. أماني الطويل- مدير البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات- إلى أن النخبة المصرية خاضت معارك طويلة منذ 1902 حفاظا على الأمن المائى من خلال وعى مدرسة الرى، وأيضا حين عرضت بريطانيا على أثيوبيا 1950 بناء سدود على حوض النيل لجمع الموارد المائية من المستنفعات، واستمر الوضع مع مشروع قناة جونجلى، وكان أول رد فعل مصرى 1903 حينما قدَّم عدلي يكن باشا مذكرة اعتراض، كما كانت المادة السادسة من خروج الجيش المصري في السودان تتحدث عن المياه، كما خاضت مصر معارك منذ 1919 حتى اتفاقية 1929، فمصر كان لديها وعي تاريخي بقضية النيل، مؤكدة أن كل هذه الخطوات برَّأت مصر من مفهوم عدم وجود رؤية استراتيجية تجاه حوض النيل، فإدراك مصر لأهمية سد النيل بدأ من مئات السنوات حيث عرضت على بريطانيا بناء سدود في افريقيا لزيادة الموارد المائية وجمع الفواقد المائية وزيادة الموارد المائية.
وأشارت إلى وجود 56 مليار م3 مياه مهدرة ولكن إذا توافرت إرادة تعاونية ونية صادقة يمكن أن نزيد من الموارد المائية للنهر وتكون الفائدة للجميع، موضحة أن الأهمية المركزيه للنيل جعلته الرافع الأساسي لكل المشروعات، وقد أدركنا اهمية افريقيا في عدة مراحل من عهد محمد على باشا الذى أرسل بعثات لاكتشاف دول منابع النيل. والمرحلة الثانية التى ادركنا فيه أهمية نهر النيل في عهد الرئيس جمال عبدالناصر الذى قام بتخزين المياه داخل الحدود المصرية متمثّلة في بحيرة السد العالي، والثالثة عندما حاولت مصر عمل مشروع السدود في الخمسينيات وقد واجهت مصر النظام الدولي وخاضت معارك عنيفة وتم تحريض دول المنابع على مصر في معركة قاسية، والمرحلة الرابعة في عهد الرئيس السيسي بتأثير مباشر من سد النهضة.
أضافت: وقد حوّلت أثيوبيا النيل إلى مصدر للثروة فمشروعها الرئيسي هو تسعير المياه، إذن فنحن أمام مجموعة من السدود ولن يكون هناك تدفقات مناسبة للمياه لمصر والسودان، وهذا هو التحدي الكبير الذي يجب ألا تواجهه الحكومة وحدها وإنما يُستنفَر الشعب المصري وكل منظمات المجتمع المدني، مؤكدة أنه لتحقيق مشاركة الشعب المصري والمجتمع المدني فلابد من أن يكون هناك إيمان بوجود فواعل أخري للتنسيق، وأن تكون هذه الفواعل ومنظمات المجتمع المدنى لديها وعي، وهو الامر الذي يؤدي إلى تضافر كل جهود الدولة حكومة وشعبا.
وأشارت د. أمانى الطويل إلى أهمية فتح حوار بشأن الأضرار المترتبة على المشروع الأثيوبي الذي يستهدف مصر والسودان، خاصة الجدل الكبير حول معدل أمان السد، واقترحت أن يحشد المجتمع المدني قوَّته والتعاون مع المكاتب الاستشارية لمعرفة درجة أمان السد حيث يوجد في هذا الصدد الكثير من الأقاويل، مشددة على إهمية إدراك طبيعة المشروع الإثيوبي الشامل ورؤية الاثيوبيين لهذا المشروع حيث انهم في وقت سابق صنَّفوا مصر في مرتبة العدو! ولذلك فنحن بحاجة لمعرفة الذهنية الاثيوبية ونظرتها لمصر.
القوة الشاملة
وأكدت د. أمانى الطويل أن مصر فقدت ميزتها في المواجهة عندما انسحبت مصر من عناصر القوة الشاملة في السبعينيات من القرن الماضي ووضعنا كل اوراق اللعبة في أيدي الولايات المتحدة واختصرنا المعارك في الصراع العربي الاسرائيلي، وفي عهد الرئيس مبارك حدث إنغلاق على الذات ولم يكن فيها إدراك للادوار الخارجية ودورنا في افريقيا.
واستدركت مؤكدة بصراحة شديدة أن النظام السياسى الراهن ليس له أى صلة أو مسئولية بالأزمة، ما يفرض علينا التفرغ للمستقبل لأن المعركة بمنظور جيوسياسى تحدى كبير، خاصة إذا علمنا أن أثيوبيا تقوم حاليا ببناء قوات بحرية فى البحر الأحمر وهى ليس ساحلية، وللأسف بدعم دولة عربية! وهذا يفرض علينا جميعا الاصطفاف خلف دولتنا وقيادتنا لأن هناك تحولات كبرى ستغير وجه المنطقة، ولابد من الشفافية وتأهيل المجتمع المدنى بحزمة من التدخلات المدروسة تحت مظلة وطنية وتحديد الآليات لأن الموضوع مصيرى ووجودى وليس هناك مجالا للتراشق أو المزايدات السياسية فهذا أمن إنسانى قبل أى شئ.
السد العالى
من جانبه شدد د. عباس شراقي- استاذ الجيولوجيا والموارد المائية بكلية الدرسات الإفريقية العليا، بجامعة القاهرة- على الأهمية الكبرى للسد العالي الذى يُعد من اعظم المشروعات في تاريخ مصر، ولولاه لكانت الفيضانان تصل شوارع مصر! وأيضا لشهدت مصر مجاعة كبيرة كما حدث فى دول كثيرة من حوض النيل، موكدا ان السد العالي ليس عوضا للموارد المالية بل هو حماية لمصر من الفيضانات التي شهدتها قبل بنائه.
ووصف د. شراقى سد النهضة بأنه ليس مشروع امان لأثيوبيا بل هدفه سياسي بالتعاون مع السياسة الامريكية لتحقيق مصالح بين الطرفين، فرئيس الوزراء الاثيوبي الاسبق ميليس زيناوي كان يريد ان يربط اسمه بمشروع ضخم مثل سد النهضة، مثلما فعل الرئيس عبدالناصر مع السد العالي!
وكشف النقاب عن ان اثيوبيا لديها ١١ نهرا، وأُقيم بها سد "جيبة ٢" طوله 26 كم الا انه تعرض للانهيار مرتين اثناء انشائه وقبل افتتاحه حدث له انهيار كامل بسبب الفيضانات، وهناك العديد من السدود في امريكا والصين تعرضت للانهيار وهي دول متقدمة، فما بالنا باثيوبيا وهي دولة فقيرة وليس لديها طبيعة جيولوجية مستقرة بل تربتها بازلتية، وبراكين وزلازل نشطة وانحدارات شديدة مما يعرض سد النهضة للانهيار؟! لكن التساؤل الذى يجب أن نطرحه: ماذا بعد سد النهضة؟ لأن هناك مشاريع بناء 33 سدا!
لكن د. شراقى طمأن الشعب المصري والسوداني بشأن تحكم الجانب الاثيوبي في الموارد المائية مؤكدا ان هذا لن يحدث بسبب ان اثيوبيا دولة حبيسة وليس لديها بحيرات او صحراء لتخزين المياه والاستفادة منها أو حتى تصريفها فى مواسم الفيضانات، ويؤكد د. شراقى أن السد العالى هو مفتاح الحل للأزمة فهو يقينا المجاعة لسنوات طويلة، ومهما حبست أثيوبيا المياه فليس امامها سوى تصريفها مرة ثانية وإلا غرقت هى، فإذا جاءت المياه وفيرة تم تخزينها فى بحيرة السد والفائض يذهب إلى توشكى.
محذرا من خطورة القلق المرضى حول هذه الأزمة، داعيا إلى القلق الصحى الذى يحفزنا لمزيد من العمل لأنه لن يعطش مواطن أو يموت قيراط أرض، لكن ليس معنى هذا ترك أثيوبيا تنفرد بالقرار.
سرقة المياه العربية
وكشف الإعلامى نشأت الديهى- الرئيس التنفيذى لقنوات TEN– النقاب عن وجود خطة شاملة لسرقة المياه العربية، والنماذج كثيرة أمامنا فى أنهار: دجلة والفرات، الليطانى، الأردن، مشيرا إلى ان مراكز المساندة للقضايا العربية تتغير حسب المنفعة، فما حدث مؤخرا فى الدوحة من تحول كبير يمثل نجاحا لصانع القرار المصرى، مطالبا الشعب المصرى بالاطمئنان إلى تصرف القيادة التى نجحت فى الجبهات الثلاث (الشمالية مع تركيا، الغربية فى ليبيا، الشرقية فى غزة) فهى قادرة على النجاح بإذن الله فى الجبهة الجنوبية أيضا، مؤكدا أن سد النهضة لن يمر أو يعمل دون اتفاق ملزم، مستشهدا بمقولة الرئيس السيسى لكلمة "خط أحمر" للمرة الثانية حول مياه النيل، بعد استخدامها فى غرب ليبيا ونجح.
مطالبا المجتمع المدنى وجميع الأفراد بالوقوف خلف الدولة الوطنية بعيدا عن المزايدين والمرتزقة والمرجفين والمشككين، فقد أصبحت مواجهة أولئك واجبا وضرورة، محذِّرا من توارد أنباء عن احتمالية إعلان فيدرالية بين أثيوبيا، أريتريا، الصومال، بما يؤثر على القوى فى منطقة القرن الإفريقى كله، لكن من يريد أن (يجرَّب فليجرَّب) كما قال الرئيس السيسى، الذى يحمل مشروعا إصلاحيا جديدا نعيش ملامحه جميعا وخلال ايام سيعلن عن ملامح الجمهورية الجديدة.
وحذر الديهى من تحويل القلق إلى رأسمال سياسى أو تسييسه، لأن الدولة ليست متراخية ولا رخوة مع هذا الأمر بل هى تستنفذ كل الخطوات والمراحل السياسية، ولملف غير قابل للمزايدة أو الفرقة والاختلاف.
تفاعل جمعى
وشهدت القاعة تفاعلا قويا من الحاضرين، بدأ بالدكتورة آمنة نصير- العميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية بالأزهر، عضو النواب السابق- فقالت: لقد خلق الله تعالى نعمه الطبيعية كالأنهار والبحار للانتفاع بها والتعاون حولها والتكامل فيما بيننا وليس للتقاتل والتصارع، فيجب أن يعود الجميع للصواب والرشد.
ورصد القس رفعت فتحى حالة التوحد الأثيوبى خلف مشروع السد، وأيضا التوحد المصرى ضده مما يخلق نوعا من العداوة بين الشعبين مستقبلا، ووصف التخزين المعلن عنه بأنه أقوى من القنبلة النووية وتهديد للسد العالى وللمصريين والسودانيين على السواء.
وجمع القس صموئيل باقى صدقة، مصر كلها "خط أحمر" وليس مياه النيل فقط، لذا نقف جميعا خلف القيادة السياسية بكل قوة فى قراراتها، وأول دور لمنظمات المجتمع المدنى الإسهام فى ترشيد استهلاك المياه ووقف إهدارها.
وطالبت د. جيهان أبو زيد بضرورة توضيح تداعيات الأزمة على المواطن وتأثره بها فى مياه الشرب والزراعة خاصة وأن 30% من قوتنا زراعية، 60% يعيشون فى الريف، فضلا عن الأضرار البيئية وتمليح الأرض.
وأرجع د. نبيل حلمى- عميد كلية حقوق الزقازيق- التعنت الأثيوبى إلى وجود الخلافات الداخلية والانقسام العرقى مما يجعل خلق عدو خارجى فرصة للتوحد.
الفن والإبداع
وتتواصل جلسات المنتدى حول "الفن ودوره في بناء الوعي"، بإدارة د. علي بدر- عضو مجلس النواب، مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية- ويتحدث فيها الكاتب الصحفى حلمى نمنم- وزير الثقافة سابقا- رامي جلال- ثم جلسة "الإعلام وصناعة الوعي"، بإدارة الكاتب الصحفى عماد خليل- عضو النواب- زيتحدث فيها الكاتب الصحفي محمود مسلم- رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، رئيس تحرير جريدة الوطن"- د. محمد سعيد محفوظ- مستشار رئيس تحرير الأهرام، رئيس مؤسسة ميدياتوبيا- ومن المقرر في نهاية المؤتمر عرض خلاصات وتوجهات مستقبلية فى جلسة برئاسة د. حسام فاروق- نائب رئسي تحرير الجمهورية- ويتحدث فيها: هانى لبيب- كاتب ومفكر- د. حسن السعدى- أستاذ تاريخ الحضارة القديمة بجامعة الإسكندرية- خيرية البشلاوى، الناقدة الفنية.