التعليم المدمج وتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية
يشكل قطاع التعليم الجامعي أهم القطاعات المجتمعية لتحقيق تكافؤ الفرص به، فالتعليم حق أساسي لكافة شرائح المجتمع، وهو إحدي الآليات الأكثر كفاءة في الحفاظ علي قيمة الإنسان بحيث تتسع فرص ممارسة ما يملك من قدرات، وتحقيق ما يحركه من رغبات، وتعزيز ما يملك من إرادة، وأنه لا سبيل لقيام التعليم الجامعي بهذا الدور إلا إذا اهتم القائمون علي شؤونه من جهة، واهتمت القيادة السياسية من جهة أخرى بتحقيق تكافؤ الفرص في هذا التعليم، ويصبح البحث عن مدى توافر العدل التربوي في المجتمع، والمساواة والإنصاف وممارسة الديمقراطية مرهوناً بمدى توافر تكافؤ الفرص التعليمية خاصة فى التعليم الجامعي المصري، والذي يعني حصول الإنسان على حقه في التعليم والتربية مع إتاحة فرص التعليم كاملة له على قدم المساواة، بحيث لا يحول حائل مادي أو طبقي بين الفرد وبين بلوغ أقصي ما تؤهله قدراته واستعداداته من تعليم ؛ ومن ثم فإن تكافؤ الفرص التعليمية تعني إزالة كل المعوقات المادية أو الامتيازات الطبقية، أو العقدية، أو المذهبية التي تحول دون التحاق أي فرد بمؤسسات هذا التعليم .
وقد واكب ذلك ثورات عارمة تقنية وإلكترونية ومعرفية وتكنولوجية، فرضت على أنظمة التعليم المعاصرة ومؤسساتها المختلفة الأخذ بوسائل التعليم الحديثة وبالصيغ والبدائل غير التقليدية، وإحداث تغييرات جذرية في مدخلات المنظومة التعليمية تمكنها من مواجهة التزايد الكبير في الطلب على التعليم من قبل فئات المجتمع المختلفة وخصوصًا في الدول النامية التي لم تشهد فيها الموارد المادية المخصصة للتعليم زيادة ملحوظة، وحتى يتسنى لها إعداد الأفراد إعداداً مناسباً لمواكبة تلك الثورات، ويجعل من التعليم طوق النجاة لتلك المجتمعات ويقودها لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهيته. وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية مع توفير نوعية متقدمة من هذا التعليم.
ولعل ذلك يمثل تحديًا لأنظمة التعليم المعاصرة في مختلف المجتمعات، ويلقى عليها مسئولية سرعة تطوير نفسها؛ حيث أدت التطورات الهائلة والمتلاحقة في مجال تكنولوجيا التعليم إلى إيجاد واقع جديد أحدث تغيرات كبيرة في شتى مناحي الحياة، لذا كان لزاماً على كل مجتمع يريد اللحاق بالعصر المعلوماتي أن ينشئ أجياله القادرة على تعلم المهارات والوسائل التكنولوجية المتجددة، ويؤهلهم لمواكبة التغيرات في هذا العصر؛ فضلاً عن تبني طرق وممارسات ونماذج جديدة لمواجهة المشكلات التي تواجه العملية التعليمية، والاستفادة من التطورات التقنية بما يحقق لها أفضل النتائج.
ومن هنا أصبح توظيف المستحدثات التكنولوجية في المؤسسات التعليمية ضرورة ملحة؛ بهدف إحداث نقلة نوعية في الأهداف التى تسعى إلى تحقيقها، ليكون التركيز على إكساب المتعلمين مجموعة من المهارات التي تتطلبها الحياة في عصر المعلومات، بدلا من إكسابهم المعلومات فقط.
وتأسيسا على ذلك اتجهت العديد من الدول ومن بينها مصر نحو الاستخدام الفعال لهذه المستحدثات والتقنيات في مجال التعليم وفي مختلف المراحل التعليمية؛ ووضع خطط معلوماتية استراتيجية تقوم على جعل الحاسوب وشبكة الإنترنت عنصرًا أساسيًا في المنهج التعليمي.
لذا أصبح التعليم المدمج ضرورة ملحة وحلاً جيداً وصيغة مناسبة يمكن أن تساهم في تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بصورة حقيقية وموسعة، وكحل جذري لثغرات التعليم النظامي.
وبذلك فظهور التعليم المدمج بمثابة ثورة على النظم التعليمية التقليدية، حيث أوجد فلسفة وأهدافاً واسلوباً جديداً في إدارة نظم التعليم.
ويعد التعليم المدمج تطوراً طبيعياً للتعليم الإلكتروني نحو برنامج متكامل لأنواع متعددة من الوسائل، وتطبيقه بالطريقة المثلى لحل المشكلات، كما يعد أحد المداخل الحديثة القائمة على استخدام تكنولوجيا المعلومات في تصميم مواقف تعليمية جديدة والتي تزيد من استراتيجيات التعلم النشط والمتمركز حول المتعلم، فالتعلم المدمج يجمع بين مميزات التعلم وجهاً لوجه والتعلم الإلكتروني، الأمر الذى يجعل منه مدخلاً جيداً لصياغة البرامج التعليمية القادرة على مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين وتحقيق تعلم متميز من ناحية أخرى .
وإذا كان الامر كذلك فإن فكرة التعلم المدمج تعتبر من انسب الصيغ التي استحوذت علي الاهتمام الدولي وليس ادل علي ذلك من انعقاد العديد من الدراسات التي توصلت الي ضرورة الاخذ بالتعليم المدمج باعتباره أحد النظم التربوية التي يمكن ان تسهم في تحقيق ديمقراطية التعليم العالي ويخفض كلفة التعليم بالمقارنة بنظم التعليم التقليدية بصور حقيقية وموسعة وكحل جذري لثغرات التعليم النظامي، فضلا علي انه يعد أحد أهم محاور الاستثمار في تنمية وتطوير الموارد البشرية اللازمة لتقدم الدول ومواكبة التطور التكنولوجي الذي يشهده هذا العصر.
و يطرح المقال الحالي صياغة ثلاثة سيناريوهات ممكنة لمستقبل التعليم المدمج ودوره في تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية، وهي:
السيناريو الأول: السيناريو الامتدادي، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا ما استمرت الأوضاع الراهنة في المستقبل بل والمزيد من التردي والتدهور في الأوضاع والتخلف والرجوع إلى الوراء أكثر فأكثر وعدم ظهور أي تغيير يذكر يمكن أن يكون دافعاً لتطويره مما ينعكس سلباً على تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بالتعليم الجامعي المصري
السيناريو الثاني: السيناريو الإصلاحي، يمثل الصورة الممكنة إذا ما طرأت تعديلات إصلاحية غير جذرية للأوضاع الراهنة، وهو مسار تحويلي يفترض تصورا اصلاحيا لتدعيم الايجابيات ومعالجة السلبيات
السيناريو الثالث: السيناريو الابتكاري، يمثل الصورة المرغوب فيها، والذي ينطلق من تغير جذري للمشكلات الراهنة للتعليم الجامعي المصري، وتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بكل ابعادها ويحتوي على منظومة من الأفكار الجديدة الجذرية في المجتمع في جميع جوانبه، مما ينعكس إيجابياً على منظومة التعليم المدمج لتفعيل دوره في تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية خلال ما يتضمنه من أنماط وآليات تنهج نهجاً علمياً لتطويره
ومجمل القول إن السيناريوهات الثلاث يصعب ترجيح أيا منها منفردا نظرا للتداخل الكبير بينهما، حيث يصعب تبني السيناريو الامتدادي لأنه يمثل صورة غير مرغوب فيها، والسيناريو الابتكاري لأنه يمثل صورة مثالية (نتمناها) ولكن يصعب تحقيقها نظرا للظروف التي تعيشها مصر في الوقت الحاضر، فهو الحلم الذي نأمل أن تنطلق الجامعة به لتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بخطى ثابتة.
لذا يمكن تبني السيناريو الاصلاحي الذي يحقق مفهوم التعليم المدمج والذي يتكامل فيه التعليم الالكتروني مع التعليم التقليدي كخطوة اولى لتطبيق السيناريو الابتكاري وتحقيقه في السنوات القادمة إذا ما اخذنا في الاعتبار توفير الامكانات المادية والبشرية ووجود رغبه حقيقية في احداث التغيير المنشود، ومن ثم يمكن للتعليم المدمج ان يسهم في حل مشكلات التعليم التقليدي وتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية في التعليم الجامعي المصرى.
بقلم - الدكتورة شيرين عيد مرسى:
أستاذ أصول التربية المساعد
كلية التربية - جامعة بنها