الشيخ جراح.. الحى الصامد أمام محاولات التهجير الإسرائيلية
تشهد الأراضى الفلسطينية المحتلة منذ أيام، مواجهات عنيفة بين الأهالى الفلسطينيين من جهة، والمستوطنين اليهود وقوات الشرطة الإسرائيلية من جهة أخرى، على خلفية قرارات قضائية إسرائيلية، بإخلاء بيوت من حى الشيخ جراح، من سكانها الفلسطينيين، لصالح جمعيات استيطانية إسرائيلية.
وفيما يدافع الأهالي الفلسطينيين عن ملكياتهم للعقارات التي ولدوا وترعرعوا فيها في حي الشيخ جراح، يدعي مستوطنون يهود أنهم اشتروا تلك العقارات من جمعيات يهودية، كانت قد اشترت بدورها أراضي تلك العقارات منذ قرابة قرن، حسبما نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية.
لكن قضية حى الشيخ جراح، ليست بجديدة على مفردات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فقد هُجرت عدة عائلات فلسطينية من ذلك الحى عام 1948، وكان عام 1972، هو الوقت الذي زعمت فيه جمعيات يهودية، أنها تمتلك وثائق بملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها منازل الحي، وتعود تلك الوثائق إلى أواخر القرن التاسع عشر، بحسب ادعاء لجنتى اليهود الأشكناز والسفارديم.
وحى الشيخ جراح هو جزء من القدس الشرقية التى يطالب الفلسطينيون بأن تكون عاصمة لدولتهم. وتبلغ مساحة الحى الكلية 808 دونمات، ويقدر عدد سكانه حالياً بنحو 3 آلاف نسمة. وحمل حى الشيخ جراح هذا الاسم نسبة إلى الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب القائد العسكري الشهير صلاح الدين الأيوبي، مؤسس الدولة الأيوبية.
وتأسس الحى الحديث من الشيخ جراح عام 1865، وأصبح مقرا سكنيا لبعض العائلات المقدسية. وفي عام 1967، احتلت إسرائيل القسم الشرقي من مدينة القدس، بالإضافة الى الضفة الغربية. وفي عام 1970 جرى سن تشريع جديد للشئون القانونية والإدارية في إسرائيل. وهو قد نصّ على أن اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في القدس الشرقية عام 1948 يمكنهم استردادها إلى ملكيتهم. وفي المقابل كان الفلسطينيون يملكون 30 بالمئة من عقارات القدس الغربية، لكن هذا التشريع لا يسري عليهم.
وقبل ذلك، زحف المستوطنون على حي الشيخ جراح عبر حركات دينية يمينية مسلحين بقانون استعادة أملاك اليهود، وزعموا أن الكاهن الأعظم المسمى "شمعون الصديق" مدفون في الحي. وهو كاهن ينسب إلى حقبة تأسيس "المعبد الثاني". ويزعم التلمود أنه الكاهن الذي التقى الإسكندر الأكبر عند احتلاله للقدس.
وهم قد اختاروا قبر الشيخ محمد معّو السعدي، المعروف بمرقد الشيخ السعدي، ليقولوا إنه في الحقيقة قبر "شمعون الصديق". وبدأوا يتجمعون في الحي بحجة زيارة القبر، علماً بأن المقام اليهودي عبارة عن كهف منحوت بالصخر تحت الأرض في قلب الحي العربي.
ليس هذا فحسب، بل قالوا إن لهم أملاكاً أخرى قريبة من قبر "شمعون الصديق" في الحي نفسه. وقالوا أيضاً إن يهودياً يحمل اسم يوسف بن رحاميم ميوحاس، وصل إلى القدس هارباً من الاضطهاد الأوروبي عام 1880 واستنجد بالفلسطيني عبد ربه بن إبراهيم الذي قام بـ "تحكير"، أي تأجير الموقع لمدة 99 عاماً. ولم يخطر في بال عبد ربه أن مسارعته إلى دائرة الطابو التركية وتسجيل عقد التأجير ستخلق المشاكل لأحفاده فيما بعد.
وفي عام 1972 رفعت "لجنة الطائفة السفارادية" ونظيرتها " لجنة الطائفة الاشكنازية" دعاوى على معظم أصحاب مساكن المقدسيين الـ 28، تدعي فيها ملكية الأراضي وتطالبهم بالإخلاء. وفتح القضاء الإسرائيلى باب الموافقة على ادعاءات الملكية اليهودية، وسمحوا بطرد العائلات العربية بالقوة من بيوتها، ومن هنا بدأت رحلة أطول القضايا أمام المحاكم الإسرائيلية.
وفي عام 2001 ، حدث تحول عندما باعت "لجنة الطائفة السفارادية" حقوقها على هذه البيوت إلى جمعية يهودية يرأسها الرابي بني ألون، اسمها "نحلات شمعون"، أي أملاك شمعون، وهي جمعية استيطانية يهودية تتألف من نحو 40 عائلة مهاجرة من جورجيا.
وبدأت اللجنة باتخاذ إجراءات قانونية وقضائية بهدف إخلاء السكان الفلسطينيين وتوطين يهود مكانهم. ووفقا لادعاء الجمعية اليهودية فإن السكان الفلسطينيين لم يدفعوا في يوم من الأيام إيجارات بيوتهم، خلافا لما تلزمهم به صفتهم كساكنين محميين. وعليه، يجب إخلاؤهم من بيوتهم. وقبلت المحكمة العليا بهذا الادعاء وأقرت بأن ملكية البيوت لليهود، وبالتالي يجب إخراج الساكنين الفلسطينيين منها.
ونحن اليوم في عام 2021. وقد اشتعل النزاع في حي الشيخ جراح مجدداً، والهدف من وراء هجمات المستوطنين على هذه المنطقة بالذات هو أنها تشكل عائقاً للتواصل الجغرافي بين غربي القدس وشرقها. فعلى حسب مزاعم الاحتلال، يعتبر الحي بقعة عربية في محيط يهودي، وهكذا تعيش العائلات الفلسطينية فى حى الشيخ جراح تحت خطر التهجير وتجاهد للبقاء في بيوتها التي سلبت منها.