رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الصوم الحقيقى.. ارتقاء بالنفس الإنسانية إلى مصاف الملائكية

بوابة الجمهورية

أكد علماء وخبراء التصوف أن صيام رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بما يعنى الحرمان البدنى أو حتى التهذيب العضوى، وإنما الصوم الحقيقى هو تهذيب النفس والروح وتعويدها على فضائل الأعمال بما يرتقى بالإنسان إلى مصاف النفس المؤمنة المطمئنة، وجعل ذلك سلوكاً وأسلوب حياة فى كامل شئون حياته.


جاء ذلك خلال فعاليات الندوة التي نظَّمتها مؤسسة الملتقى، حول "المعاني الروحية للصيام"، بمشاركة مجموعة من العلماء والمتخصصين، وافتتحت بتلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم، تلاها المقرئ محمد عبدالعال الشيخ من السودان، واستهل بكلمة ترحيبية للدكتور سمير الحلوي- نيابة عن مؤسسة الملتقى- تخللها شكر واعتراف بالجهود المبذولة من طرف رئيس المؤسسة، وعلى إتاحة الفرصة للتواصل مع المتابعين في هذا الشهر الفضيل، وفيما يتعلق بموضوع هذا اللقاء، استعرض د. سمير الحلوي أبرز محاوره الرئيسية المتمثلة في تحديد المقصد الاسمى من عبادة الصيام وتوضيح مقاصد آيات الصيام وبيان معانيها، بالإضافة الى الوقوف على الاشارات والمعاني المستنبطة منها.

وعبَّر د. منير القادري بودشيش، رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الاورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم، عن سعادته بتنظيم هذه الندوة التفاعلية، وأشار الى أن الله سبحانه وتعالى من على أمة نبيه صلى الله عليه وسلم بان جعلها: "خير أمة أخرجت للناس"، وشرع لها مجموعة من العبادات للتقرب منه ونيل مرضاته، من ضمنها الصيام الذي هو رابع أركان الإسلام، موردا مجموعة من الأحاديث النبوية الدالة على مكانته وفضله، منها قوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا"، وقوله في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "قال الله: كل عمل ابن ادم يضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صَومِ أحدكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سَابَّهُ أحد أو قاتله فليقل إني امْرُؤٌ صائِم، والذي نفس محمد بيده لَخَلُوفٌ فم الصائم أَطْيَبُ عند الله من ريح المسك".

أضاف: أن هذا الشهر العظيم يعتبر ملاذا لطاعة الله عز وجل والتقرب إليه، وطلب المغفرة والرحمة والتوبة إليه، مستشهدا بقوله سبحانه وتعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)(سورة الأحزاب الآية71).

وتطرق د. القادرى، الى معنى الصوم في التصوف، مذكرا بمجموعة من أقوال العلماء والمشايخ عن معنى الصوم عند الصوفية، كقول الشيخ فارس البغدادي "هو الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق جل وعلا"، وقول الشيخ أحمد بن مصطفي المستغانمي: "الصوم في شرع القوم هو الإمساك عما سوى محبوبهم".

ولفت الى أن الصوم عند الصوفية هو معراج إلى الحضرة الإلهية، مضيفا أنه في التجربة الروحية للصوم نجد التأكيد على الجوارح أكثر من سواها، موردا ما عبر عنه الباحث محمد غازي عرابي عن الصوم بأنه "فطم النفس عن شهواتها وهي حاجة ملحة لخروج النفس من قمقمها المادي بمعنى كسرها إياه لا بمعنى المفارقة؛ والصوم عماد الدين بعد الصلاة، هو توأمها ورديفها الثاني، فمن دون الصوم لا يمكن للعبد أن يتفكر في ما اعتاده في حياته من عادات ثابتة".

أضاف: أن رمضان عند الصوفية هو شهر نكران الذات، والتخلي عن كل شي إلا الله تعالى ومعرفة ذلك معرفة حقيقية والتمسك بكونها إرادة إلهية، وزاد أن للصوم عندهم أنواعا، كما يرى ذلك الشيخ محمد الكَسْنَزَانْ الحسيني في موسوعته موسوعة الكَسْنَزَانْ "الصوم عن الذنوب، الصوم عن الغيبة، الصوم عن النفاق الصوم عن البهتان، الصوم عن الحسد، الصوم عن النظر الحرام، الصوم عن التجسس، الصوم عن تخريب البلاد، إلى غير ذلك من الأنواع، وكلها تجعل حياة المريد في صوم روحي دائم فليس الصيام أن تترك الطعام والشراب فقط وإنما الصيام أن تترك الذنوب والمعاصي فالصيام صيام الجوارح".

وتساءل د. القادري عن الرمزية الصوفية لفوائد الصوم ؟ وفي معرض إجابته أورد قول الإمام جعفر الصادق "الصوم يميت مراد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وجُلُّ الالتجاء إلى الله وسبب انكسار الهمة وتخفيف السيئات وتضعيف الحسنات"، وقول الحكيم الترمذي "ثمرة الصوم تطهير النفس".

واستطرد أن رمزية الصوم عند الصوفية ذات مفاهيم اصطلاحية متعددة معبرة عن مسلكهم الروحي الذي طالما كان غامضاً مفهوماً، ظاهراً باطناً أمام الخلق والعيان، تفردوا بفهمه هم وحدهم أو من سلك مسلكهم، وأن ذلك المسلك الروحاني يبنى على التجربة الروحية وما تحتويه من اختبارات الحال ونتائج المقام، وزاد "أن مراحل حياة الصوفي بمعنى أو بآخر كلها عبارة عن صيام إلى آخر يوم في حياتهم"، مستحضرا واقعة احتضار السيدة نفيسة وهي صائمة حين ألزموها الفطر"، فقالت: وعجباً، لي منذ ثلاثين سنة أسأل الله أن ألقاه وأنا صائمة فأفطر الآن، هذا لا يمكن...".

وأكد د. القادرى أن حقيقة الصوم صوم بالجوارح والجنان ورقي بالأخلاق وتربية للضمير شهرًا في العام، وان ذلك يورث في القلب معرفة بالله تعالى ومقامه في بقية الأيام، وأن من صام حقًّا في رمضان عن المباحات فإنه بإذن الله يصوم بقية عامه عن المحرمات والشرور والدنيئ من الأخلاق. وهكذا "تبرز الغاية الكبرى من الصوم، إنها تقوي العبد لله في الظاهر والباطن في نفسه ومجتمعه، مراقبة لله وطاعة له، وإيثارًا لمرضاته"، مشيرا الى "انها تجليات مقام المراقبة والصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وكأن "الصوم أداة من أدوات التربية على القيم و تقوى الله و مراقبته، وطريق موصل إلى مرضاته و رضوانه".

واختتم مداخلته بالقول "إِنَّ الصِّيَامَ سُلْطَانٌ عَلَى الرُّوحِ وَالْجَوَارِحِ؛ فَهُوَ يُعْطِي الْعَبْدَ الْإِرَادَةَ وَالْقُوَّةَ فِي ضَبْطِ غَضَبِهِ، وَكَبْحِ حِدَّتِهِ، وَالصَّائِمُ إِذَا لَزِمَ الصَّبْرَ خِلَالَ شَهْرِهِ فَسَيَخْرُجُ مِنْ مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ بِنَفْسٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَخُلُقٍ لَيِّنٍ، وَإِرَادَةٍ قَوِيَّةٍ، يُمَارِسُهَا سُلُوكًا وَيَعِيشُهَا وَاقِعًا ".

فيما حملت مداخلته الثانية باللغة الفرنسية عنوان: "البعد الروحي لشهر رمضان L’aspect spirituelle du mois du ramadan ''.

مدرسة روحية

من جهته، أكد د. عبدالرزاق تورابي، في المداخلة الثانية على ان الصيام مدرسة وتجربة روحية سامية، تقربك من الله وتشعرك بالراحة والطمأنينة والسلام، يتخرج منها الانسان تقيا نقيا متحليا بمكارم الاخلاق، وأضاف ان شهر رمضان الكريم فرصة للشعور بقيمة الحاجات والظواهر اليومية المحيطة بالإنسان، كما أشار إلى بعض المعاني الروحية للصيام والمتمثلة في التخلق والاتصاف بالصفات الصمدانية لأن الصوم صفة صمدانية من جهة التنزّه عن الأكل والشرب والجماع، فهو لله وهو الذي يجزى به ونظرا لأن حقيقة الحق تستلزم التنزه عن التغذي، على عكس حقيقة المخلوق التي تقتضيه (التغذي)، ولما كان للصوم هذه الصفة فقد ترتب على ذلك نسبة الحق تعالى إليه؛ لأن ذاته تعالى لا يجوز عليها ما يجوز على الخلق، وبما يعني أيضا أن في صيام الإنسان تشبها بالخالق سبحانه وتعالى.وأضاف ان أهم ثمرات الصيام هي تحصيل التقوى، مستدلاً بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، مشيرا الى ان الصيام من أكبر أسباب التقوى، فلا يجدك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، وبيَّن أن من أهم مظاهر التقوى في الصيام حبس سائر الجوارح عن اللغو والرفث وسائر المحرمات، وحمل النفس على مراقبة الله والإخلاص في الخلوات، فالصيام ينمّي التقوى في قلوب الصائمين لتكون عوناً لهم على الصمود ومقاومة الملذات والشهوات.

مردفاً ان من عجيب آيات الصيام أنها ابتدأت بالتقوى واختتمت بها؛ فهي المقصد الرئيس في وصول النفس إلى درجة من الخشية له تعالى، خشية داعية إلى حبه.

كما أبرز أن الله اختصَ لنفسه الصوم من بين سائرِ الأعمال، وذلك لِشرفِهِ عنده، ومحبَّتهِ له، وظهور الإِخلاصِ له سبحانه فيه، لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله، وتابع ان الصائمَ يكون في الموضِعِ الخالي من الناس مُتمكِّناً منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام ، فلا يتناولُهُ ؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يطَّلع عليه في خلوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفاً من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واختصَّ صيامَه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ.

فيما استرسل إبراهيم بنلمقدم، في المداخلة الثالثة في تقديم شروحات حول الصيام، مبينا ان صيام رمضان ركن عظيم من أركان الإسلام الخمسة فرضه الله على عباده في السنة الثانية من الهجرة، كما اشار إلى أن الصيام عبادة معروفة قبل بزوغ فجر الإسلام ولها تاريخا قديما إلا أنها اختلفت من أمَّة إلى أخرى؛ لأنه قيمة روحية عليا يحتاجها الإنسان في كل زمان في رحلته إلى الله تعالى؛ إلى أن ظهر الإسلام ليضع لها أسسا وقوانين، مثلها كمثل العبادات الأخرى حيث أن الإسلام قائم على اساس الوسطية والاعتدال في تشريع العبادات وسن الفرائض.

كما أوضح ان لهذا الشهر الكريم جمالا وروحانية ونفحات خاصة، وهو الشهر الوحيد الذي يمنحنا فرصة لإعادة النظر بحياتنا السابقة والتصالح مع الذات، كما اشار ان شهر رمضان الفضيل يعمل على تنمية قيم التسامح والكرم والعطاء وعمل الخير والمحبة والرضا.

وأردف ان التقوى هي الغاية والمقصد من العبادات والثَّمرة المرجوَّة من أدائها، فقد ربط الله تعالى بين الصيام والتقوى كما جاء في الآية الكريمة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

واشار الى ان التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، كما بين ذلك سيدنا علي بن أبي طالب- رضى الله عنه وارضاه- في قولته المشهورة، كما استطرد أن المراد بقوله: (وأنا أجزى به) أن الله تعالى أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته لأن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، بالإضافة الى ان الصوم أحب العبادات الى الله والمقدم عنده. كما اشار الى أن قوله (إلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي) ان الإضافة هنا إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله، فكان التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.

كما اوضح المتدخل ان هناك ثلاثة مستويات ودرجات للصيام: صوم العامة، وصوم الخاصّة، وصوم خاصّة الخاصّة. فالصيام العامة يعني الامتناع عن الطعام والشراب والجماع، وصيام الخاصة يعني أن يحفظ المرء سمعه وبصره ولسانه ويديه ورجليه، وسائر الجوارح عن الآثام، وصيام خاصّة الخاصّة، يعني صيام القلب عن الهمم الدَّنِيَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عز وجل بالكلية، واختتم كلمته بالتأكيد على دور التربية الروحية على يد شيخ عارف بالله في استشعار المعاني الروحية للعبادات وخصوصا الصيام.واختتمت أطوار هذا السمر الروحي بوصلة من السماع والمديح النبوي للمنشد المتألق محمود التهامي من مصر.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة