لا عزاءَ مع التَّذكار
بقلم : فولاذ عبدالله الأنور
لعل شيئاً من المواساة والعزاء نتلمّسه فيما بقي لدينا من الآثار للأيام التي انقضت، والأماكن التي تبدّلت، والأشخاص الذين رحلوا، أولئك الذين أحببناهم وأحبُّونا، وانعطفنا معهم ذات يومٍ على معارج الطموحات بالأيدي المتشابكة والأكتاف المتلاصقة صاعدين إلى الغد الغامض مراهنين على جماله وبهائه.
صحيحٌ أن هذا التَّذكار، أو هذه الآثار، لا تعدو أن تكون الآن محض ذكريات، لكننا نتوكأ عليها الآن بأحزاننا في مجابهة الغياب، ونتساند إليها بأوجاعنا في مواجهة الموت والافتقاد، ولو إلى حين.
التَّذكار.
تلك الذكريات التي لا تُغني عن الأشخاص الذين رحلوا، ولا عن الأماكن التي اندثرت، ولا عن المواقف التي تبدّدت وغلّفها الضباب، ورحل بها فيما وراء السحاب، ولكنها على أية حالٍ تستعصي على الموت لأنها معنىً من المعاني وليست مادةً من المواد، وتتأبّى على التنميق والتحوير، لأنها ـ ببساطةٍ شديدة ـ خارجةٌ من قرارة ليل الضمير.
التَّذكار.
تلك الصور، والمكاتبات، والأصداء، وظلال السنين التي أدبرت، وخيالات الأيام التي اضمحلت، وكل ما يتحرك منها في مسارب الوجدان، فيدفعه القلب الضخاخ إلى أرشيف العقل الذي لا يهدأ، والذهن الذي لا ينام.
التَّذكار.
تلك الآثار التي تُخايل الذهن فينشط القلبُ من عقاله، وتداعب العقل فتستيقظ الذاكرةُ بأوسع مداها على المشاهد التي كانت، وأدق تفاصيلها التي وقعت، ونصبح قاب قوسين أو أدنى من جلوة الماضي وزهوته، والأمس وسطوته، وكأننا لم نعد ننسى!
وكيف ننسى؟
وهل ننسى الوجوه التي عزّزت صعودنَا على معارج الآمال والآلام، وأزكت فينا لهيب الزحف إلى الأهداف والغايات، بتشجيعٍ أقوى من حناجر الآلاف في المدرجات، وأبلغ من الأكف المشتعلة بالتصفيق حول الملاعب الخضراء؟
وفي المقابل هل ننسى الذين وقفوا على الطريق عقبةً بينتا وبين حقنا في الصعود إلى الحياة، أولئك الذين عجزوا عن مبارزتنا بكبرياءٍ في حلبة الآمال والأحلام، فأرادوا لنا النزول إلى أرضهم السُّفلى، لأنهم يعلمون عن أنفسهم العجز عن المضاهاة في السباق!
فهل ننسى؟
كلا، وألف كلا.
لا ننسى أولئك، ولا ننسى هؤلاء.
فلا بأس إذن من إكبار العظماء والنبلاء، ولا غروَ من الإشفاق على الدَّهماء والموتورين.
في الأولى لأنهم أعزّاءُ مُكرَمون، وفي الثانية، لكونهم جهلاءَ ومغمورين.
لا مناصَ إذن من العودة إلى هذا التَّذكار، أو إلى تلك الذكريات، نتساند على بقاياها متلمّسين الوقوفَ على أطلال الأعوام التي درَسَت، ومُتتبّعين ظلال الأيام التي انطوت، مؤتنسين بهذا الشجن المصحوب بالحنين إلى الأشخاص لا الظلال، والأصوات لا الأصداء، والأحاسيس لا الكلمات، تلك التي كانت كل شيء، ثم ارتكست وأصبحت لاشيء، فلا كلماتٍ إذن تُفلح في التعزية، ولا مجاملاتٍ تنجح في التصبّر والمواساة.
فالعزاء لا يجدي مع بقاء التَّذكار، كما أن المواساة لا تفيد مع سطوة الذكريات.
التَّذكار.
بضعٌ وستون صورةً من (الأبيض والأسود) تختصر كل هذا الشجن والإفصاح الأليم، الذي أعقب وفاة أعز الأصدقاء وأقربهم إلينا، محمد نجيب عبدالجواد Mohamed Naguib، الابن الوحيد بين شقيقاتٍه السّت لأبٍ شيخ كريم نذر حياته للقرآن ولعلوم القرآن الكريم، ودفع بابنه إلى طلب العلم في دارالعلوم، فالتقينا، ووجد فينا ضالته بالعثور على إخوته وأشقّائه، له لا على زملائه وأصدقائه، ونزعم أننا حقّقنا له غايته، بأن عثرنا فيه نحن على الأخ الشقيق لا على الصاحب أو الزميل.
هكذا كان معنا، وكنا معه، نحن ـ المقرّبين إليه ـ د.أحمد عفيفى ومصطفى مصطفى النحاس ، و Said Eleskndrany، و محمود عتمان، أحمد عبد الراضي، عزالدين حسين دياب و محمد الشحات ـ كلية الآداب ـ وكاتب هذه السطور(*)، فضلا عمن سبقونا إلى دار الحق والبقاء، أولئك الذين تساقطوا تباعاً من بين حبّات العِقد الماسيّ الذين كانت تتزيّن به دارالعلوم في ذلك الوقت: محمد عبد الفتاح الشربينى ومصطفى كامل عبدالحكيم، ومحمد محمود زنكل، وعلي شرف الدين، وضياء الدين الصاوي، ناصف عيسى زايد، وعبدالراضي حسان.
التَّذكار.
بضعٌ وستون صورة من بين مئات الصور وشرائط الكاسيت القديمة التي وثّق بها نجيبٌ عبدالجواد وقائعَ دارالعلوم: مهرجاناتِها الشعرية، ورسائلَها العلمية، ووجوهَ أساتذتها العظماء وطلابها النابهين، في تلك الحقبة المدهشة من تاريخ مصر، التي بدأت بصيحة (الله أكبر) في العاشر من رمضان، فانفتحت أبواب الجحيم على الإسرائيليين في أكتوبر ١٩٧٣م، وانتهت في عقر دارهم بالخطاب التاريخيّ للقائد المنتصر أنور السادات مُفجراً قنبلةً من العيار الثقيل، كانت فوق القدرة على الاستيعاب دولياً ومحلياً في خريف عام ١٩٧٧م
بين هذين الحدثين المهولَين، النصر والسلام، وما بعدهما بنحو ثلاث سنين، كان محمد نجيب عبدالجواد مع إخوته شعراء دارالعلوم الشباب لا يفارقهم أينما كانوا وحيثما حلوا ـ سواءٌ داخل الدار أو خارجها ـ وأنا واحد منهم ومن بينهم، نغني معاً للنصر الوليد، ونجدّد من لغتنا الجميلة، فنولّد من ألفاظها ونبتكر في معانيها متغزّلين في الوطن بلا زعيق، وفي المرأة بلا سفورٍ أو ابتذال، وفي قضايا الإنسان المعاصر دون متاجرةٍ بالشعارات.
كل ذلك وكاميرا نجيب عبدالجواد تجوب القاعات والمدرجات، وجهاز تسجيله الصوتيّ جاثمٌ فوق المنصة، يدور بأشرطته الممغنطة بحفيفٍ خافتٍ مسموع، يلتقط الأصوات والانفعالات ويقوم في الحال بالتسجيل والتوثيق للوقائع والفعّاليات.
صحيحٌ، كان لكاميرات أصدقائنا سيد الاسكندراني، وإبراهيم العربي، وحلمي غنيم، دورٌ رائد في توثيق تلك المرحلة فوتوغرافياً، لكن الصحيح أيضاً أن كاميرا نجيب عبدالجواد كان لها الصولة والجولة في مغالبة مزاحميها إلى المنصات في الملتقيات العامة والمهرجانات.
يا له زمناً بديعاً
بضعٌ وستون صورةً ـ غير مئات الصور والشرائط التي آلت إلى أبنائه من بعده ـ شاهدةٌ على حقبةٍ فائضةٍ بالحب والتطلع والجمال.
مات صاحب هذه الوثائق منذ أيام