من القيس والخوص والجريد .. "منصورة" ماركة عالمية فى صناعة المنتجات البيئية بالوادى الجديد
تعد الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية من خامات البيئة الطبيعية وأشجار النخيل مصدر إلهام سكان محافظة الوادى الجديد ، وخاصة عند السيدات والفتيات وكبار السن من أبناء الواحات الخمس ، لما تمثل لديهن من تراث قديم وموروث ثقافى يجسد أصالة الماضى ومصدر رزق الكثير من الأسر المنتجة ، رغم كل التحديات التى واجهت ممتهنيها عبر مراحل مغايرة امتدت إلى عقود زمنية منذ مطلع القرن الحالى فى صراع من أجل البقاء ، إلا أنها بقيت واحدة من أهم المنتجات الحرفية التى أبدع فى صناعتها أهالى الواحات خلال سنوات من العمل الشاق والأمانة ودقة التنفيذ بهدف تطويرها والحفاظ على هيبتها دون تغيير ، رافضين فكرة التخلى عنها واستبدالها بأخرى أكثر رواجا وطلبا بالأسواق ، إيمانا بقيمتها ومكانتها التى تضرب بجذورها فى أعماق تاريخ مجتمع الواحات القديم أحد بقايا تراث الآباء نقلا عن الأجداد من روائح الزمن الجميل.
"منصورة" أسطورة قضت 50 عاما فى صناعة مستلزمات العرائس وأدوات الزراعة
"إبنة 59 سنة" صنعت من القيس والخوص والجريد فرحة عرائس الوادى الجديد
رغم فقرها الشديد رفضت ترك حرفته بأجر زهيد
50 عاما من العطاء وفقدان البصر حفاظا على تراث الأجداد من شبح الإندثار
ابنة بلاط أنامل ذهبية صنعت من المخلفات فرحة العرائس بالواحات
وتمثل الحرف والصناعات اليدوية بواحات مصر الغربية مخزونا استراتيجيا تستخدمه المجتمعات كسلاح للمحافظة على خصوصياتها الثقافية وهويتها العرقية لمواجهة غزو المؤثرات الخارجية وعوامل الإحتكاك التي تحمل في أعماقها أنماطا مغايرة لماهية تراث أبناء الصحراء وموروث القدماء من محترفى الصناعات التقليدية فى ذلك الوقت ، أبرزها منتجات الخوص والجريد والقيس وغيرها من مخلفات أشجار النخيل الثانوية حاضنة المشروعات الصغيرة وذات الجدوى الإقتصادية مستقبلا ، إضافة إلى كونها صاحبة الفضل الأول فى ظهور وانتشار مختلف المهن والبدائل العملية لمجابهة متطلبات الحياة واعباء الزراعة لسنوات طويلة كوسيلة اعتمد عليها سكان الواحات الخمس قديما لجودة صناعتها وبراعة تصميمها رغم بساطة مكوناتها التى شكلت لوحات هندسية ومشغولات يدوية ذات طابع فريد من قلب الطبيعة ، علاوة على استخداماتها الكثيرة لأغراض النقل والبناء والأعمال المنزلية التى تزين جدرانها وتفترش أرضياتها لتبعث الهدوء وسط أجواء من البهجة والبساطة وذكريات مع تلك الأدوات التى يعتبرونها منبع الخير والبركة التى لا تقارن بغيرها ولن يتم تعويضها أبدا.
تواجه صناعة منتجات النخيل اليدوية بالوادى الجديد شبح الإندثار والتحول إلى إقتناء الأدوات الحديثة التى تواكب تطورات العصر بما يهدد مصير تلك الحرفة القديمة بالفناء تدريجياً لقلة الإقبال على شرائه وتراجع أعداد قدامى الحرفيين إما بالوفاة أو تركها بحثا عن وسيلة لمجابهة أعباء الحياة ، إلا أن منصورة صاحبة 59 عاما رفضت أن تتخلى عن تراث أجدادها وتقاليد مجتمعها النابع من إيمانا بجوهر منتجاتها وقيمة حرفتها التى ظلت تمارسها لأكثر من 50 عاما دون انقطاع أو امتعاض لضعف التسويق وتدهور حالتها الصحية بشكل كبير.
الجمهورية اونلاين التقت "بمنصورة" ربة منزل تبلغ من العمر 59 سنة، أحد رائدات صناعة الخوص بواحة بلاط التابعة لمحافظة الوادى الجديد ، والتى امتهنت تلك الوظيفة منذ 50 عاما عن عشق وفضول كبيرين منذ طفولتها وهى لاتزال بسن الخامسة أثناء مراقبتها والدتها الأقدم فى ممارسة تلك الحرفة بعد جدتها ، فابدعت فيها خلال تلك السنوات الطويلة، حيث كانت تعتمد فى مصدر رزقها على تغطية احتياجات أهالى مركزها من المزارعين وتوفير مستلزمات تجهيز العرائس وغيره بمقابل مادي زهيد أو هدية عينية من خيرات المحاصيل كالأرز أو الغلال أو ناتج تربية الماشية والدواجن.
تقول منصورة عوض محمد رائدة صناعة منتجات النخيل بمركز بلاط فى تصريح خاص للجمهورية اونلاين ، إن صناعة منتجات الخوص والمرجونا والشواديف والطباج وغيرها من الأدوات هى العشق الأول لكل عمل جميل قدمته فى حياتها ، مشيرة إلى أن عائلتها اشتهرت بمزاولة تلك الحرفة على مدار عقود من الزمان لارتباطها الشديد بتراث مجتمع الواحات القديم والتى اعتمدت عليها كمصدر رزق في تربية الأبناء وتوفير مستلزمات المعيشة ، مؤكدة أن هذه المهنة تحوى بين كل قطعة حكايات وقصص لها بالغ الأثر فى نفسها ، ومع تغير ملامح الحياة أصبحت تلك المنتجات كماليات تستخدم لأغراض الزينة والديكور بجانب الإستعمال الشخصى لبعض السيدات كنوع من التغيير ليس أكثر .
واضافت "عوض" أنها احترفت تلك المهنة ومنحتها القدرة على الجمال ولفت الأنظار نظرا لامانتها الشديدة ودقة خطوات تنفيذها بالشكل الأمثل الذى يضمن خروجها لمقتنيها فى أحسن صورة ممكنة وبجودة عالية وأسعار مخفضة لا تقارن بالسوق الخارجى ، موضحة أن من بين هذه الأدوات التى يتم صناعتها من خوص النخيل "الشادوف" و"القادس" بأحجام متابينة واغراض مختلفة لحفظ الطعام ونقل الحاصلات الزراعية وهما وعائين لهما أذنين إما بغطاء أو مكشوف ويصنع من الخوص وليف النخيل المفتول ، إلى جانب "الشمسية الخوص" وهى غطاء للرأس يستخدمها المزارعون للوقاية من حرارة الشمس الساخنة وتنتشر أكثر فى قرى بلاط والداخلة.
وتابعت أن من أكثر منتجاتها طلبا فى مركز بلاط "المرجونا" والطافور أو الطباج" بلغة أهالى الواحات ، وهى أوعية صنعت من الخوص و"القيس" المستخرج من قلب النخيل لحمل الخبز وحفظ الأطعمة وأعمال الخبيز البلدى ، مشيرة إلى أنها صناعتها تتطلب يوماً كاملاً وبصر حاد واصابع فولاذية نظرا لصعوبة عملها التى تحتاج إلى المياه لترقيقها وليونة أطرافها ، بالإضافة إلى عمل "النشاشة" كوسيلة لإبعاد الذباب لدى كبار السن ، و"البورش" أو السجادة الخوصية من سعف النخيل لفرش الأرضيات وجميعها منتجات كانت ولا زالت تحتفظ بجمالها وبساطتها ونقائها الفريد من مخلفات الزمن الجميل.
ورصدت الجمهوربة اونلاين أنواع كثيرة من منتجات الخوص التى تقوم منصورة بإنتاجها فى منزلها المبني بالطوب اللبن بقرية عين عيش فى مركز بلاط ، من ضعف الإقبال على الشراء يقابله إصرار وجدية من السيدة المسنة ، والتى لا تتوقف عن العمل، بدءاً من الذهاب يوميا إلى مزارع النخيل وجلب الخوص والليف والقيس الأبيض والجريد من قلب شجرة النخيل ، وهى الثروة الإستراتيجية التى تتمتع بها محافظة الوادى الجديد بواقع مليونى ونصف نخلة ، حيث تقوم بتجهيز الخوص والقيس وخلطهما بالمياه لدقائق معدودة ، تمهيدا للبدء فى عمل المنتجات التى تحدد فكرتها بناء على طلب زبائنها وفقاً للغرض المطلوب ، بينما تضع لمساتها الفنية بأصابع من أنامل ذهبية تدرك أهدافها وتستمد قوتها من خلاصة خبراتها العملية وعشقها للتراث الذى ينبض بالحياة ولا يشيخ أبدا الدهر.
وناشدت إبنة مركز بلاط وصاحبة ال 59 عاما المسئولين بالمحافظة ضرورة تبني تلك الصناعات والمنتجات الحرفية للحفاظ عليها من شبح الإندثار لكونها منتجات تراثية تجسد فلكلورا شعبيا وصورا حياتية تحكى صفحات الماضي وتنحدر من أصول لها تاريخ ومكانة فى نفوس معتنقي التراث وراغبي المنتجات البيئية ، بالإضافة إلى ضرورة تقديم تسهيلات ودعم عملية التسويق من خلال المعارض التي تقام داخل المحافظة وخارجها وإدراج جميع وحدات إنتاج الحرف البيئية ضمن خريطة تسويق المنتجات اليدوية من خامات الطبيعة وأشجار النخيل بالمحافظة ، وأن أكثر ماتتمنى وترغب بشدة قبل أن تلقي الله بقلب طاهر وذكرى طيبة زيارة بيته الحرام ومكة المكرمة.
جدير بالذكر، إن صناعة الخوص تنحدر بصورة كبيرة وتتجه إلى الإنقراض وخاصة لدى روادها القدامى وهن سيدات يعتمدن على البيع المباشر لما يتم انتاجه من خوص للزبائن سواء من الأهالى أو زوار المحافظة ممن يحتاج لتلك الأغراض من الخوص حيث يتم إنتاج الأطباق والأوانى والمنشات وغيرها من الأنواع التى يتم إنتاجها بقصد الزينة أو الاستخدام المنزلى إلا أن توقف النشاط السياحى أدى ضعف الإنتاج والبحث عن فرصة عمل ومهنة جديدة تساير الأوضاع الحالية وتوفر مصدر دخل ثابت لأصحابها.
ووجه اللواء محمد سالمان الزملّوط محافظ الوادى الجديد ، بتشكيل لجنة من المحافظة لإستلام منتجات الجمعيات وتكويدها وتسعيرها لعرضها بمعارض أسبوعية يتم تنظيمها بالمؤسسات والهيئات والنوادي الرياضية على مستوى الجمهورية، علي أن يتم تسويق هذه المنتجات من خلال علامة تجارية خاصة بالمحافظة تحمل شعار "صنع في محافظة الوادى الجديد". لافتاً إلي ضرورة أن تقوم هذه المعارض بالترويج لمقومات المحافظة السياحية والبيئية والطبيعية والتنموية ، وذلك خلال إجتماعَه مع رؤساء جمعيات تنمية المجتمع المحلي والأسر المنتجة العاملة في مجال الصناعات الحرفية والبيئية وعدد من الفنانين التشكيليين بالمحافظة، وذلك لمناقشة خطة تنشيط الجمعيات وإيجاد فرص تسويقية لهذه الصناعات.