نصف حلم
قصة قصيرة
بقلم: دينا أبو الوفا
لاحظت الأم فى الفترة الأخيرة شرود ابنتها الوسطى كثيراً وصمتها الذى زاد عّن حده المعتاد وانعزالها فى غرفتها ...
ربما كان تفضيل ابنتها للعزلة والجلوس وحدها إحدى عاداتها منذ نعومة اظافرها ولكنه بالتأكيد زاد بشكل مبالغ فيه فى الآونة الاخيرة ...
حقيقى انها كانت منهمكة فى استذكار دروسها وحضور فصول دراستها بالمدرسة عبر "تيمز" بسبب وباء الكورونا الذى وصل الى ذروته ،
الشئ الذى فرض على العالم كله تغيير نمط الحياة الذى اعتاد عليه والالتزام بمنهج جديد للحياة ...
ولكنها كلما دخلت عليها غرفتها متحججة بأمر ما فقط لتطمئن عليها أو جلست معها تتناول وجبة الغداء وأطلت فى وجهها رأت علامات قلق وحيرة حاولت ابنتها اخفاءهما قدر المستطاع عّن أعين الجميع ...لكن هيهات ..
فقد لا يلاحظ الأب والأخوة تلك الأمور ولكن تبقى الأم مختلفة ...
تبقى الأم الشخص الوحيد فى تلك الحياة الذى ينظر إليك بعين قلبه فترى ما لا يراه غيرها ...
لم يكن من الممكن ان تتجاهل الأم تلك التغيرات وتتظاهر بعدم ملاحظتها ..
ليس فقط لأنها أم مثل اًى أم ولكن لأنها بطبيعتها تكره تجاهل الأمور وتفضل دائماً المواجهة المباشرة فانتهزت فرصة خروج زوجها وابنها معاً وخلو المنزل من الجميع سواها هى وابنتها وقررت انه قد آن الأوان ان تكتشف ما يدور برأس ابنتها
طرقت باب غرفة ابنتها انتظرت لحظات ثم فتحت الباب بهدوء ...
"جايه اقعد معاكى شويه ... ممكن !؟ ... جايبالك معايه طبق فروت سالاد من اللى بتحبيه يا قلب ماما"
وبابتسامة شاكرة أجابت ابنتها " ايه ده ... شكراً اوى يا مامى ...."
وبيدها اليمنى وبرقة بالغة لملمت شعرها الطويل البنى المموج الى الوراء بعيداً عّن وجهها وبيدها اليسرى التقطت طبق الفروت سالاد من والدتها ...
لطالما كانت ابنتها الوسطى تتمتع برقة متناهية ... كانت تتحرك فى أرجاء المنزل كالفراشة الطائرة ، تكاد تسمع لخطواتها صوتاً ... وان حدث مرة وانخرطت فى حوار ما وكان ذلك أمراً نادراً ، كان صوتها دوماً خافتا ،تكاد به تميز حديثها أو تفهمه الى الحد الذى يجعل الجميع يطالبها بإعادة ما قالت..
وان حدث وأجبرتها الظروف على مقابلة غرباء والجلوس معهم كانت تكتفى بتوزيع ابتسامات باهتة لا معنى لها ولا رسالة فيها ، فقط من باب المجاملة والذوق ...
ولهذا ونظراً لطبيعة شخصية ابنتها الكتومة ، أدركت الأم أنها أمام مهمة صعبة وشاقة ، تحتاج الى مجهود ضخم وتكتيك خاص وتبقى فرص نجاحها ضئيلة ... فاستدراج ابنتها للبوح بما يؤرقها درب من الخيال ...ولكنها تعرف جيداً من أين ستبدأ ؟!!
ظلت تراقبها وهى تلتهم الفروت سالاد بنهم ... "حبيبة مامى قوليلى قررتى إيه فى موضوع الجامعة ... ناويه على إيه ... خططك إيه!؟"
وكأنها اصابت بسهمها الهدف مباشرة فى المنتصف ... فقد تلعثمت ابنتها وقالت بنبرة حائرة:
" ولا اعرف ... انا مَش شايفه نفسى حاجة غير دكتورة أسنان ... وفى نفس الوقت عايزه أسافر المانيا "
تفهمت الأم حيرة ابنتها ، فحلمها ينقسم الى شقين ... الشق الأول هو أن تسافر للدراسة فى المانيا وتلحق بأختها الكبرى التى سافرت منذ أكثر من عام سعياً وراء نفس ذات الحلم والشق الثانى هو الالتحاق بكلية طب الأسنان.. والمعضلة هنا ان كلية طب الأسنان بألمانيا تطلب ضمن شروطها مجموعاً عالياً ، صعب ان لم يكن مستحيلاً الحصول عليه مع شهادة كشهادة ال "أى بى" الألمانية التى تدرسها ابنتها والسؤال الذى يؤرق ابنتها ولم تفصح عنه أمام أحد وربما أمام نفسها ، هو أي شق من الحلم ستختار وأى شق ستتخلى عنه اذا لزم الأمر ذلك !؟
لم تجد الأم بدُا من طرح السؤال علناً:
"ربنا يديكى كل اللى تتمنيه حبيبتى ويسعد قلبك ... بس انتى عارفه انه مجموع الأسنان صعب ... عايزاكى تفكرى كويس اما يبجى الوقت وتحتاجى تختارى ... هتدخلى اسنان فى مصر وتضحى بألمانيا ولا هتدخلى اى كليه تانيه فى المانيا وتضحى بأسنان !؟ " وهذا السؤال كان حقيقة مربط الفرس ...
"مش عارفه يا مامى والله ما عارفه ... نفسى فى الاتنين ... قوليلى اعمل ايه !؟ ... لو مكانى تختارى ايه "
" حبيبتى ... للاسف مينفعش ... مقدرش اختار لك "
وراحت الأم تفسر لها موقفها ... لكل منا أولياته الخاصة التى تختلف عن أولويات غيره ... ولكل فرد احتياجاته التى قد تختلف كلياً عن احتياجات الآخرين وما يسعد البعض قد لا يسعد البعض الآخر ...
ولذا لا أحد يستطيع ان يختار للآخر ...
على كل منا تحديد أولياته بنفسه ومعرفة احتياجاته واكتشاف ما يدخل السعادة الى قلبه ...
على كل منا ان يختار لنفسه مسار حياته ويقرر مصيره لأنه وحده من سيجنى ثمار ذلك الاختيار او يتحمل عواقبه ... لا أحد غيره
قد يمنحنا من حولنا النصيحة ، وقد يساعدوننا على دراسة وتحليل كل الاختيارات والاحتمالات وقد يساهمون فى سرد مزايا ومساوئ كل اختيار ... قد يساعدوننا فى ترتيب افكارنا المبعثرة ولكن سيبقى القرار فى نهاية المطاف لنا وحدنا ... لا أحد سوانا..
" ممممم ... ما انا مش عارفه .."
"كل اللى اقدر اقولهولك حبيبتى ،انك تركزى دلوقتى فى حاجة واحدة بس ، وهى مذاكرتك وانك تعملى اللى عليكى واللى ربنا عايزه هيكون ،ولما ييجى وقت التفكير والقرار نبقى نشوف "
"اوك يا مامى"
كم أشفقت الأم على ابنتها، فهى تعلم تماماً ما تمر به ابنتها من حيرة وقلق ...
تعلم جيداً ، لأنها واجهت تلك الحالة كثيراً على مدار حياتها ...
لقد وضعتها الحياة فى كثير من الأحيان فى موضع اختيار بين أمرين لا غنى لها عن كليهما ومع ذلك كان عليها التضحية باحدهما من أجل الآخر ... مما جعلها الى يومها هذا تتجرع عواقب بعض القرارات وترتشف مزايا البعض الآخر ...
مما جعلها تعيش وترضى بنصف حلم ، نصف سعادة نصف حياة ....
قبلت ابنتها وخرجت من الغرفة تاركة لها المجال للاستذكار وربما لمزيد من التفكير
تنهدت وهى تغلق الباب خلفها وتمنت من كل قلبها ان تعيش ابنتها حلماً كاملاً