عفواً.. الأخوة ليسوا أعداء
الكُتاب بصفة عامة لديهم مخيلة تسمح لهم بتوقع الأحداث أكثر من غيرهم، للأسف كنت مقتنعة بتلك المقولة حتى الأمس القريب؛ لكن الحقيقة هي أن الكُتاب قد يقفوا عاجزين أحياناً أمام تنبؤ أجندات الإعلام في أكثر المؤسسات الإعلامية ثقة؛ فبالأمس رأيت برنامج وثائقي عن الطائرات المسيرة والتي أودت بحياة أكثر من 20 طالب في الكلية العسكرية بطرابلس، الغريب في الأمر أن التقرير الوثائقي لم يذكر كلمة واحدة عن أطراف الصراع بداخل ليبيا والقوة الأجنبية الحقيقية التي تعبث في شئون ليبيا، وعوضاً عن ذلك ذكروا إرسال الإمارات لطائرات مسيرة صينية تسمي (وينغ لينغ 2) لليبيا، والذي فسروه بأن للأمارات ضلع في هجوم الكلية العسكرية، ولم يكتفوا بهذا فحسب بل اعتبروا أن منطقة سيوه وقاعدة سيدي براني المصرية لهم علاقة بقاعدة الخادم في ليبيا لمجرد اختفاء 11 صندوق، يحتوي علي قطع مفككة من طائرات(وينغ لينغ 2)، من قاعدة الخادم وظهور صناديق مشابهة لتلك الصناديق في سيوه، الأمر ليس بعيداً عن المنطق فحسب لكنه ضرب من ضروب الجنون.
الآن دعونا ننظر للمعلومات بعقلانية، أولاً يجب أن نتساءل هل من الممكن أن نتهم أي دولة جزافاً بأنها السبب في أي هجوم إرهابي لمجرد أنها أعطت دولة أخري سلاح حربي؟؟ إذا كان الأمر كذلك فأي هجوم إرهابي في مصر ستكون فرنسا وروسيا وألمانيا وايطاليا هم المتسببين فيه بسبب صفقات الأسلحة بيننا وبينهم، ثانياً فيما يتعلق بوجود صناديق تشابه صناديق الأسلحة في الخادم آلم يخطر في بالهم أن مصر بقوتها العسكرية قادرة علي الحصول علي طائرات مسيرة أيضاً؟؟ أو عوضاً عن ذلك ألم يفكروا في احتمالية أن مصر أنقذت المدنيين المتبقيين من خطر تلك الطائرات المسيرة، وأخفتهم من قاعدة الخادم لمنع الحرب في ليبيا؟؟
السؤال الأبرز هنا هو ما مصلحة الأمارات ومصر في تأجيج الصراع في ليبيا؟؟ الإجابة بسيطة جداً؛ لأن السؤال لا يستحق التفكير؛ فالإمارات قوي اقتصادية عظمي لا تحتاج لبترول ليبيا، ومصر علي مدار تاريخها العربي لم تقدم قط علي استغلال أي دولة عربية، خاصة ليبيا؛ فمصر تفكر في استقرار ليبيا أكثر من أي دولة أخري؛ لأن ليس من صالحها أن تستمر النازعات بالقرب من حدودها الغربية؛ فلا منطق أبداً في إدعاءات "بي بي سي" سواء المتعلقة بالإمارات أو المتعلقة بمصر، وبناء علي كل ما سبق أتمني أن يُحاكم هؤلاء القائمون علي هذا التقرير بتهمة الغباء السياسي-كما قال السادات رحمه الله-فالحروب والنزاعات تنشأ من أجل استنزاف خيرات الشعوب؛ فإذا أختفي عنصر المصلحة من المعادلة لا نستطيع أن نتهم أي دولة بضلوعها في النزاع.
وفي النهاية لا يسعني سوي التفكير في دافع "بي بي سي" وراء تحريف وتأويل الحقائق لاتهام الإمارات ومصر بجرائم لم يرتكبوها في حين أن المجرم الحقيقي لا يزال يشعل فتيل الحرب في ليبيا!! أعتقد أن "بي بي سي" كانت ترغب في أعطاء اسم أخر للتقرير وهو "الأخوة الأعداء"، وربما مُنعت في أخر لحظة كي لا يعلنوا-صراحة-عن نواياهم الحقيقية في زرع بذور الشك في قلوب الشعب الليبي تجاه مصر والإمارات؛ لكن أيتها الأجندات الموجهة لا تنسي حقيقة واحدة، وهي أن الأخوة ليسوا أعداء، وأن الأجندات السياسية لا تستطيع تغيير الحقائق حتى بعد تحريف المعلومات وتأويلها وفقاً لمخططاتها.
بقلم - هبه مرجان: