أنا منسحبة "الجزء الأول
قصة
قصة بقلم: غادة حامد
- عمرك ما هتفهمني
- انتي مش عايزة تعترفي بغلطك
- انا شرحت لك اللي قصدته لكن انت طول عمرك ظالمني و عمرك ما سمعتني من قلبك .. و لا فهمتني و لا عايز تفهمني
- ليه يعني علي أساس انك لغز صعب يعني؟؟ انتي فاكرة انك عميقة اوي ، انتي انسانة عادية جدا و معندكيش أي خبرات في الحياة خالص
هنا نظرت اليه بحزن شديد ثم قالت بأسى :
- يا ريت نوقف كلام هنا ، المناقشات معاك مش مجدية و ما لهاش أي فايدة .. انا مش هاتناقش معاك في حاجة تاني. ولا حتي هاقعد معاك في نفس الاوضه
انهت جملتها و اتجهت فورا لغرفتها بحسم شديد و سحبت غطا السرير و مخدتها ووضعتهم في الغرفة الأخرى التي يعزلها جدارا واحدا فقط بين غرفتهما و تلك الغرفة.. نعم انه الجدار العازل
هي والانسحاب
عند هذه اللحظة قررت مني ان تنسحب و تسدل الستار بمنتهي الحزن و الاسى علي علاقة زواجها التي كانت تبني عليها امالا كثيرة.. قررت ان تبقي علاقتها به علاقة روتينية للغاية ، ان لا تجادل و لا تناقش مهما كان الامر.. قررت ان تبني جدارا عازلا بينهما يوقف سيل الاتهامات و اللوم و التقليل من الشأن الذي تنجر اليه عندما يبدآن أي نقاش..
لا يهم من كان البادئ في النقاش و لا مدي تفاهة او عمق الموضوع الذي يتناقشون فيه.. فكل مرة يحدث نفس التسلسل
خمسة دقائق فقط يتناقشان فيها في الموضوع ثم يبدأ سيل القاء اللوم عليها و تنجرف معه بدون ان تنوي الي الدفاع عن نفسها فتشعر كأنها اضعفت موقفها ، فترد بسخونة اكثر وتندفع بقوة اكبر في القاء اللوم في وجهه كهجمة مضادة مرتدة عليه فيتلاقاها بغضب جم ثم يبدأ صوته في الارتفاع و كذلك صوتها ، فيبدأ حربا نفسية اخري اكثر شراسة ضدها .. يبدأ بالتقليل من شأنها.. التحقير من مكانتها او عقليتها او خبراتها او ذوقها او كلهم معا ..
هي هي نفس البداية و نفس النهاية كل مرة .. لكنها قررت أخيرا ان توقف المهزلة .. الجدار العازل هو الحل .. ستبني بينهما جدارا من الروتينية و البلادة و لن تمنحه الفرصة ليخترقه او يخترق نفسيتها بكل ذلك الأذى.. نقطة و سطر جديد
تركته وهو مذهول من هذه النهاية المفاجئة ، تركته و هي تشعر بقوة و اسى في نفس الوقت
لقد اطلقت صفارة الحكم في المباراة و لا يهم من الخاسر و من الفائز .. فكلاهما خاسر بالتأكيد
علاقتهما قاربت ان تتفتق من كثرة الشد و الجذب حتي أصبحت كرداء بالي قديم لا تملك الا ان تشمئز منه لتهتكه عندما تراه
هو و افكاره
في نفس الوقت.. جلس هو في مقعده المفضل و علي وجهه علامات الهدوء و الوقار في حين أنه يغلي من داخله .. يشعر كانه خرج من وطيس الخناقة الي قاعة محكمة القت حكما قاسيا غير متوقعا عليه ، و لم يكن ينتوي ان يذهب الي المحكمة أصلا .. كان يدافع عن نفسه و يبرز أسلحته لينتصر لا ليتلقي حكما كهذا .. انسحب الطرف الاخر و تركه وحده في المعركة مشهرا سيفه في الهواء بلا مبارز امامه! لكنه أيضا يشعر بكم كبير من الإهانة في كل مرة تبدأ حوارها معه بأسلوب اتهامي محض يليها أسئلة تفوق أسئلة شارلوك هولمز في دقتها و كانه في قفص الاتهام فيبدأ في اشهار أسلحته واحدا تلو الاخر
كلاهما جالس و هو مثخن بالجراح ، اسفا لما وصلت اليه علاقتهما و حالهما.. كل منهما يعتقد انه الضحية و تأبي عليه كرامته الاستسلام او الخنوع..
الفضفضة
اتصلت مني بصديقتها الحميمة، علها تخرج من موودها السئ
مني: ازيك .. اخبارك ايه؟
منال: مال صوتك؟
مني: مفيش .. اتخانقنا كالمعتاد.. خلاص دة بقي العادي
منال؛ ليه بس كدة ..
مني: اهه طريقته مش هتتغير
منال: طيب و طريقتك؟!
مني؛ مالها؟
منال ؛ اكيد فيها برضه حاجة، ماحدش ملاك ، و دايما لو طرف غير طريقته بمرور الوقت التاني بيضطر يغير هو كمان
مني؛ انا خلاص قررت المرة دي مش هاناقشه ابدا في حاجة ، لا هاحكي له عن حاجة في البيت و لا الولاد و لا كأنه موجود، هاعتبره هوا ، انا سبت له الاوضة و خدت حاجتي للاوضة التانية .. خلاص مش عايزة اتعامل معاه
منال : الكلام دة غلط جدا ، انتي كدة بتبني اول طوبه في انهيار علاقتكم
مني: بالعكس كدة اسلم و نرتاح من وجع الدماغ كل شويه
منال: بصي يا عزيزتي.. في ٤ أسباب كفيلين بهدم أي علاقة؛ اللوم و التقليل من الاخر و الهجوم و الانسحاب.. و اللي انتي بتقولي عليه دة الانسحاب
ضحكت مني و ردت : طيب انا هانسحب بس هو بيعمل التلاتة التانيين .. بصوت ضاحك أخيرا .. ضحكتيني و الله
منال: ماهو اكيد لو هو بيهاجمك ممكن تكوني بتبدأي باللوم عليه و دة مش صح..
مني: يعني ما اقولوش خالص انه غلطان ، لا لوم و لانقد عشان ينبسط و انا اطق!
منال؛ لا ياحبيبتي مش كدة .. بس اللوم دايما بيكون فيه تعميم و بيوصل رسالة للشخص اللي ادامك انه معيوب .. و انه هو مش عاجبك ، مش ان في تصرف مش عاجبك و انك مش فاكراله أي حاجة صح بيعملها.. فطبيعي يبدأ بالهجوم
سكتت مني لبرهة تسترجع يداية النقاش.. : بصي بصراحة احنا الاتنين بنعمل كدة بس طبعا هو لازم يزودها حبتين و يقلل مني في أي حاجة تيجي علي باله ..
منال؛ هو كمان غلط طبعا .. اكيد الجدال او المناقشة بالشكل دة لازم تنتهي نهايه حامية طبعا و عمرها ما هتوصل لاي حل لا للمشكلة اللي اتناقشنه فيها و لا ان حد يغير طبعه
مني: ماهو فيش فايدة ..
منال : لا في اكيد .. علاقتكم مش قليلة ولا سطحية و تستاهل المحاولات لحد اخر نفس .. احنا بنقعد نبني في العلاقات دي او علاقات الصداقه او علاقاتنا باهلنا او ولادنا سنين.. و الناس اللي في العلاقات دي يقوا قربوا مننا اوي و مش هنبقي سعدا لما ينجرحوا او نقاطعهم
مني: كلامك صح.. طيب و الحل
منال؛ الحل اكيد عندك مش عندي.. انا مش منى و دة جوزك مش جوزي
مني: انتي عارفه انا ساعات بيبقي نفسي اكتب له جواب اطلع فيه كل اللي جوايا
منال: طيب ما تجربي
مني؛ باحباط شديد؛ ربنا يسهل .. يعني الكلام بيجيب فايدة لما الكتابة هتجيب
منال؛ مش هتخسري كتير .. جربي .. مين عارف
——
واظبت مني خلال الأسبوع الأول علي الانسحاب تماما من امامه
تعمدت الا تتواجد معه في مكان واحد.. حرصت علي الا تراه و اذا رأته فتتبادل معه كلمات معدودة ؛ صباح الخير .. هتاكل.. مع السلامة .. هتتغدا .. وطي التليفزيون من فضلك .. سيب فلوس للمكوجي .. تصبح علي خير
كلمات تكررها بنفس النبرة و نفس الصوت كل مرة ثم تدخل الغرفة الأخرى التي قطنتها حديثا تلهي نفسها بمكالمات تليفونيه ، بالانترنت و السوشيال ميديا .. بقراءة القران او الصلاة ، ثم تبدأ معركتها مع النوم ..
واظبت أسبوعا كاملا.. حياة خانقة .. مملله..و قبيل المغرب بساعة ، و قد القت براسها الصغير علي ظهر مقعدها المفضل في البلكونة و اخذت نسمات هواء المغربية تداعب افكارها و تنثرها يمينا و يسارا.. كيف وصل بي الامر الي هنا .. اين الاحلام و الامال .. هل أصبحت هباءا منثورا .. هل تساقطت كحبات المطر علي الأرض لتسير ببطء الي اقرب مزراب للمياه!
هل كتب علي ان أعيش في وحدة سواء أكملت حياتي ام هجرتها.. الحالتين اكثر بؤسا من بعضهما تماما كان تختار لونك المفضل ان يكون اما الأسود الغامق ام الأسود الفاحم.. وحدة.. وانا في بيتي .. بيت زوجي .. ناكل سويا و كل روح تهيم في واد و كل عقل يعيش في دنيا ننام في سرير واحد و نتقاسم الاكسجين المتجدد في الغرفة لكننا نزفره تنهيدات عالية مدوية كريح صرصر في قلب صحراء ساكنة هي غرفة النوم .. ام أعيش وحدي واكل وحدي واتنفس وحدي كل الاكسجين في غرفة نومي و ازفره فترج زفرتي أبواب البيت و تصفع الجدران و تعود بالام الصفعة فاستنشقها ثانية مملوءة بتراب الوحدة من علي الحيطان و الرفوف و البيبان
انهما الاختيار بين الأسود الغامق و الأسود الفاحم!
——-
فجأة وجدته امامها يرتدي كامل ملابسه ا في عز الظلمة و هو يردد كلمة واحدة لا غير :