مانويل خوزيه الإدارة المصرية والإدارة بالحب..
لي مع محمد سليمان قصة يريحني أن أقصها الآن وهو على عتبة مرحلة جديدة لن تؤثر على حياته وحده، وإنما قد تؤثر على حياتنا جميعا، إذا استطاع أن يكون ممثلا للشعب ونجح في الانتخابات البرلمانية الحالية، وأتمنى بالفعل أن ينجح، وأتمنى حقا أن يمثلني، وأرجو الله مخلصا أن تعين أفكاره في تحقيق نهضة، لأنه جدير بأن يحدث نهضة في أي مكان يتواجد فيه.
عندما كنت صحفيا عملت في صحف مصرية وعربية كثيرة، متفرغا أحيانا، ومتعاونا غالبا. وعندما انتقلت للعمل في الجامعة عملت في جامعات مصرية وأجنبية كثيرة، وبنفس الإيقاع، متفرغا أحيانا، ومتعاونا في غالب الأحيان، وفي الرحلتين صادفت شخصيات كثيرة امتازت بالقدرة على العطاء وتميزت بإنكار الذات، فلم يعرف عنها أحد شيئا.
ومن بين من عرفتهم، شيوخا وشبابا، أذكر شخصيات كبيرة تعمل في صمت، وتهيأ لي بسبب عدم حرصها على الظهور في المجال العام أن إمكانياتها محدودة، ولكنك عند التعامل المباشر تكتشف أنها عقليات رائعة ربما لو تمكنت من شغل الفضاء العام لتغير الواقع العربي تغيرا شاملا.

الدكتور محمد سليمان أحد هؤلاء، فأول مرة التقيته كان في مكتب رئيس جامعة بدر عندما بدأنا نفكر في تأسيس كلية اللغات والترجمة. دخل علينا رجل في منتصف العمر، الابتسامة ثابتة على شفتيه كأنها مرسومة، يرتدي بنطلون وقميص عاديين، يمكن أن يردتيهما أي موظف بسيط في الجامعة. لم أعره اهتماما، فربما كان موظفا جاء يوقع بعض الأوراق من رئيس الجامعة، وهو بهذه الصفة المتخيلة لن يفيدنا في شيء ونحن نفكر في أمور جليلة مثل تأسيس وإنشاء كلية جديدة. لم تمض دقائق قليلة حتى قدمه لي رئيس الجامعة، من بين ضحكاته المبسطة للأمور والتي اعتاد أن يواجه بها الأمور الصعبة في إدارته للجامعة. قدم رئيس الجامعة بأنه أمين عام الجامعة، وبين يديه ميزانية الجامعة كلها. ضحكت أنا الآخر ربما بعدوى الضحك، وبتشجيع من ابتسامة محمد سليمان الدائمة على وجهه، وقلت لهما إن من بيده "فلوس" الجامعة كلها ينبغي أن نستقبله بطريقة أدفأ مما فعلته معه.
منذ ذلك اليوم بدأت علاقة بناءة مع أمين الجامعة الشاب، الذي كنا نصحو كل يوم فنجد منشآت جديدة في الجامعة، وكنا نتعجب كيف لهذا الشاب أن ينجز بمثل هذه السرعة منشآت لو أنشئت في مكان آخر لم يكن ليتم إنجازها في مكان آخر لاستغرقت عشرات السنوات.
مع تقدم العمل في الجامعة عرفت عنه أشياء كثيرة، أولها أنه كان قوي الشخصية، حازما، عازما، ذا إرادة كالحديد لا تلين. واشتهر بين العاملين والراغبين في العمل في الجامعة بأنه "مرحلة الوحش"، فقد يجتاز المتقدم للعمل كافة المقابلات وتتبقى "مرحلة الوحش" المخيفة، وكنت كثيرا ما استغل هذه الشهرة عنه في تخويف العاملين معي من ارتكاب أخطاء وإلا حولتهم لهذا الوحش. وكنت أعرف أنه ليس وحشا، وأنه بسيط متواضع ودود. وتكلمنا في هذا أيضا، وصرح لي بأنه ليس سعيدا بهذه الشهرة وإن كان مدركا لها، وروى كيف أن إحدى العاملات كانت على وشك أن تدخل من باب إحدى المدارس التي كان يديرها، وكانت تحمل طفلها على كتفها، ولكنها لما لمحته يطل من نافذة مكتبه وضعت ابنها على الأرض واسرعت في الدخول، ومن يومها قرر ألا يطل من النافذة أبدا، وأرسل لهذه العاملة يطمئنها ويرجوها ألا تفعل هذا مع ابنها مرة أخرى أبدا.
ومع توالي العشرة مع هذا الأمين العام اكتشفت أشياء كثيرة لم تكن لتخطر لي على بال: إنه يحب العمال جميعهم، ويرعى مصالحهم، وأول زيادات في المرتبات تقررها الجامعة تكون الأولوية للعمال، وأية تأمينات إضافية تخصص للعمال، ومن أقواله التي يرددها نقلا عن أحد عمالقة علم الإدارة في العالم: "الملاك يدفعون أموالهم والعمال يدفعون دماءهم"، وكان هذا يعني في نظري ليبرالية مستنيرة، تؤمن بالعدالة الاجتماعية ومن وجوب مشاركة العاملين في الأرباح ما داموا يشاركون في تحقيقها. كان لذلك أعمق الأثر في تحملي كافة الصعاب التي واجهتها في عملي، بل إنني صرحت ذات مرة على الملأ بأن محمد سليمان ليس أمينا على الجامعة وحسب، وإنما هو أمين علينا جميعا.
إنه يحقق المعادلة الصعبة: وجه مبتسم، وإرادة من حديد، وقلب من ذهب. مثل هذه الشخصية تأسرك رغما عنك، ولكنها أسرتني رغما عني و"بمزاجي"، وسأحكي لكم عن السبب.
سافرنا سويا إلى مدينة تورينو الإيطالية لعقد اتفاقية تعاون مع جامعتها، وهي من كبرى الجامعات الإيطالية، وجاء حظنا في الإقامة في فندق خلف محطة السكة الحديدية، وكعادة المناطق المتاخمة لمحطات القطارات في كثير من مدن العالم تكون مرتعا للإجرام، ورأينا ونحن ندلف إلى الشارع كيف يتم توزيع المخدرات، وكيف تقف وجوه مخيفة في أركان الشارع يعلم الله ما الذي تدبره فيما بينها. وحدث أنني سبقت الدكتور محمد بخطوات زادت اتساعا مع الوقت، حتى أصبح الفارق بيننا كبيرا، وكان هو يسحب وراءه حقيبتين، وأنا أسحب خلفي حقيبة سفر علقت عليها حقيبة يدي، وكعادتي في إهمال أشياء بعينها تركت كيسها مفتوحا، فجاء لص وسحب المحفظة وجواز السفر، وجرى، وأنا لا أدري. بعدها بدقيقة أو اثنتين وجدت محمد سليمان يحمل المحفظة وجواز سفري ويلحق بي. قال لي إنه ظل ينادي علي وأنا لا أرد، وأنه رأى اللص يسرقني فترك حقيبتيه وركض خلفه حتى أمسك به وأخذ منه المسروقات. عرفت حينها معنيين كبيرين في محمد سليمان: أنه صاحب صاحبه كما يقال، وأنه جسور، فلما يأبه بما يمكن أن يفعله هذا اللص، في مدينة اشتهرت باللص الذي أراد سرقة خاتم سيدة أخرجت يدها من نافذة سيارتها، فقطع إصبعها بالخاتم، وكان من الممكن أن يواجه صديقي العزيز مصيرا كهذا ولكنه لم يأبه وفعل ما يمكن لأي رجل جسور أن يفعله في مثل هذه المواقف.
وفي أول نجاح تحققه الكلية التي توليت عمادتها في الجامعة التي كان محمد سليمان أمينا عاما لها، جرى بيننا حوار حول أسلوب إدارتي لها، وقال لي إن هذا الأسلوب ليس موجودا في كل كتب ومراجع الإدارة، ولكن بما أنه ناجح فاستمر فيه، وكان هو الذي سماها "الإدارة بالحب"، كانت وجهة نظري أن ما يمكنك أن تحصل عليه من العاملين معك بالحب أضعاف أضعاف ما يمكن ان تحصل عليه من خلال الصرامة الإدارية. وكان موافقة الأمين العام على هذه السياسة الإدارية "بالحب" دليلا على أنه يقدر هذه النواحي الإنسانية في التعامل، حتى في علاقات العمل.
علم الإدارة هو العلم الذي تخصص فيه محمد سليمان ونال عنه درجة الدكتوراة برسالة جديدة من نوعها، وقد عاصرت بعضا من مراحل إعدادها، ومناقشتها، ورأيت بعيني ردود أفعال الأساتذة الذين قرأوها وناقشوها وسمعوا المناقشة، وتوصل فيها محمد سليمان إلى توصية لاقت صدى طيبا، فقد دعا في ختام دراسته إلى التقدير الكمي للإدارة الناجحة من خلال معادلة أثبت صحتها، واقترح أن تطرح الإدارة الجيدة في البورصة، لكي يصبح المدير الموهوب مثل لاعب الكرة الموهوب، أو المدرب القدير، له سعر يقل ويزيد حسب أدائه ونجاحه في تعظيم ثروة المؤسسة التي يديرها.
بالنسبة لي محمد سليمان هو مانويل خوزيه الإدارة المصرية، وتحديدا إدارة الجامعات، وهو أيضا مكسب لأي فريق يديره، وأتمنى أن يشارك في إدارة برلمان مصر المقبل.
بقلم - د. حسين محمود:
عميد كلية اللغات والترجمة "جامعة بدر"