ديوان " أعدها مرة " لنيفين علي.. دراسة نقدية
رؤية: أحمد الشدوي - روائي وناقد سعودي
وأنت تقرأ ديوان " أعدها مرة " عليك أن تفهم العنوان أولًا ليس لأنه عتبة نص فقط لكن لأنه يحمل في بساطته الكثير من المفارقات . اختياره بهذا النحو رائع لم يضعفه الا تلك الشدتين على الدال والراء فالحديث عن القهوة مفتاح من مفاتيح الشعر الحديث كالأطلال في الشعر الجاهلي .
غير أن الديوان لا يحكي عن هذه القهوة المرة فقط . قرأتها كما هي , وقرأتها بسكون على الدال وفتحة على الميم . بعد نهاية قراءتي للديوان تمنيت لو تركت هكذا من دون شدة ولا سكون .
يبدأ النص باعتذار شاعرة لمدينة تسكنها , ومنحتها الحب والهدوء تعتذر لها من كل غربة , لم تتمكن الشاعرة فيها من مجاراة اتزان ذاتها المخضوضرة لنقطة ندى نبتت هناك , وقد غابت ذات قلق . ويمكن للقارئ أن يستجلي هذا المعنى من نص يحكيه بوضوح , هو نص اعتراف . يحتوي الديوان على نصوص مدهشة ومذهلة , فيها فتح المعاني على المعاني بشكل يضعك في أقصى مدى من خلال نصوص قصيرة تميزت بتكثيف الدلالة . واختيار الألفاظ الشعرية القوية , هات نص " سهر " أنظر كيف هناك نصوص مكرورة بالآلاف للموضوع , لكنه استنبت مفهوما جديدًا لشعر يقطر شاعرية , وهات نص " كحل " لترى الانفتاح الذي يدفعك لأقصى مدى , ونبقى أمام نص " بقايا " وقد اعتبرته فتحًا جديدًا في المعنى لو تخلينا فقط عن المقطع الأخير منه , نصٌ يذكرك بعبارة " ميلان كونديرا " : إذا أردت أن ترى بوضوح أغمض عينيك .
كما تذكرك هذه النصوص القوية بطريقة الشاعر الكبير " عمر أبو ريشة " من حيث الخاتمة غير المتوقعة , والتي ترغمك على إعادة قراءة النص لتصنيف مذهل , هذا لا يمنع من وجود نصوص عادية ومكرورة مثل نص " غرق , وقدر , ونص أذى " و في الديوان كله نص واحد أقل شاعرية هو نص " محطة " .
كانت الشاعرة تعرف أن نص " خريف " يجب أن يكون نص الخاتمة , لكن الروح التي كتبت تلك النصوص الشفافة الراقية لم تشأ أن تختم بالخريف فوضعته ما قبل الأخير واختتمت بنص " حقيقة " وهو نص جيد من دون القسم .
يبقى أنك أمام شاعرة مرهفة الحس حاذقة في اختيار ألفاظها الشعرية , توزن كلماتها بميزان الذهب شعر جديد وأنا أقرأ الديوان كقارئ شعرت أنني في حصة فرح ولحظة دهشة , وحين قرأته كناقد عرفت كمية الشعر التي حملها هذا الديوان.