أزمة ثقة
بقلم : هبة رجب
من منا لم تخذله الحياة وتذيقه الدنيا مرارة خذلان الآخرين؟!!
تصيب قلبه حسرة، تعتصره من الداخل، فيكبح جماح مشاعره التى كان يطلق لها العنان، فيصب بلعنتها هذا النهر المتدفق من العطاء.
لتتحول تجربة ما أو أكثر من تجربة كحد فاصل يقلب حياته رأسا على عقب بين ليلة وضحاها.
هو من بعدها قد صار شخصا آخر، لا يأمن لأحد فيهبه مساحة أو حيزا كبيرا من حياته.
أمست علاقاته سطحية حتى لا يخترقه الآخرون، أصبح لا يرسم الأحلام ولا يشيد الآمال، لا يأخذه الحلم إلى بروج عالية حتي لا تهوي به الأمنيات في قاع سحيق.
أصبح مارًّا مرور الكرام، هونا هيِّنًا، يمشي على استحياء، صارت رؤيته أعمق، باتت خطواته نحو الآخرين ثقيلة.
لا يلتفت خلفه للراحلين، ولا يتوسل لأحد أن يبقى، أضحى كريشة خفيفة تسبح في الهواء كل غايتها ألا تتأذى أو تؤذي.
تلك الأزمة، تلك الصفعة كانت بمثابة درسٍ قاسٍ.
لا أدري أهذا الدرس تلقاه من الناس أم من الحياة ؟!
ولكن العبرة فيما ورثه من وراء هذا الدرس؛ قسوة شدت من عضده، جعلته شخصا آخر لا يمنح إلا بحساب.
يحذر كل شيء، عزيز في عطاياه، غير متاح للجميع، يبتعد عنك وهي في أمس حاجته لك، لا يشعرك بضعفه، ويريك قسوته إن آلمته.
لن ينحني أو يتودد لينال منك شيئا، إن مسست كرامته ولو بخدش بسيط فسيقرر الاستغناء عنك في طرفة عين.
نحن لا نخشى الآخرين بقدر ما نخشى أن تصيبنا حسرات أخرى منهم فيتجدد بها الألم السابق، ويتجدد معه إحساس جديد مؤلم يضاف إلى رصيد أزماتنا.
نحن نترقب الجديد دوما دونما تعمد منا، ولكنه الخوف الكامن في نفوسنا هو ما يدفعنا دائما لذلك.
تلك الأزمة كانت وستظل نقطة فاصلة، أفقدتنا جزءا كبيرا منا لنصبح بعدها ما نحن عليه الآن.