المصريون
وفى أحلك الظروف والأوقات التى يتصوَّر الأعداء أنهم نجحوا أو يمكنهم استغلال الظروف الصعبة التى يمر بها أهل مصر، نجد المصريين "يهبّون" ليُعيدوا تجديد لُحْمَتهم وتماسكهم، ويضربون أروع الأمثلة فى التعاون والترابط فيما بين أفراد المجتمع، دون تفرقة بين أحدهم.
وفيما يلى قطرات من محيط هذا النسيج.
يؤكد القس د. أندريه زكي- رئيسِ الطائفةِ الإنجيليةِ بمصرَ، رئيس الهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية- أن الطائفةُ الإنجيليةُ تتابعُ عنْ كثبٍ ما يدورُ على الساحةِ، وما تقومُ به الدولةُ -بكلِّ أجهزتِها وقطاعاتِها- من جهودٍ فعّالةٍ لمكافحةِ وباءِ كورونا، واحتواءِ هذه الأزمةِ التي تهدِّدُ بلادَنا العزيزةَ والعالمَ أجمعَ. وقدِ اجتمعَ المجلسُ المليُّ الإنجيليُّ ورؤساءُ المذاهبِ الإنجيليةِ، عبرَ وسائلِ التواصلِ الإليكترونيّ، وإحساسًا بالمسؤوليةِ الوطنيةِ تستمرُّ جهودُ الطائفةِ بمختلفِ مذاهبِها وهيئاتِها للقيامِ بدورٍ إيجابيٍّ في مواجهةِ الأزمةِ، وتقرَّرَ اتخاذ عدد من الإجراءات الداعمة لتلك الجهود الإنسانية لكل أفراد المجتمع المصرى، ومنها: تخصيصُ مبلغِ مليون جنيهٍ مصريٍّ لصندوقِ "تحيا مصر"، للمساهمةِ في شراءِ أجهزةِ التنفسِ الصناعيّ.
وأهابت الطائفةُ الإنجيليةُ- بكلِّ مذاهبِها ومؤسساتِها وكنائسِها المحليةِ- بكلِّ من لديهِ القدرةُ على المساعدةِ، تقديمِ كافةِ المساعداتِ الاجتماعيةِ والطبيةِ الممكنةِ، لكلِّ أطيافِ المحتاجين من أفرادِ المجتمعِ، والتي تتطلبُها هذه الظروف.
مبادرات إنجيلية
يضيف د. أندريه: كذلك أطلقت "الهيئة الإنجيلية" بمختلف قطاعاتها ووحداتها داخل المجتمعات المحلية، في بعض المحافظات، عددا من المبادرات، منها دعم أكثر من عشرين ألف أسرة ومائة ألف مواطن، بإجمالي قيمة مالية ستة ملايين جنيه، لتحقيق أعلى مستوى كفاءة للحد من تحديات انتشار فيروس كورونا في مختلف المجالات، وذلك بجانب البرامج المتنوعة الأساسية للخدمات والأنشطة التي تقدمها.
يستطرد د. أندريه قائلا: كما شاركت الهيئة، صندوق "تحيا مصر" لدعم ١٤ ألف أسرة الأولى بالرعاية لعدد من قرى محافظات: البحيرة والمنيا وسوهاج، ضمن قوافل المرحلة الثالثة من المبادرة التي وصلت إلى ٣٠٠ ألف أسرة أولى بالرعاية في ٣٠٠ قرية على مستوى الجمهورية.
أوضح د. أندريه، أن د. مصطفى مدبولي- رئيس مجلس الوزراء- شهد إطلاق صندوق تحيا مصر أكبر قافلة للمساعدات الإنسانية، وهي المرحلة الثالثة من مبادرة "نتشارك.. هنعدي الأزمة"، لمواجهة تداعيات جائحة كورونا.
كما استهدفت قوافل المرحلة الثالثة الوصول إلى ٣٠٠ قرية من القرى الأولى بالرعاية وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في ١٦ محافظة هي: أسيوط وسوهاج وقنا وأسوان والبحيرة وبني سويف والمنيا والفيوم، ومطروح والأقصر والغربية والقليوبية والوادي الجديد والشرقية والدقهلية والجيزة.
التنمية المستمرة
وأوضحت مارجريت صاروفيم- رئيس وحدة التنمية بالهيئة- أنه في مجال التنمية المحلية وبالتعاون مع شركائنا من مئات الجمعيات، تم العمل على إمداد حقائب المطهرات والوقاية لعشرة آلاف أسرة ممن يعيشون في المجتمعات الأَوْلى بالرعاية، والأكثر احتياجًا في محافظات الصعيد والوجه البحري، بجانب المساهمة في تطهير ورش المباني العامة والمساجد والكنائس والمدارس والجمعيات التعاونية الزراعية والمنازل والشوارع، وذلك لـ 170 مجتمعًا محليًّا، وتم إطلاق حملات تهدف إلى رفع الوعي لـ 150 مجتمعًا محليًّا، واستهداف 8000 أسرة من الأسر العاملة في قطاع العمل غير الرسمي لتقديم الدعم والمساعدات اللازمة.
الدور المجتمعى
من جانبها قالت سميرة لوقا- رئيس أول وحدة الحوار بالهيئة-: وحدة الحوار اهتمت بضرورة التواصل مع المجموعات والقادة من شباب علماء الدين الإسلامي والقساوسة والإعلاميين والأكاديميين والذين أخذوا على عاتقهم أهمية دورهم في التواصل مع المجتمعات المحلية لمواجهه أخطار فيروس كورونا؛ حيث شارك المنتدى، بالتعاون مع مجموعة من المؤسسات الشريكة، في توزيع شنط المطهرات وأدوات الوقاية لأكثر من ١٥٠٠ أسرة بجانب حملات التوعية المستمرة لأكثر من ٦٠٠٠٠ مستفيد بجانب تطهير وتعقيم للشوارع والمؤسسات في عدد من المحافظات.
أضافت: تم عقد جلستين تدريبيتين باستخدام الفيديو كونفرنس شارك فيها 50 من شباب الأكاديميين والإعلاميين ورجال الدين وممثلي المجتمع المدني من 6 محافظات (القاهرة، المنيا، أسيوط، أسوان، الإسكندرية، بني سويف) حول موضوع (المسئولية الأكاديمية في مواجهة الأزمات وبناء السلام والعيش المشترك في وقت الأزمات) وفتح مجال للحوار واقتراح مبادرات مجتمعية في هذا الشأن.
داعيات وخادمات
وأشار يوسف إدوارد- المسئول الإعلامى بالطائفة والهيئة الإنجيلية- إلى قيام مجموعة من المشاركات ببرنامج الداعيات والخادمات بالقاهرة بمنتدى حوار الثقافات بالهيئة، بتنفيذ مبادرة "معًا في الأزمة"، بالتعاون مع حي الشرابية برئاسة اللواء مصطفى سعد عُبية- رئيس الحي- إيمانًا منهن بالدور الذي يلعبنه في التصدي لفيروس كورونا، وبأن في اتحادهن معًا رسالة للمجتمع بأهمية رفع مستوى الوعي الثقافي لتجنب التقاط العدوى.
واستهدفت المبادرة: تعقيم وتطهير مؤسسات الحي واشتملت على: المبنى الرئيسي للحي بكامل إداراته، بالإضافة إلى تعقيم السنترال الرئيسي، ومكتب البريد.
وتوزيع وسائل الحماية من المطهرات والمواد المعقَّمة والكمامات والكحول الإيثيلي للعاملين بمكتب نائب المحافظ، ومكاتب الأمن والعمليات التابعة للحي. بالإضافة إلى العاملين بالحي والسنترال ومكتب البريد.
وعمل توعية لجمهور المواطنين خصوصًا في ظل الازدحام الذي شهده السنترال، وتم تنظيم الدخول لمركز السنترال بما يضمن التباعد الاجتماعي بين المواطنين بعد توعيتهم بأهمية هذا التباعد من قِبل الداعيات والخادمات بالتعاون المباشر مع رئيس الحي.
كما قامت مجموعة من المشاركات ببرنامج الداعيات والخادمات بالمنيا باستكمال مبادرة "أبطال في الأزمة"، بالتعاون مع معهد الأورام بالمنيا، وقامت المبادرة بتعقيم وتطهير مبنى المستشفى بالكامل. توزيع وسائل الحماية من المطهرات والمواد المعقمة والكمامات والكحول الإثيلي لعدد ١٤٠ فردًا من العاملين بمجال التمريض، وعمال النظافة، وبعض من موظفي الأمن. عمل توعية لجمهور المواطنين مِن خلال توزيع لافتات وبوسترات للتوعية.
حافلات الخير
يلتقط خيط الحديث سامح ينّى- مسئول إعلامى بالهيئة- قائلا: كذلك استقبلت الهيئة، بمقر ديوان عام محافظة المنيا، حافلات الخير، والتي تحتوي على ٧٠٠٠ كرتونة مواد غذائية وخمسة أطنان لحوم، ضمن نشاط مبادرة "نتشارك هنعدي الأزمة" التي أطلقها صندوق "تحيا مصر" لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا، لتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر الأولى بالرعاية، والعمالة غير المنظمة، في 32 مجتمعًا محليًّا فى محافظه المنيا، بمشاركة أكثر من ٣٠ جمعية تنمية مجتمع، بجانب ١٥٠ متطوعًا من الشباب.
وقد شهد استقبال الحافلات د. محمد محمود أبو زيد- نائب محافظ المنيا- ياسر بخيت- وكيل وزارة التضامن بالمنيا- د. رشا مهدي- مقرر المجلس القومي للسكان- أحمد حافظ- منسق صندوق تحيا مصر بالمنيا- ناصر صادق- مدير مكتب الهيئة الإنجيلية بمحافظة المنيا- وكل من ماريان جورج ونبيل عزت وماجد بولس من فريق العمل.
كذلك استكملت الهيئة الإنجيلية فاعليات مبادرة "عالحلوة وعالمرة" بالأقصر، والقائم على تنفيذها مجموعة القادة الدينيين بالأقصر ومجموعة المجتمع المدني. وقام أعضاء المبادرة باستكمال التوعية عن طريق مكبرات الصوت التي جابت جميع مناطق وأحياء الأقصر، للتوعية بأهمية النظافة وغسل الأيدي جيدًا بالماء والصابون والالتزام بالمنزل وعدم التجمع وأهمية التباعد وبعض الإجراءات اللازمة لمواجهة كورونا، وتوزيع ولصق العديد من المنشورات والبوسترات الوقائية والتوعوية.
كما تم توزيع عدد من الشنط التي تحتوي على مواد تعقيم ووقاية (كحول، كمامات، جوانتيات) للاستخدام الشخصي على عدد من سائقي الحنطور وسائقي السرفيس بالأقصر، وهم من الفئات الأكثر تضررًا وتأثّرًا بالأزمة نظرًا لطبيعة العمل واختلاطهم بأعداد مختلفة يوميًّا من الأشخاص، وكذلك تضررهم بطريقة مباشرة من توقف السياحة بالأقصر.
كرنفال أسوان
كما نظم منتدى حوار الثقافات بالهيئة كرنفالًا فنيًّا بمحافظة أسوان ضمن فاعليات مبادرة "أزمة وهتعدي"، بالتعاون مع جمعية المستقبل بأسوان ومجموعة شباب الأكاديميين.
شمل الكرنفال مجموعة متنوعة من الأغاني التراثية والفنون الشعبية والإنشاد الديني، في ثلاث مناطق سكنية تختلف أعرافهم الثقافية مصحوبة برسائل التوعية ورسائل التضامن مع من تضرّرت حياتهم بسبب توقف السياحة ومواجهة تحديات انتشار الفيروس.
ورسم الأهالي أيقونة فنية رائعة من شرفات منازلهم من خلال تفاعلهم مع المبادرة ورسمت العروض الفنية البهجة علي وجوههم، بجانب زيارة لجنة المبادرة لمستشفى العزل بأسوان والحجر الصحي بنُزُل الشباب مقدّمة هدايا ورسائل الدعم للمرضى والمصابين بفيروس كورونا ورسائل شكر للطاقم الطبي بالمستشفى.
كما استكملت حملات الرش والتطهير والتوعية وتوزيع شنط الوقاية ومواد التطهير لغير القادرين. وتنظيم جلسات إلكترونية مع مسئولي مراكز الشباب وإطلاق تحدٍّ خاص بالقراءة والفن والتمثيل والرسم والكتابة بين الشباب المتعامل مع مراكز الشباب.
"معاكم ومش هانسيبكم"
كما نفذ مشاركو منتدى حوار الثقافات بمحافظة المنيا مبادرة "معاكم ومش هنسيبكم" بقرية زاوية سلطان وعزبة الديابة، بالشراكة مع مجموعة من القادة الدينيين من القساوسة والشيوخ وعدد من واعظات وزارة الأوقاف والخادمات بالكنائس، بجانب مشاركة الكنيسة الإنجيلية المشيخية، وعدد من ممثلي المجتمع المدني. وتضمنت المبادرة زيارات من الواعظات والخادمات لتوعية الأسر، وعمل جداريات فنية لتأكيد قيم التماسك المجتمعي بمشاركة 30 شابًّا متطوعًا. كما وُزِّعت أدوات وقاية وتطهير لعدد 250 أسرة، بجانب التوعية عن طريق الملصقات وتقديم رسائل من خلال مكبرات الصوت، وقد استفاد منها أكثر من 5000 مواطن.
وتفاعل معنا مجموعة من القادة المحليين بالمشاركة مثل شيخ الصيادين بالديابة، وكبار عائلات القرية، بجانب مشاركة شيخ بلد زاوية سلطان في دعم المبادرة، والمشاركة في أنشطة المبادرة كافة، والتبرع بالمعدات المستخدمة في الرش والتعقيم بالحملة وبعض أدوات الوقاية.
أسرة واحدة
يقول الشيخ عبدالله أبو القاسم- إمام بأوقاف الأقصر-: أطلقت الكنيسة الإنجيلية بالعضايمة، مبادرة "أسرة واحدة" تم من خلالها توزيع مواد غذائية وملابس ولوحات إرشادية للوقاية من فيروس كورونا، برعاية القس شنودة جرجس- راعي الكنيسة الإنجيلية بالعضايمة- وعدد من المتطوعين- مسلمين ومسيحيين- واستفاد من هذه المبادرة أكثر من مائة أسرة من الأسر الاكثر احتياجا، في مبادرة ليست الأولى، قدمت نموذجا على أرض الواقع أن الشعب المصري العظيم نسيج واحد وأسرة واحدة في مواجهة جائحة كورونا وفي مواجهة أي أزمة تصيب الشعب المصري.
**************
.. والكنيسة القبطية.. دور وطنى ومسئولية مجتمعية
د. بولس حليم: شريك أساسى بجانب الأزهر ومؤسسات الدولة
مصطفى ياسين
يقول القس د. بولس حليم- المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية-: منذ نشأة الكنيسة القبطية فى منتصف القرن الأول على يد القديس مامرقس الرسول- أحد رسل المسيح وكاتب أول إنجيل- والدورالوطنى والاجتماعى يمثلان جزءًا اصيلاً من تكوينها وفكرها المستنير المستمد من تعاليم ووصايا السيد المسيح فى الكتاب المقدس، والذى دعا لأن نكون نورا وملحا للأرض، أى ليكن لكل شخص دوره الإيجابى وعمله المثمر والمؤثر فى مجتمعه، كل حسب امكانياته ومواهبه، مؤكدًا أن "من يعرف أن يعمل حسنا ولا يفعل، فتلك خطية له" (يع 4 : 17) كما أتسمت ليتورجياتها (أى صلواتها الجماعية) بأحتوائها على أواشى (طلبات وصلوات) من أجل مياه النيل والزرع والهواء كما تصلى وتطلب عن الرئيس والوزراء والجيش وسلامة المجتمع كله.
وبذلك لم تنفصل الكنيسة يوما عن وطنها بل فى أقدس أوقاتها، الوطن حاضر دائمًا وعلى مدار أكثر من عشرين قرنًا- هو عمر الكنيسة- يسجِّل التاريخ بأحرف من نور بل يقف شاهدًا على مواقف يصعب حصرها أو حتى إحصاؤها فى كل زمان ومكان على أرضنا الحبيبة مصر، صارت مصدر فخر وعزَّة لكل أبناء الشعب المصرى.
ويلقى د. بولس الضوء على بعض النماذج والأمثلة فى القرون الثلاثة الأخيرة:
١- البابا كيرلس الرابع "أبو الإصلاح" (البطريرك 110): مما قام به:
1- أنشأ مدرسة لتعليم الأولاد، وفتحها للطلبة أجمعين- مسلمين ومسيحين- تعلِّم 6 لغات بالإضافة إلى علوم الحساب والجغرافيا، وطالب بتوزيع الكتب والأدوات المدرسية مجانًا وحرص على حضور الحصص المدرسية والجلوس فى الفصل مثل أى تلميذ حتى إذا ما شاهد التلاميذ الأب البطريرك جالسًا بينهم، يتشجّعون فى طلب العلم أكثر.
2- أنشأ أول مدرسة لتعليم البنات فى مصر فى حى الأزبكية.
3- أنشا مدرستين فى حارة السقايين، واحدة للبنين وأخرى للبنات وكان يحرص على زيارتهما مرتين شهريا.
4- أنشا مدرسة فى المنصورة تخرج منها العديد من الرموز الوطنية الكبرى نذكر منهم ثلاثة وزراء: بطرس باشا غالى، يوسف باشا وهبة وعبدالخالق باشا ثروت.
5- ولشغفه بالتعليم والثقافة اشترى مطبعة عام 1860م وتعد المطبعة الثانية فى مصر بعد المطبعة الأميرية التى اشتراها محمد على.
6- آمن بأن النهوض بالأسرة هو حجر الزاوية الرئيسية فى نهضة المجتمع، فطالب بوضع حد أدنى لسن الزواج للفتاة، كما أنشأ مجلسا لحل المشكلات الأسرية وهو نواة المجلس الإكليريكى الآن.
وعندما ألغى الخديوى سعيد باشا الجزية المفروضة على الأقباط عام 1855، أشاع البعض أن البابا كيرلس الرابع طلب من الخديوى إعفاء الأقباط من دخول الجيش فلما سمع البابا بذلك أنزعج جدًا حتى أنه أصدر بيانًا مكتوبًا (يقول البعض انى طلبت من الباشا أن يعفى أولادنا الأقباط من الخدمة العسكرية، حاشا لله أن أكون جبانًا بهذا المقدار لا أعرف للوطنية قيمة أو أن أفترى على أعز أبناء الوطن بتجرّدهم من محبّة أوطانهم وعدم الميل لخدمته حق الخدمة والمدافَعة عنه، فليس هذا ما طلبته ولا ما سوف أطلبه).
شخصية فريدة
٢- البابا شنودة الثالث (البطريرك 117):
كان بحق شخصية فريدة وثرية اتسم بجانب مواهبه المتعددة فى الشعر، الكتابة، الوعظ، العلم الغزير وخِفة ظله الراقية بحس وطنى عال فكان رجل دولة من الطراز الأول، تعيش فيه مصر بكل جوراحه ووجدانه، وهو الذى قال عنها فى أحد أشعاره «جعلتك يا مصر في مهجتي، وأهواك يا مصر عمق الهوى، إذا غبت عنك ولو فترة، أذوب حنينا أقاسي النوى» وهو ما شهد به القاصى والدانى وما عاصرناه وعايشناه وشاهدناه كيف سطَّر بحياته وكتبه وأعماله الجليلة فصلا مهمًّا وعلامة فارقة ليس فقط فى تاريخ الكنيسة القبطية بل فى التاريخ المصرى الحديث، وستظل بصماته محفورة لزمن ممتد، ويذكر أنه بعد اعتلائه السدة المرقسية بعامين وتحديدًا 1973 قام بزيارة الجبهة أكثر من مرة، كما قاد حملة للتبرع، لتوفير الأدوية والمساعدات الإنسانية للجنود. وعندما بدأت حرب أكتوبر، أمر كل الكنائس بالصلاة من أجل مصر، وقام بزيارة المصابين بالحرب عدة مرات كان أولها في 22 أكتوبر 1973، ثم 24 مارس 1974، بالإضافة إلى تشكيله لجنة للإعلام الخارجي لمخاطبة الرأي العام العالمي لدعم موقف مصر أمام العالم.
وحرص قداسته طوال فترة حبريته على سلامة وصيانة الجبهة الداخلية ممثلة فى وحدتها الوطنية ونسيجها الواحد مثمّنًا من دورها ومشددًا على خطورة العبث بها، فجاء في إحدي محاضراته "إن الوحدة الوطنية في مصر حقيقة إجتماعية وتاريخية ثابتة ومستقرة وليس المساس بها إلا نوعا من المغامرة تعود بالخسارة المؤكدة علي أصحابها، إن وحدة الشعب مسألة مهمة يجب أن نعمل كلنا مع الرئيس للحفاظ عليها، التفرقة ليست لصالح أحد، الإنقسام ليس لصالح أحد ،يجب أن نذكر أن القصد الإلهي في الخليقة كان هو الوحدة ،فالله خلق العالم كله من أسرة واحدة هي آدم وحواء ،وبعد الطوفان أعاد الله تكوين العالم من أسرة واحدة، هكذا في العالم كله أبناء آدم (أب واحد) ونوح (أب واحد أيضا)، لقد عشنا في محبة، ولن يستطيع أحد أن يفرِّق ما جمعه الله، إن مصر لا خوف عليها أبدا، إنها “المحروسة ” حقا، توحَّد شمالها وجنوبها منذ آلاف السنين وتناوب عليها الغزاة ولم تتعرض وحدتها للخطر، وحدة مصر والمصريين من أسرار هذا البلد الخالد، فلا خوف علي مصر ولا تشابه بينها وبين غيرها؛ فمصر تحمي وحدتها لأنها وحدة حصينة مهما كانت مصائب الفقر والجهل ،إن حفظ الوحدة الوطنية وتقويتها ليس واجب رجال الدين الإسلامي والمسيحي فقط، بل يجب أن تتعاون فيه كل الهيئات الرسمية والشعبية علي حد سواء، بل كل فرد وكل جماعة" حتى قال عنه الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان- رئيس دولة الإمارات-: "حرص على وحدة الشعب المصرى الشقيق" وحظيت شخصيته بإحترام المجتمع الدولى فوصفه المكتب الإعلامى للفاتيكان بعد رحيله بأنه "فقيد الأمة والعالم".
كما قاوم قداسته أى استقواء بالخارج ورفض المزايدة ووقف بصلابة أمام التدخل الأجنبى فى شئون البلاد.
ومما يجدر الإشارة إليه حرصه على المشاركة بالتهنئة فى كل المناسبات الدينية الإسلامية لكل أحبائنا وأخواتنا المسلمين وزيارته لكل من شيخ الأزهر وفضيلة مفتى الجمهورية ووزير الأوقاف، هذا بالإضافة أإلى التقليد الذى وضعه منذ منتصف الثمانينيات بإقامة مأدبة إفطار الوحدة الوطنية خلال شهر رمضان بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية فى تأصيل لروح المحبة والمودة بين النسيج الواحد.
وأيضًا كان لقداسته موقف واضح صلب من القضية الفلسطينية التى طالما دعمها بدءًا برفض دخول القدس مادامت تحت سلطة الاحتلال قائلا جملته الشهيرة «إن الأقباط لن يدخلون القدس إلا مع إخوانهم المسلمين» مرورًا بعقده مؤتمر شعبي داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 2002، لتعضيد الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، الذى حدد الاحتلال الإسرائيلى إقامته فى رام الله، حيث أجرى قداسته مكالمة تليفونية مع «عرفات» أعرب خلالها عن تضامنه معه والتأكيد على مساندته في القضية الفلسطينية بالإضافة إلى كتاباته العديدة عنها، لذلك فلم يكن غريبًا أن يُطلَق عليه "بابا العرب". فقال عنه فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر-: "يذكر الأزهر بكل الإجلال موقفه الرائع فى قضية القدس وصلابته فى الدفاع عنه".
صمام أمان
يستطرد د. بولس حليم ذاكرا النموذج الآخر، وهو: قداسة البابا تواضروس الثانى (البطريرك 118): الذى تولّى مسئولية الكنيسة فى فترة دقيقة وعصيبة من عمر الوطن شهدت تحوّلات سريعة على كافة الأصعدة، فكان بحق صمام أمان وحافظ لوحدة الشعب المصرى منذ اللحظة الأولى، وكانت مواقفه واضحة منحازة طوال الوقت لمصلحة الوطن أولاً، فبدأت بإعلانه صراحة رفضه التام لدستور جديد يلمِّح لإقامة دولة لا تقوم على التعددية والتنوع وقبول الآخر، وهو ما يميز الشعب المصرى، حتى أنه فى عشية تنصيب قداسته بابا وبطريركًا للكنيسة القبطية القبطية الأرثوذكسية فى
17 نوفمبر 2012 جاء اعلان انسحاب الكنائس من اللجنة التأسيسية للدستور وذلك بسبب سيطرة فصيل بعينه على اللجنة.
وحول الفترة التى سبقت ثورة 30 يونيو 2013 المجيدة قال عنها قداسته في حوار- نشرته صحيفة "جود نيوز"، ونقلته العربية دوت نت- "كانت هناك حالة من الغليان الشديدة في الشارع المصري، وكنا نشعر بها جميعاً. وأعطى الجيش مهلة زمنية للنظام السابق، بدأت بأسبوع ثم 48 ساعة، وبعدها كان يجب اتخاذ قرار، ولذلك اجتمعت بنا قيادة الجيش وكان معنا قيادات شبابية وشخصيات عامة، إضافة إلى شيخ الأزهر، للتشاور حول ما يجب فعله، بعد أن ساء الأمر وزاد الغليان والاحتقان في ظل رفض نظام الرئيس المعزول محمد مرسي لأي استجابة".
فوضع قداسة البابا مصلحة الوطن نصب عينيه وفوق كل اعتبار ساعيًا لرفعته وعزَّته فكان موقف الكنيسة القبطية ممثلاً في شخص قداسة البابا تواضروس الثاني حاضرًا وواضحًا منذ اللحظة الأولى وهو الانحياز الكامل لإرادة الشعب المصري فكانت الكنيسة حاضرة ومشاركة بفاعلية فى هذه الثورة المجيدة، ليس من منطلق سياسى بل من خلال المواطنة ومسئولية الكنيسة نحو المجتمع التى تعيش فيه، وبرغم المتاعب والقلاقل التي لاقتها الكنيسة، وذلك عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، من اعتداءات وحرق وتدمير إلى ما يزيد عن ١٠٠ كنيسة فى انحاء مصر كلها، فجاءت حكمته فى مقولته المأثورة والعميقة جدًا فى مفهومها “وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن” والتى تجلَّت معانيها أكثر بمرور الوقت عند مشاهدة دول الجوار وما حدث ويحدث فيها حتى الآن. كما كان حاسمًا فى رفضه لأى تدخل خارجى مهمًا كان ومن أى جهة فى الشأن المصرى.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طالب قداسة البابا كنائسنا فى المهجر بأن تكون سفارات شعبية لمصر في الخارج للتأكيد على أن 30 يونيو هى ثورة شعبية عبَّرت عن إرادة المصريين، وهذا ما كان يُبرزه أيضًا خلال زياراته الخارجية.
القضايا المصرية
يضيف د. بولس حليم: وعلى ذات الصعيد فقد ساهمت الكنيسة في تعريف الخارج، بعدالة القضية المصرية حول حقوقنا في مياه النيل، ورفض أي إجراء أحادي يتخذه الجانب الإثيوبي كما نشرت على صفحتها الرسمية فيديوهات أعدّتها وزارة الهجرة بعنوان "النيل حياتنا" للتوعية بحقوق مصر في مياة النيل.
وحول المسئولية المجتمعية والدور التنموى الذى تقوم به الكنيسة من خلال أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية والمسكونية فقد وجَّه قداسة البابا إزاء الأزمة الأخيرة لجائحة فيروس كورونا المستجد بسرعة التحرك لمساندة المجتمع، وبالأخص القرى الفقيرة والمجتمعات العشوائية حتى تعبر هذه الجائحة عن مصر والعالم بخير، كما أكد على أهمية التنسيق مع جهود الدولة والخطط الوطنية في الحد من انتشار الإصابة بالفيروس وهو ما تم بالفعل فى أربعة محاور استراتيجية:
1- المساهمة فى توفير كمامات وأدوات تطهير وملابس واقية للأطباء.
2- توفير المساعدات الفورية من مواد غذائية ومستلزمات نظافة ومطهّرات لأكثر الأشخاص احتياجًا.
3- نشر المعارف والوعي الصحي على وجه السرعة بشأن التدابيرالرئيسية لتجنّب الإصابة بعدوى كورونا، وكذلك مواجهة الشائعات والمفاهيم الخاطئة والوصم المرتبط بفيروس كورونا، لاسيمّا بين الأطفال والنساء وذوي الهمم والشباب والفئات الضعيفة والمهمَّشة.
4- تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمجتمعات المتضررة، خاصة أولئك الذين فقدوا ذويهم وأحبائهم.
وستظل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية جزءا أساسيا وعمودا من أعمدة الدولة المصرية العديدة إلى جانب الأزهرالشريف ومؤسسات الدولة المختلفة.