بيسان
بقلم: شجون حسن
حدث منذ عهد قريب أن سيده تدعي بيسان فجعت بوفاة زوجها وهي في الخامسه والثلاثين من عمرها ، وكانت امرأه بارعة الحسن والجمال ، لا يراها الرائي حتي يخيل إليه أنها كوكب مضئ مشبوب رونقاً وجمالاً ، وأنها لا تزال في عقدها الثالث من عمرها ، فاستوحشت لوفاة زوجها وبدأت تتردد إلي بعض الأندية العامه علها تروح عن نفسها وحشتها وكأبتها.
فاتصلت هناك بفتي من نبلاء الفتيان اعجبها منه جمال الصوره وعذوبة الخلق ، فأحبته وافتتنت به ، واضمرت في نفسها أن تتذرع بكل الوسائل للزواج منه ، وإن كان اصغر منها بنحو عشر سنين ، فظلت تتودد إليه وتستميل قلبه ، حتي تحقق لها ما تريد ،وكانت إذا جلست إليه للحديث معه تردد علي لسانها كثيراً ذكر إبنتها من زوجها المتوفي ،فكان يخيل إليه أنها طفلة صغيرة في الخامسه أو السادسه من عمرها ، حتي زارها في يوم من الأيام في منزلها فحمل معه لطفلتها هديه يطرب إليها الأطفال فلما وقع نظر بيسان عليها ضحكت وقالت ما هذا الذي تحمل ؟
قال:إنها هديه لهدي أريد أن اقدمها إليها، وأين هي ؟ فارادت العبث به وقالت له: إنها في الحديقه علي شاطئ الجدول.
فذهب حيث أشارت فراعه أنه لم يجد طفلة في السادسة من عمرها كما كان يظن ، بل فتاة رائعة الجمال فوقف حائراً ماذا يفعل ، ولا ماذا يقول ، حتي رنت من ورائه ضحكت بيسان فتعرق جبينه خجلاً، وتقدمت بيسان نحو هدي إبنتها وقالت لها أقدم لك صديقي علي، حضر اليوم ليهديك هذه العروسه فابتسمت هدي وفهمت القصه ، فأثر في نفسها خجل علي وإرتباكه ، فمشت إليه ووضعت يدها في يده وقالت له : أشكر لك هديتك سيدي ، واتقبلها منك بكل حب وسرور،وجلسوا يتسامرون ،ومر لهم أطيب يوم مر لأحد حتي أظلهم الليل.
وأصبح علي بعد ذلك يتردد إلي منزل بيسان لا من أجل الأم وحدها ،بل من أجل الأم والبنت، حتي حضر صباح يوم وكانت الأم خرجت لبعض شأنها ،فوجد هدي بمفردها فشعر بإرتياح لأنه كان يتمني أن يجدها خاليه فوجدها ،فوجدها جالسه علي شاطئ الجدول الذي رأها فيه فجلسا معاً يتحدثان حديثاً طويلاً، حتي أشرفا علي ذلك المورد العذب من حديث الحب،فإذا كل منهما يضمر لصاحبه من الوجد فوق ما تضمره الأفئدة والقلوب،وإنهما لمضجعان وجهاً لوجه علي ذلك البساط الأخضر الجميل ضيعة يتمني المصور أن يراها، فيرسمها فيرسم صورة السعادهالكامله التي يفتش عنها الناس جميعاً،وحضرت الأم دون أن يشعر بها أي منها فرابها منظرهما ودارت بها الأرض ومشت تتحامل علي نفسها حتي وصلت إلي غرفتها، فمسحت دموعها فإذا بالمرآة أمامها وإذا بشعرات بيض تهتف فوق رأسها انقضي عصر شبابك فأخلي مكانك لإبنتك،وحسبك من السعاده أن تفرحي لفرحها ، وتهنئي لهنائها فخرجت من غرفتها باسمه حتي وصلت ألي مكانهما وكان لا يشعران بها فصاحت بهما: أأنتما هنا يا ولدي
فاضربا إذ رأياها فابتسمت ووضعت يدها علي أيديهما وعادت بها إلي غرفتها وجلست تتحدث إليها طويلاً أنتهت بعقد الخطبه وما هي إلا أشهر قلائل حتي زفت إليه وولدت لهما بعد عام طفله جميلة كان نصيبها العروسه التي أهداها ابوها لأمها منذ عامين
وكانت قد بقيت بقيه من الألم في أعماق قلب بيسان لم تزل تتضائل شيئاً فشيئاً حتي رن في ادنها صوت حفيدها تدعوها جدتي فكان هذا اخر عهدها بها.
وكذلك استطاعت بيسان ان تعيش بعد ذلك سعيده هانئه في ظل سعادة ابنتها وهنائها.