رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طب الإغريق

بوابة الجمهورية
سيطرت الخرافات على الطب الإغريقي لعدة قرون، كان العلم سجيناً لأفكار كهنة هيكل أسكليبيوس -إله الطب الإغريقي- وفي القرن الخامس قبل الميلاد بدأ صوت العقل يعلو على صوت السحر، فنشأت عدة مدارسٍ طبية في مدنٍ مختلفة، فكانت المدرسة الكنيدية -نسبة إلى مدينة كنيدوس- غريمة مدرسة كوس الأبقراطية، واللتان نتج عن تنافسهما ازدهار الطب الإغريقي القديم.

بقلم / أحمد الوحش

لقد ساهم أبناء مدينة كارتونا في تأسيس الطب الإغريقي، كان ديموسيدس من أوائل الأطباء اليونانيين، وعُرِفَ بمهارته ورافق بوليقراطس، وأسره الفُرس بعد مقتل الأخير، وذات يومٍ خرج الملك دارا الأول في رحلة صيد وكُسِرَ كاحله، فعالجه ديموسيدس وعُيِنَ في البلاط الملكي، واستئصل ورماً من ثدي الملكة أتوسا، وكانت هذه أول حالة التهاب ثدي مسجلة في التاريخ، والتي منحت صاحبها الحرية.
وتبعه ألكاميون الطبيب الأكثر شهرة في بلاد الإغريق قبل مجئ أبقراط، يُعتَقَد أنه أول من اكتشف العصب البصري وقناة أستاكيوس -التي تصل بين طبلة الأذن والبلعوم- ووصف العقل بالعضو الرئيسي في الجسم.

أما في مدينة كنيدوس كان أوريفرون رائد الطب، وكتب ملخصات طبية معروفة بالجمل الكنيدية، اشتهر ببراعته في عمليات التوليد، وأول من وصف التهاب الغشاء البلوري -الذي يحيط بالرئتين- وربط الإمساك ببعض الأمراض.
وفي مدينة سليمبريا وُلِدَ الطبيب هيروديكوس، الذي استخدم الرياضة للمرة الأولى في التاريخ كعلاج، وكان يوصي بالتدليك والإحماء قبل المسابقات والنزالات؛ لمنع حدوث الإصابات، ويعتبر مؤسس الطب الرياضي.

في عام ٤٦٠ ق.م وُلِدَ أبو الطب الغربي أعظم أطباء الإغريق، كان الطب قبل أبقراط يتداول شفهياً بين الأجيال، وكان مقتصراً على أبناء الأطباء، ونرى ذلك واضحاً في تعلم أبقراط الطب من أبيه هيراكليدس وجده أبقراط الأول -حسب رواية الطبيب سورانوس- وكانت العلوم تندثر يوماً بعد يومٍ، وكان يؤمن أن الحفاظ على الطب يكمن في نشره وتدوينه، اختار عدداً من الطلاب وحلفوا جميعاً على قسم أبقراط الشهير، ووصى تلامذته بنشر الطب وتعليم الكثير.

لقد تعامل أبقراط مع الأمراض بنهج علمي مبني على دقة الملاحظة السريرية والفحص المباشر، ووصف الصرع والالتهاب الرئوي والتهاب الغدة النكافية وحمى النفاس وغيرها من الأمراض، وحدد علاماتٍ لتشخيص الأمراض لا زالت تستخدم حتى الآن، فوصف تعجر الأصابع والسّحنة الأبقراطية أو علامات الموت، وصنف الأمراض فأطلق مصطلحات كحاد ومزمن ووباء ونوبة...
كتبَ أبقراط وتلاميذه كوربوس أبقراط -التي تتكون من ستين وثيقة- والتي ترجمها العرب في العصر العباسي واستخدموها كنواةٍ لتأسيس الطب الحديث، والتي اختصت بعلم الأجنة والتشريح ووظائف الأعضاء، من أمثلة هذه الكتب المترجمة كتاب الأمراض الحادة بتفسير جالينوس وإبيديميا.

وكان ثيسالوس أبرز أبناء أبقراط في الطب، وقد أشاد به جالينوس مرات عديدة، وأنشأ مع أخيه بوليبوس المدرسة العقائدية، والتي هيمنت على مهنة الطب حتى نشأة المدرسة التجريبية في الأسكندرية.
لم تكن ذروة ازدهار الطب الإغريقي على أرضه، إنما في القرن الثالث قبل الميلاد على أرض مصر، اطلع علماء الإغريق على البرديات الطبية الفرعونية، ومع تعقد حياة المدن وتفشي الأوبئة كان لابد للطب أن يواكبها، كان لمدرسة الإسكندرية الدور الأعظم في الطب الإغريقي، والتي كانت منارة العلم في عهد البطالمة.

تخرج من مدرسة الإسكندرية هيروفيلوس أعظم أطباء التشريح آنذاك، الذي شَرَّح العين ووصف الشبكية والأعصاب البصرية والمخ والمخيخ والكثير من الأعضاء، واستطاع فصل أعصاب المخ عن العمود الفقري، وميَّز بين الأوردة والشرايين، وأشار بأهمية قياس ضربات القلب وجس النبض في التشخيص.
تبعه تلميذه إرسيستراتوس الذي لم يقل أهمية عنه، كان أعظم علماء التشريح ووظائف الأعضاء في عصره، فوصف المخ وصفاً أكثر دقة من هيروفيلوس، ورفض نظرية الأخلاط، وناقش وظيفة الأوعية اللمفاوية ولسان المزمار وصمامات القلب وغيرهم، ووصف ترابط أعضاء الجسم عن طريق الشرايين والأوردة والأعصاب، وتحدث عن أهمية الوقاية.

عزيزي القارئ، لقد كانت لمدرسة الإسكندرية الهيمنة على العلوم الطبية لعدة قرون، ولم نستفد منها رغم استفادة الغرب من الطب الفرعوني والعربي، فهل سنتعلم الدرس؟





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة