رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ميراث الجد

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة


بقلم: علا السنجري

تراب يملأ المكان ، تراب بحجم السنوات التي أغلق فيها المكان ، عتمة شديدة جعلتها تضئ فلاش تليفونها المحمول لتصل الى زرار النور ، كم كرهت هذا المكان من صغرها ، تهابه ، تخاف منه ، ولا تتمنى ان يظهر لها في الاحلام ، لولا إصرار والدتها على تنفيذ الوصية ان تعيد فتحه لتلقي العزاء في صاحبة البيت : جدتها .

يقع بيت جدتها على اطراف القرية ، هو اقرب بيت للمقابر ، كم كرهت طفولتها عندما يجبرها والدها قضاء الاجازة به مع جدها و جدتها ، كانت تحتمي في حضن جدتها كلما ارتعبت من الخوف . جدها كان يثير الرعب بداخلها ، ملامحه حادة جدا ، عيناه واسعتان ، جاهدت لتبتعد عن مجال الرؤية له ، عصاه برأس ثعبان غليظة ، عباءاته السوداء و خاتمه الكبير الغريب ، كان في خيالها يشبه الغول في قصص قبل النوم ، والتي كانت تصيب احلامها بالكوابيس .

القرية كلها كانت تهاب جدها ، كلمته مسموعة ولا يرد له امر ، يجتمع لديه ، كانت تراقب من خلف باب الغرفة ، رأت امورا غريبة ، كان دخان البخور الذي يملأ غرفته يتحول إلى أطياف بيضاء تتشكل في اشكال رجال تجلس إلى جواره ، تصيب جسدها رعشة و برودة الخوف ، لمحها في احد المرات ، خبط عصاه في الأرض ، اغلق الباب دون ان يتحرك ، و القى بها عند باب غرفة جدتها ، تحميها في حضنها الدافئ و تهدئ جسدها بالطبطبة على خصلات شعرها ، بقراءة القرآن بصوت هامس في أذنيها ، قائلة : " لا تخافي لن يؤذيك ، انت وريثته "، لم تفهم الئ الآن ما تقصده .

انتفضت على صوت يقول : " حمد لله على سلامتك " ، وجدته رجل له لحية بيضاء وسبحة لونها اصفر مضئ ، "الميراث في انتظارك " ، نظرت إليه جيدا لتعرف من هو ، لم تجده ، خرجت مسرعة من البيت ، اصطدمت بواحدة من سيدات القرية ، " ايه يا بنتي مالك ؟ " ، تأتي اجابتها لها بسؤال عن الرجل الذي كان عند الباب ، "محدش يقدر يجي للبيت ده ، سكان البيت بيحموه " ، قالت ذلك وهي ذاهبة نحو المقابر .

عادت للبيت وخوفها يسبقيها ، دعت ربنا ان يهون الوقت الباقي لوصول امها ، دخلت غرفة جدتها ، فهو اكثر مكان ترتاح فيه ، حضنها كان امان العالم كله . فوق طاولتها المفضلة وجدت خاتم جدها و عباءته ، و ورقة مكتوب بها " هذا ميراثك " .

مسكت الخاتم و وضعته في يدها ، امتلئ المكان فجاة بالبخور وبدأت الاطياف البيضاء تظهر ، من بينها جدتها ، يرددوا جميعا بصوت جدها " هذا ميراثك " ، والعباءة لم تعرف كيف ارتدتها ، " بالذكر لن يمر الشر " ، جاءت صورتها في المرآة بملامح جدها ، صرخت و صوتهم لم يسكت بل ازداد : " هذا ميراثك ... بالذكر لن يمر الشر " .

خلعت الخاتم من اصابعها و فرت فزعا ، لتجد جدها أمامها تحاصرها عينيه ، " هذا ميراثك ، هذا ما كنت اخاف عليك منه ، بالذكر لن يمر الشر " ، مرة اخرى وجدت الخاتم في اصبعها مرتدية العباءة ، والاطياف جالسة حولها و جدتها معهم ، ضاعت الاطياف حين نادت امها عليها من خلف باب الغرفة لتذهب معها للمقابر لوداع جدتها بجوار جدها .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة