الجار للجار
شجون الكلمات
بقلم: شجون حسن
سكن الغرفه العليا من المنزل المجاور لمنزلي من عهد قريب فتاة رقيقه وكانت طالبه بالمرحلة الجامعيه ، وكنت أراها من نافذة مكتبي كل يوم فتاة يافعه شديدة الجمال كالبدر ليلة التمام ، وعادت هذه الرقيقه يوما علي غير عادتها وجدتها في إحدي زوايا الغرفه شاحبة الوجه دامعة العينين ثم جلست في احدى زوايا الغرفه تنظر في كتاب وهي شارده ولكن أمراً شغلني عنها لبضع ساعات ثم عدت الي المنزل ليلاً ولم استرح ودخلت غرفة مكتبي ورأيتها جالسه أمام المصباح ولازالت حزينه فظننت أنه قد ألمّ بها ألم من تعب الدروس والسهر ، فاحزنني أن أري في ظلمة الليل وسكونه هذه الفتاة المسكينه جالسه بمفردها في غرفة عارية باردة ، وقلت لابد ان يكون وراء الأمر شيئ مريب ، فلم ازل واقفه مكاني لا ابرحه حتي رأيتها طوت كتابها وأوت إلي فراشها ، فانصرفت إلي مخدعي ومضي قطار الليل الحزين إلا قلة ولا يبقي من سواده إلا صفحة تمتد إلي نسمات الصباح ..
وكثيراً كنت أراها باكيه حتي ينال منها الجهد فتسقط علي كرسيها منكسرة مهمومة فاتوجع لها وأبكي لبكائها وتمنيت في هذه اللحظات ان أكون صديقة لها وأشاركها هموما .
وفي ليلة الأمس وبعد برهه من الليل ، رأيت غرفتها مظلمه ساكنه ، ظننت أنها خرجت لبعض شأنها ، ولكني سمعت في جوف الليل صوتاً ازعجني وكأن رنينه اخترق قلبي وقلت لا بد أنها مريضه ٠٠
فتقدمت إلي خادمتي أن تقدمني حتي بلغت منزلها وصعدت إلي غرفتها ثم دخلت ففتحت عيناها فاندهشت عندما رأتني فاقتربت من فراشها وقلت لها حبيتي الصغيره أنا جارتك وعلمت أنك وحيدة في هذه الغرفه فجئتك علني أستطيع أن أساعدك فهل انتِ مريضه ..
رفعت يدها ببطء ووضعتها علي جبتها فوضعت يدي حيث وضعتها فشعرت برأسها تلتهب إلتهاباً فعلمت أنها محمومه ، فأمرت خادمتي بإحضار الطبيب .. وجاء الطبيب وأخبرني بسوء حالتها.. وجلس يكتب الأدوية وأحضرت الدواء وظللت بجوارها ليلة وضحاها حتى استفاقت وقلت هل تأذنين لي ان أسالك من انت ِ وما الذي أتي بك إلي هنا؟ ولمَ تعيشين بمفردك في هذه السن الحرجة ؟ قالت هل تعدينني بكتمان امري. قلت لها نعم فقالت قد وثقت بوعدك فإن من يحمل في صدره قلباً نقياً حنوناً مثل قلبك لا يكون كاذباً ولا غادراً...
أنا فريال مات أبي منذ عهد بعيد وتركني في السادسة من عمري وكان والدي فقيراً معدماً لا يملك من متاع الدنيا شيئاً فكفلني عمي فكان خير الأعمام وأكرمهم وكان يعاملني مثل ابنته وكان له ابن صغير وكان في عمري تقريباً وكنا نذهب إلي المدرسة سوياً ونلعب في فناء المنزل ليل نهار وعقد الود والحب بين قلبي وقلبه كنت لا ارى حلاوة العيش إلا بجواره ،كنت أري في الظلام والهموم اجنحته النورانية تظلل حياتي غبطة وفرحاً..
كنت ارى الحديقة مسرحاً لآمالنا وأحلامنا ولا احد كان يعلم ما كنت أضمره لابن عمي في نفسي ولكنني كنت اعلم أنه بلا أمل لأني كنت اعلم ان أبويه لن يزوجاه فتاة فقيرة مثلي فقد كانت زوجة عمي سليطة اللسان ولا تريدني معها ولم يزل هذا شأني وشأنه حتي طرق المرض اللعين جسد عمي وذهبت روحه إلي بارئها وكان آخر ما نطق به في آخر ساعاته.. ان قال لزوجته وهو حسن الظن بها أوصيكِ بهذه الفتاة المسكينه.. هي قطعة منا فكوني لها أماً ومرت الأيام فرأيت وجوها غير الوجوه ونظرات غير النظرات فأيقنت أني أصبحت غريبة في بيت عمي وبعد عام من الصراع مع زوجة عمي فما كان منها إلا أن طردتني للشارع والفقر والجوع.
وهكذا فارقت المنزل الذي قضيت فيه طفولتي وصباي وكان معي بقايا من النقود فاتخذت هذالحجره بيتاً لي فلزمت غرفتي أذاكر دروسي ولم يبق لي من هذه الدنيا إلا ذكريات.. محاها الدهر في لحظات.. وبالأمس وجدت نقودي اوشكت علي النفاد وليس لي احد.
فذهبت الي كتبي اشكو همومي إليها ولكنها ما ألمت بجرحي ..وعدت حزينة وعندما ذهبت البارحة الي الجامعه رأيت صديقة لي منذ أيام الطفوله وقالت لي ان ابن عمك بحث عنك كثيراً ولم يجدك.. فألقيت الكتب من يدي وقلت لها اين هو قالت لي انه سافر.. شعرت في هذه اللحظه ان قلبي قد فارق موضعه.. الآن أصبحت وحيدة ماذا افعل؟!
أحسست بها وأخذت برأسها بين يدي.. ثم قالت لي اشعر ان قلبي يحترق احتراقاً وقلبي يذوب ذوبانا .. فما كان مني الا ان اخذتها الي بيتي وقمت برعايتها وراسلت ابن عمها واتي إليها مهرولا فرحاً وهكذا اجتمع الحبيبان تحت سقف واحد ..
إنه الحب الذي يقهر كل شي وهكذا يكون الجار للجار.