رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إرضاء الناس

بوابة الجمهورية
شخصية جحا من أشهر الشخصيات التراثية التي ملأت حكاياته كتب القصص والفكاهة في عصور الكتابة والقراءة، ثم لما ظهرت السينما لم يتركها جحا إلا وقد وضع يده على جانب كبير من أعمالها الدرامية، ومن القصص الشهيرة عنه قصته هو وابنه ومعهما حمار.

فعندما ركب جحا الحمار وترك الابن يمشي على قدميه، مروا على قوم، فقالوا: يا له من أب قاس، ليس فيه شفقة ولا رحمة، يركب ويترك هذا الابن المسكين يمشى وراءه!
فما كان منه إلا أن أركب هذا الطفل ومشى هو على قدميه، فمروا على قوم آخرين، فقالوا: يا له من ابن عاق يركب هو ويترك أباه يمشي على قدميه!
فركب الاثنان على الحمار، ومروا على قوم آخرين، فقالوا: يا لهم من قساة القلب، يركبان الحمار ويحملانه فوق طاقته!
فنزل الاثنان ومشيَا بجوار الحمار، فمروا على قوم، فقالوا: يا لهما من مغفلين يُسخر الله لهم هذه الحمار، ثم يتركانه ويمشيان بجوراه!
وهذه القصة على ما فيها من فكاهة، إلا أن فيها فلسفة عالية جدا...
إن أول وأهم خطوة في أي عمل عام هي القناعة بأهميته، وأنه يراد به وجه الله عز وجل، وكذلك أن يكون متوافقا مع القانون والآداب العامة.
ومما يجب أن يُعلم أنه لا يسوغ في نظريا ولا عمليا أن يفوز أي شخص برضا كل الناس في نفس الوقت بنفس العمل، فهذا غير ممكن، كما قال الشافعي رضي الله عنه: «إرضاء الناس غاية لا تدرك»، لذا صار على كل ممارس للعمل العام أن يقوم بالأمر الذي يرى فيه المنفعة الحقيقة حسب ما ذكرناه آنفا.
فعلينا أن نخاف الله، ونتقيه في الناس، فلا نعمل إلا ما نرى فيه نفعهم، ونؤدي إليهم حقوقهم ما استطعنا لذلك سبيلا؛ وليس العكس، فلا نخافهم في الله فنترك ما فيه صالحهم شراء لخواطرهم، فالمسؤل المخلص لا يكون همه وقصده في إرضاء الناس على حساب مصلحتهم الحقيقية.
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ الله؛ وكَلَه اللهُ إِلى النَّاس»، فهم يتلابعون به، وينقلونه من رأي إلى رأي، ومن المستحيل أن يجدهم كلهم على رأي واحد كي يرضيهم.
وقال الشاعر:
ولسْتَ بنَـــاجٍ مِن مقَــالَةِ طَاعِــنٍ * * * وَلَوْ كُنْت في غَارٍ علَى جَبَلٍ وعْرِ
وَمَن ذَا الَّذي ينْجُو مِنَ النَّاسِ سالمًا * * * وَلَوْ غابَ عنْهُم بَيْنَ خَافِيَتَيْ نَسْرِ
ولو كان لأحد أن يرضي كل الناس، لكان أولى الناس بذلك سيدُ الناس محمد صلى الله عليه وسلم، بل إن من عائلته وأسرته من عاداه، ومن سبَّه، فكتب التاريخ والسيرة تحكي أن أبا لهب كان في بعض المواقف يمشى خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليقول للناس: هذا كاذبٌ... فلا تتبعوه!
فأنت أيها المسؤول، وأنت يا صاحب القرار... خذ بأسباب النجاح، ثم اعمل الخير ولا تبال بكلام الناس، وليكن همك الأول والأخير هو إرضاء الله سبحانه وتعالى.
وعود نفسك على تجاهل نظرات الناس وكلماتهم، واعلم أن من راقب الناس مات غما، فإن حب الأغلبية للاعتراض المجرد عن الدليل مرض، يستعصي علاجه.
وفي هذا قيل:
ومَن في النَّاس يُرْضي كلَّ نفْسٍٍ * * * وبَيْن هوَى النُّفوسِ مدًى بعيدُ
فمن جعل الحق غايته حقًا قد استراح من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة, عليها يحرص وإليها يسعى, فلا يبالي بعد ذلك رَضِي الناس أو سخطوا عليه.
وذكر نفسك دوما أن الله سبحانه وتعالى مطلع على ما تتعرض له في سبيل عملك، وأن الإنسان مرتهن بعمله، وأنه إذا أسلمه الناس إلى قبره، وأهالوا التراب على جسده، فلن يجد في شيء أنيسا ولا جليسا إلا عمله الصالح، وتنقطع عنه جميع الأسباب حينئذ إلا أسباب الخالق عز وجل، فليستعد كل امرئ منا لذلك الموقف العظيم؟!
فأنت حين يوكل لك أمر عام، أو تفعل شيئا خاصا بك، فإن الطبيعة تقول أن لك رأي، ولغيرك أيضا رأيه، وكلٌ له نظر، والاختلاف سنة كونية قدرية، يقول تبارك وتعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود:118 - 119].
وهكذا هي الحياة، تقرر أن إرضاء كل البشر ليس في الإمكان أبداً؛ لأنهم لا يتساوون جميعا في العلم، ولا في العاطفة، ولا في الاحتياجات، ولا في الأهداف، فلا يمكن إرضاؤهم.
بقلم - محمد الطايع:




تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة