رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مشروعية التفاعل بين الرأى والرأى الآخر

بوابة الجمهورية
إن القرآن مليء بالأدلة العقلية التي إذا قرأها الإنسان المستقيم العقل فإنه سينقاد لها مباشرةً، وفي هذا دليل واضح على أنه يجب الأخذ بالأدلة العقلية والاحتجاج بها، ومن لوازم هذا أن ندرك أهمية الحوار بين الرأي والرأي الآخر، و عدم الإقصاء، وحرية التعبير وحرية الفكر، في القضايا الاجتهادية.

وتحكي لنا كتب الحديث مواقف كثيرة تبين أن الاختلاف بين الصحابة والتابعين كان منضبطاً بضوابط الخلاف وآدابه، واحترامهم للرأي الآخر في نطاق المسائل الاجتهادية، بعيدا عن الثوابت والأركان التأسيسية.
فكان من أوجه احترام الصحابة والتابعين للرأي الآخر عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد، ومن المواقف التي تحكى في ذلك:
* ذكر ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» أن عمر - رضي الله عنه - أنه لقي رجلاً، فقال له: «ما صنعت؟ ، قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ ، قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك».
فلما كان الأمر متعلقاً بالاجتهاد لم ينقض عمر ما قضى به علي وزيد، وعلل ذلك بأن الأمر مبناه على الرأي والاجتهاد، ولو كان في مخالفة نص من الكتاب والسنة لرده.
* وذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري» أن عثمان لما اختلف مع أبي ذر بخصوص معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} لم يلزم عثمان أبا ذر بالرجوع عن رأيه؛ لأن الأمر مبناه على الاجتهاد.
* وذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أن علي بن أبي طالب لام عثمان - رضي الله عنهما - حين بلغه أنه منع من التمتع في الحج، فقال عثمان: «وهل نهيت عنها؟ ! إني لم أنه عنها، إنما كان رأياً أشرت به، فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه».
* وذكر أيضا ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» قول علي لقضاته بأن يقضوا بما كانوا يقضون به، وإن كان مخالفاً لرأيه، كما جاء في سبب القصة، حيث كان يرى هو وعمر - رضي الله عنهما - في خلافة عمر عدم جواز بيع أمهات الأولاد، ثم رجع عن ذلك فرأى جواز بيعهن، فقال له عَبيدة السلماني: «رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة»، فقال علي مقولته السابقة.
* وذكر أيضا ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» وعن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: «أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ ! ، فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك».
ومن فوائد هذا التفاعل مع الرأي الآخر إظهار أصحاب الهوى والجهال، الذين يظهر الحوار بطلان موقفهم، وأن الذي يمنعهم من الالتزام بالرأي المستند لدليل أنهم يتبعون الهوى.
وفي سبيل التقدم والرقي لأنفسنا ولبلدنا الحبيبة يجب أن نوطن أنفسنا أن سنظل نسمع من بعض المنتسبين للعقلانية الوطنية زورا، بينما ملء نفوسهم العدوان أو الجهل أو التجاهل، ممن يسخر بالرؤى المدروسة العلمية، ويتهم المجدين المخلصين لكونهم لم يأخذوا برأيه يتهمهم بالتحجر الفكري وعدم اعتبار الرأي الآخر.
وإننا حين نتعامل مع بعض أصحاب القرار والمشاركين في العمل العام الحكومي أو الأهلي، الذين نكبر فيهم همتهم العالية وطموحاتهم الريادية، لما نرى من استنارتهم وعزمهم، لكننا نشفق عليهم من عبء هذه المهام الشاقة لما نعرفه من أوضاع ساحة العمل العام والتي غالباً ما تضن بالدعم والتشجيع للمبادرات الطيبة وتستقبل أي مشروع بالتساؤلات والتشكيكات، وتضيق ذرعاً بالمنابر الحرة التي تستوعب مختلف التوجهات، وتتفهم مشروعية الاختلاف.
خاصة وأننا نعيش الآن أخطر أساليب الحروب، الحروب الفكرية، التي لا تدور فقط على المستوى الأممي، ولكن تدور أيضا على المستويات المحلية باختلاف درجاتها، فتارة بسلاح التشكيك، وتارة بتشويه ما يتم إنجازه على أرض الواقع، وتارة بدعوى أنه تم إقصاء لآراء أكثر نفعا عن تنفيذ ما تم إنجازه!! ، فيسقط جدار هذا المجتمع حجراً حجرا ، وزاوية زاوية والناس في غفلة يعمهون.
إن مجتمعنا في ظل الظروف التي يمر بها ينبغي أن يعيش في سلم عام، يتحقق له عن طريق:
* احترام وجهات النظر والرأي الآخر مهما كان !
* حرية الإنسان في الدعوة إلى ما يعتقده في كل مكان!
فإن غياب الرأي الآخر سواء بعدم وجوده فعليا، أو بإقصائه، أو بتهميشه سيؤدي إلى المبالغة؛ لأن الرأي الآخر هو الذي يجعل الإنسان يتوازن، فإذا وجدت رأياً آخر في أي موقف، وصار صاحبه يعبر عنه ويتحدث عنه، ستعرف أن رأيك هناك من يخالفه، وأن الآخرين عندهم منطلقات وعندهم مسوغات، سيؤدي ذلك بك ولو لم تغير قناعتك إلى أن تغير من حماسك لرأيك، أن تغير من جزمك وقطعك بصواب ما أنت عليه، وترى أن القضية تحتمل الرأي وتحتمل النقاش.
ولكن كل هذا يجب أن يتم في إطار من الاحترام المتبادل، وتقديم السلام المجتمعي العام، على المصالح الفردية أو المنافع الطائفية.
لأن الهجوم على المؤسسات والإنجازات الآن لم يعد يجري بطرق ملتوية وأساليب ماكرة تبطن من الشر والحقد أكثر مما تُظهر، بل هي اليوم أضحت تتم بكيفيات سافرة جلية، ولم يعد مُطلقوها يعيرون كبير اهتمام لشيء، بمعنى أنهم لم يصيروا مجبرين حتى على مراعاة ضوابط الخطاب الدبلوماسي، فهي الآن تذاع عبر الأثير، وتتخطفها كبريات الجرائد، فتبرزها بأوسع المانشيتات بدعوى السبق والإثارة الإعلامية واحترام حرية الصحافة والرأي الآخر، والحق في الإعلام، وما إلى ذلك من مسوغات تبريرية، وكذلك نجد صفحات التواصل الاجتماعي تزخر بزخم شديد من المهاترات والادعاءات والبطولات الوهمية والإنجازات الكاذبة.
ومع ضرورة التعامل مع الرأي الآخر، وإعطائه مساحته للتعبير عن نفسه، ما دام مبنيا على دليل وخبرة، يجب أن نلزم أنفسنا بعدم التعدي على أي رأي يخالف ما نراه ما دام ملتزما بمنهجية عقلانية وموضوعية، فلا يصح أن نحكم عليه بالجهل أو الخيانة أو الغواغائية، أو كما يفعل البعض حين يتجاوز الحكم على الرأي إلى الخوض في النوايا، وهي لا يعلمها إلا الله.
بقلم - محمد الطايع:




تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة