رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

حي المساعيد

بوابة الجمهورية

#حكايات_بنت_القاضي

كان الطريق لسيناء من محافظتنا بصعيد مصر مرهقاً للغاية .. فالمسافة بين محافظة سوهاج ومحافظة شمال سيناء حوالي ١٠٠٠ كيلو متر .. كنت أشعر بأنني تركت روحي بمنزل جدى وجدتي فقد ربيت بمنزلهما منذ مولدي وحتي إنتقالنا لسيناء مكان عمل والدي الجديد ..

بقلم: عبير النجار

كنت أتساءل ما الذي ينتظرني من أحداث في هذه الأرض الجديدة .. فقد مررت بما يكفي بمكان عمل والدي السابق بمركز دشنا بمحافظة قنا .. ولذلك حكايا أخرى من حكايات بنت القاضي سأرويها لكم إن كتب الله لي العمر ..

وصلنا لمحل سكننا الجديد بحي المساعيد .. تبدو المنطقة التي سنسكن بها هادئة للغاية .. السكون يخيم علي كل شئ .. صعدنا لإستراحة النيابة العامة محل إقامتنا وكانت بالدور الرابع وهو الدور قبل الأخير من العقار .. دلفنا إلي داخلها .. الشقة تبدو فقيرة من حيث الأثاث والتجهيزات و تحتاج إلي الكثير من العمل من أبي .. وهو ما قام به في الأيام اللاحقة لتصبح شقة صالحة لإقامة أسرة مكونة من ستة أفراد الأب والأم و أربع أبناء ثلاث بنات وولد أنا أكبرهم .. وسريعاً ما وجدت نفسي أستعد للذهاب للمدرسة باليوم التالي .. كم كنت أمقت الدراسة والمدارس ولكن ماذا عليّ أن أفعل فهو شر لابد منه .. مجبرٌ أخاكم لا بطل .. توجهت للمدرسة .. مدرسة عمرو بن العاص الإبتدائية بحي المساعيد .. إستقبلني مدير المدرسة بكل ترحاب وأدخلني إلى صفي الرابع الإبتدائي بنفسه وأوصي معلمة الصف عليّ.. وبدأت الأخيرة تتفحصني وتسألني عن إسمي و من أين أتيت وعن عمل والدي فأخبرتها بإسمي و بأنني قادمة من محافظة سوهاج و أن والدي رئيس نيابة شمال سيناء .. حقاً كانت ودودة معي وكانت تدرس لنا مادة اللغة العربية .. كان الفضول يتملك زميلاتي بالصف للتعرف عليّ فأنا الوافدة إليهم من أقاصي البلاد وربما هم لا يعلمون شيئاً ولم يسمعوا عن محافظة سوهاج وربما هو مجرد الفضول لإستكشاف الوافدة الجديدة .. بعد إنتهاء الحصص التالية و في الفسحة بدأن بالتعرف علي وكن ودودات للغاية حتي أنني أحببتهن جميعاً .. وانخرطت معهن و إتسعت دائرة صداقاتي إلى خارج المدرسة من الجيران وبنات الحي بدأت أحب مدرستي و صديقاتي وكل شئ من حولي وبدأت أتعلق بسيناء للغاية .. وذات يوم كنا بالفسحة بالمدرسة وأخبرتني صديقاتي بأن العمارات التي نقطن بها .. مقامة فوق جثث جنود الجيش المصري منذ أيام حرب 73 .. كذبتهن بشدة فهذا الحديث لا يعقل .. وربما يحاولن إخافتي ..

وحاولن إثبات صحة قولهن و أخبرنني أنهن عند لعبهن بالرمال كثيراً ما كن يجدن ملابس للجنود ملطخة بالدماء أو متعلقات شخصية و بيادات .. وأنني إن أردت التأكد من صحة ذلك فعلي بالبحث والحفر و سأجد أشياء مثلما وجدن .. حقاً بدأ الخوف يتسرب إلى قلبي وكان هذا بداية ما رأيت بسيناء وبدأت الكوابيس المرعبة ورؤية الجثث المدفونة .. آلاف الجثث لجنود كانت تخرج من تحت الرمال ..

في ذلك الوقت كان والدي يسمح لي باللعب لعبة الركت علي الرمال أسفل منزلنا .. وذات يوم القيت بمضارب الركت علي الرمال و تحدثت مع الجيران أن يساعدوني في الحفر علي أمل ألا أجد شيئاً وأتخلص من الكوابيس المزعجة .. وكنت علي يقين بأنني لن أجد شيئاً .. بدأت بالحفر بكل حماس قرابة المتر وأكثر .. حتى إصطدمت يدي بشئ معدني فإنتفض جسدي وإبتعدت .. ومن الواضح ان صديقاتي كن معتادات علي مثل هذه الأشياء فسارعن بإخراج الشئ المعدني .. كنت أتمني أن يجدن أي شئ عدا ما وجدنه .. فما اصطدم بيدي كان خوذة جندي ..

و كانت خوذة قديمة للغاية ويبدو ذلك من الصدأ الذي يعتليها .. علمت فقط وقتها أن زميلاتي بالمدرسة لم يكذبن عليّ .. لم أستطع لمس الخوذة أو الإمساك بها وتخيلت لو أنني أكملت الحفر لوجدت جثة الجندي صاحب الخوذة و بدأت بالركض للمنزل ودموعي تسبقني .. أصبحت كلما ذكر أمامي إسم حينا حي المساعيد أتذكر خوذة الجندي التي وجدناها بالرمال .. وأتذكر خبراً نشر بالجرائد بعدها مباشرة عن أنه بحي المساعيد وأثناء حفر أساسات أحد العقارات تم العثور علي جثة جندي كما هي وكأنه متوفي للتو .. وأنه تبين من المتعلقات التي وجدت معه أنه من شهداء حرب 73 .. في هذه السن الصغيرة عرفت إلي أي حدٍ هذه الأرض غالية فقد تم إستردادها بدماء أبناء الوطن .. وقد بنيت بالفعل فوق جثثهم ..





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة