أمانى ابو سحلى.. أول سيدة توقف "النار والدم" فى الصعيد
"الجمهورية اونلاين " تحاور "المرأة الحديدية "
المرأة الحديدية بالصعيد, أمانى أبو سحلى, أمانى أبو سحلى فى حوار الجمهورية أون لاين,هل يتخيل احد ان تكون "مبادرة صعيد بلا ثأر" التى حظيت بترحيب كبير بين سكان الوجه القبلى خلال الاشهر الماضية وساهمت فى حل الكثير من المشكلات الثأرية وراءها إمرأة من اقصى الصعيد !
هل يتخيل احد ان لجنة لفض المنازاعات والصراعات الثأرية بقنا ترأسها إمرأة واعضائها من السيدات فقط من مختلف الشخصيات العامة الدينية والثقافية والعلمية..وتنجح تلك اللجنة فى وأد نار القتنة بين الكثير من العائلات على مدار عام ونصف منذ نشأتها.
هل يتخيل احد ان تفقد أم ابنها طالب الثانوية العامة بالرصاص انتقاما لحادث ثأرى بين عائلتين وتجتمع عائلتها للاخذ بالثـأر من قاتليه وما ان ظفروا بعدد منهم ويخبرون والدته بأنهم سوف يعيدون حق ابنها بقتلهم وترفض الام بشدة وتقف امام اقاربها معلنة وقف نزيف الدم بين العائلتين..وتلجأ الى القضاء ويحل على يدها اكبر صراع ثأرى بجوه قبلى استمر 4 سنوات.

أنشأت أول مجلس عرفى نسائي للمصالحات وأطلقت مبادرة " صعيد بلا ثأر" وتتمنى تبنى الرئاسة لمشروعها
المواقف كثيرة والحديث شيق مع سيدة الصعيد الجريئة أمانى ماهر ابو سحلى رئيسة لجنة المصالحات بقنا وصاحبة مبادرة " صعيد بلا ثأر " والتى اجرينا معها حوارا حول جرائم " الثأر فى الصعيد"..العصبية والقبلية واستخدام السلاح
سألناها عن أسباب انتشار حوادث الثأر..
وكيف نتصدى له..وهل الدولة تقوم بواجبها الاحترازى..وما دور منظمات المجتمع المدنى والمؤسسات ولجان المصالحات فى ذلك؟
وعن دور المرأة البارز مؤخرا فى حل المشكلات الثأرية..وعن دور لجنة المصالحات بقنا فى وأد نار الفتن القبلية وكيف تؤثر اللجنة فى الحل.
فقدت ابنى فى حادث ثأرى ضحيته 12 قتيلا و 50 مصابا وقبلت بأحكام القضاء
فى البداية قالت أمانى ماهر انها تنتمى الى عائلة ابو سحلى بمركز فرشوط بقنا وانها تعمل بمهنة المحاماة وان حادث ثأر حدث بين عائلتها وعائلة اخرى مجاورة لها بالمركز تسمى المخالفة نتج عن هذا الحادث سقوط 12 قتيلا من بين العائلتين واكثر من 10مصابين بينهم اناس من الجيران و المارة الذين تصادف مرورهم بمكان الحادث..وشاء قدرها ان يكون ابنها "محمد حمزة" الشهير بـ "ساهر" طالب الثانوية العامة ضحية ضمن مجموعة القتلى..استهدفه مجموعة من العائلة الاخرى اثناء ذهابه الى المدرسة وامطروه برصاص البنادق الالية وهو فى الخامس عشر من عمره ..!!

تضيف: " أسودت الدنيا امامى والغضب ملأ عقلى وقلبى على فراق فلذة كبدى " محمد ابنى " والذى كان حتة من جسدي ..فهو عينى التى ارى بها وقلبي الذى ينبض بحياتى..فجأة فقدته ولم اتخيل او يتخيل احد ان يتم استهداف الاطفال فى حوادث الثأر فى الصعيد..فاذا كان الثأر مخالفا للقانون فكان ايضا له اصول وعادات واعراف فكان يمنع الاعتراض للسيدات او قتلهن وكذلك الشيوخ والاطفال ..ومع موت طفلى القاصر فقدت الثقة فى الجميع وكل ما كان يشغل بالى الثأر من القتلة.
مرت الايام ..والحزن يزداد ونار الثأر تشعل جسدى وكل ما أفكر فيه ان انتقم من قتلة ابنى..كنت احلم بهم وادعوا الجميع ان نأخذ ثأرنا الى ان رأيت نور الله أثناء صلاتى للفجر ورأيت رؤيا فى منامى أننى احج البيت الحرام مع زوجى وابنى يدعو لنا..وما ان استيقظت تذكرت حديث ابنى لي ليلة مماته بأننى سوف ازور الكعبة وعلى الفور طلبت من زوجى "حمزه" ان نتوجه الى بيت الله الحرام وهناك الهمنى القدير الصبر والسلوان واستودعت ابنى عند الله وعدت الى بلدى هادئة ولم افكر فى الثأر بل قمت بعكس كل التوقعات بقبول الصلح واسناد الامر الى القضاء واوقفت نزيف الدم وتم عمل صلح فى عام 2015 باستاد قنا حضره قرابة 10 الاف شخصا من سكان مركز فرشوط والمراكز المجاورة وكبار رجال الداخلية والمشايخ واعيان وعمد القرى.

مدير أمن ومحافظ قنا يدعمان المجلس..والمشايخ والعمد يفتحون "الدواوين والمضايف" لاستقبالنا
تقول: انتابتنى حالة غريبة عقب اتمام الصلح..شعرت بأننى اريد ان اقدم شيئا للمجتمع لخدمة اهلنا بالصعيد..اردت ان اقول لهم "كفاكم دم" كفاكم افكار هدامه..شباب قتلت وسيدات ترملت وامهات فقدت ابنائهم بسبب الثأر والجهل ..فأنشأت لجنة مصالحات نسائية مكونة من 10 عضوات اخترت من بينهم ممثلة للكنيسة واخرى للاوقاف وبينهن اساتذة جامعات وخبيرات بالطب النفسي وتقويم السلوك..وسجلت مبادرة " صعيد بلا ثأر" بالملكية الفكرية وعلى الرغم من الهجوم الذى تعرضت له فى بادئ الامر الا ان اصرارى على خدمة اهلى بالمجتمع الصعيدى كان حافزا لى الى ان وصل الاهتمام بكبار المسؤولين بقنا فعقدنا اجتماعات عدة مع محافظ قنا ومدير الامن ووجدنا ترحيبا كبيرا بالمبادرة ولجنة المصالحات.
شاركنا فى انهاء خصومات ثأرية ودعوات تطالبنا بتعميم اللجنة على مستوى الجمهورية
وعن دور لجنة المصالحات قالت انها تساهم بحجم كبير فى التصالح بين الناس فدور اللجنة هو تهدأة العنصر النسائي فى الحوادث الثأرية وهو العنصر الأصعب المؤثر الأول بنسبة كبيرة فى الصعيد..فبمجرد السيطرة على فكر السيدة التى فقدت الزوج او الابن فى جريمة ثأر واقناعها بالارتضاء بقضاء الله وان القانون سوف يأخذ مجراه واننى احكى لها عن تجربتى المأساوية فى فقدان ابنى وكيف انعم الله على بالصبر تستجيب وتقبل الصلح وتساهم فى وأد نار الفتنة بين المتخاصمين..وهذا ما لم يستطع الرجال فعله .
نستهدف "المرأة" صاحبة الثأر..ونعمل على اقناعها بترك العنف واللجوء للقضاء
وتقوم لجنة المصالحات بعقد الندوات الثقافية لتزيد التوعية لدى السيدات والشباب صغير السن ولتغيير السلوك والمفاهيم الخاطئة التى تحفز على الثأر..وتشير الى ان لجنة المصالحات تتعاون مع كافة الاجهزة الامنية والمحافظة فى اتمام جلسات التصالح ودورها يكون الدور التحضيرى للصلح حيث تقوم العضوات بالتقابل مع الطرف المجنى عليه واقناهم بقبول الصلح وعند الموافقة يتم التنسيق مع المسؤولين والمشايخ ويتم عقد الجلسة النهائية وتكون من الرجال فقط حسب العادات والتقاليد الصعيدية.

السيدات فى الصعيد لهن تأثير كبير على الرجال فى "الدم" ..خاصة الأم
وتضيف: عقدنا اكثر من 20 ندوة تثقيفية عن اسباب الثأر بقصور الثقافة بقنا وكان يحاضر بها متخصصين فى علم النفس والاجتماع ومشايخ من الاوقاف ورجال دين مسيحي وشرحنا للاهالى تحريم القتل والاخذ بالثأر وكيف يأمرنا الله وتدعونا كافة الديانات اللجوء الى القضاء ..وقد لاقت تلك الندوات ترحيبا كبيرا من قبل سكان الصعيد.
وتشير الى اخر جلسة صلح كانت السبب فيها بمركز فرشوط منذ شهر تقريبا حيث فقدت ام ابنها فى جريمة قتل وحاول شقيقه االاخذ بالثأر بدافع من والدته وعندما توجهت واعضاء اللجنة اليها على مدار 3 جلسات اقتنعت الام بالصلح وطالبت ابنها بالتوقف عن الثأر والاحتكام الى القضاء.
انتشار الثأر
وعن اسباب انتشار حوادث الثأر قالت: الاسباب عديدة ومتنوعة ولكن يأتى فى مقدمتها البطالة التى مازال معدلها مرتفعا مقارنة بباقى المحافظات التى نجحت الدولة فى توفير فرص عمل لها ومنها الكثير والملموس ..وهنا فى محافظة قنا نحتاج الى الكثير من المشروعات التنموية التى توفر فرص عمل للشباب لكى لا يصبحون من العاطلين بالشوارع وهو ما يعرضهم لإحداث مشاجرات ينتج عنها حوادث ثأرية أويتعاطون المواد المخدرة..
ويأتى الجهل والعصبية لزيادة تفاقم الازمة ..فالتعليم له عامل اساسى فى الثأر ولكن هنا علينا ان نعذر اهل الصعيد الذين كانوا ومازال البعض منهم يعانى الفقر ولم يستطيعوا فى القدم ان يعلموا ابنائهم وهو نتج عنه ما توارثه الابناء من الاباء والاجداد من ناحية الثأر.
وتشير الى ان انتشار السلاح احد اهم الاسباب ولكن حاليا هناك حملات مكثفة ودائمة من قبل وزارة الداخلية تستهدف القرى والنجوع لضبط حائزى السلاح ولكن هناك قرى ما زال اهلها يتفاخرون بالسلاح وتحتاج متابعة اكثر.
نهيأ اطراف النزاع نفسيا وفى القبول تعقد الجلسة النهائية للرجال حسب العادات
وتأتى المرأة من ضمن اسباب انتشار الثأر فهى سلاح ذو حدين اما ان تحرض على القتل اخذا بالثأر واما ان تمنعه وهو ما نقوم بفعله اقناعها بوقف الدم وقبول التصالح واللجوء الى المحاكم.

كما ان الموروثات الخاطئة والعصبية والقبلية تشكل النسبة الاكبر فى جرائم الثأر ..فالعائلات بكل اسف مازالت تعاير بعضها البعض اذا لم تأخذ احداها بالثأر..ولكن وجود المثقفين واهل العلم ورجال الدين بينهم سيغير تلك المفاهيم ولجنة المصالحات نجحت خلال عام ونصف العام بترك بصمة فى الشارع القناوى واصبح لها مردودا طيبا لدى اهل الصعيد.
صعيد بلا ثأر
وطالبت أمانى ماهر فى نهاية حوارنا بضرورة اصدار التشريعات الجديدة لقانون الاجراءات الجنائية الذى يناقشة مجلس النواب وتطبيقه على الفور ..وكذلك انجاز المحاكمات الجنائية خاصة القتل وتعجبت من المحاكمات التى تظل ممتدة الى 5 و6 سنوات فى المحاكم الامر الذى يزيد من تفاقم الازمة فى الثأر..فاذا تحقق الردع وحققت العدالة فى القصاص من القاتل بشكل عادل لن ولم يقبل احدا على الاخذا بالثأر الا ان هناك اساليب ملتوية تؤجل بسببها المحاكمات لتصل الى تلك السنوات وهو ما يثير حفيظة اهل القتيل ويتسبب فى حدوث الثأر.
وطالبت بتفعيل دور المساجد والكنائس والمدارس ومراكز الشباب فى التوعية للابناء وكذلك دور الاسرة لا يقل اهمية عما سبق..كما ان لصناع السينما والدراما دورا هاما فى ذلك فلابد ان نتناول المصالحات والعفو فى افلامنا فلا يمكن ان يكون كل ما يقدم عن الصعيد ضرب نار وقتل!!
وطالبت بتبنى لجنة المصالحات من قبل مؤسسات الدولة لتعميمعها على مستوى الجمهورية ..فالمرأة قادرة على فعل المستحيل وتغيير صورة الصعيد امام العالم اجمع..بالعلم والعمل يتحقق كل شيء.