رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

أزمة الإنتاج الدرامي: كيف ننقذ القوة الناعمة من فخ الميزانيات؟

بوابة الجمهورية

تعالت أصوات عدد من منتجي والعاملين بالدراما المصرية بصرخات تحذيرية، تعكس حالة القلق الشديد التي تنتاب صنّاع هذا الفن العريق؛ إذ تجلس صناعة الدراما المصرية اليوم على فوهة مرحلة فاصلة تشهد تحولات عميقة، تجلت بوضوح عقب التصريحات التحذيرية التي أطلقتها المنتجة مها سليم مؤخراً وتلا ذلك أطروحات من عدد كبير من منتجي الدراما والعاملين بها، والتي قرعت بها جرس الإنذار معلنة أن هذا القطاع يواجه مخاطر حقيقية تهدد استمراره وريادته. لم تكن هذه الصيحة مجرد انفعال عابر، بل جاءت لتلخص تراكمات سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والخلل التوازني داخل منظومة الإنتاج التلفزيوني، حيث وجدت شركات الإنتاج نفسها محاصرة بين ارتفاع غير مسبوق في تكاليف التنفيذ والتقنيات وأجور النجوم، وبين تراجع عوائد التسويق والإعلانات التي لم تعد قادرة على تغطية تلك المصروفات الطائلة.


إن جذور هذه الأزمة تتشابك بين أبعاد اقتصادية وفنية متعددة، يأتي على رأسها الفجوة الشاسعة في توزيع الميزانيات، إذ يستحوذ عدد محدود من أبطال الأعمال على النسبة الأكبر من ميزانية العمل التلفزيوني، بينما تتضاءل الميزانيات المخصصة لجودة التصوير والتأليف والخدمات اللوجستية ورعاية حقوق باقي صناع العمل. يضاف إلى ذلك الارتفاع المتزايد في أسعار المعدات ومواقع التصوير والديكورات المستوردة أو المرتبطة بأسعار الصرف، مع انحصار موسم العرض المربح في شهر رمضان المبارك بشكل يؤدي إلى تكدس الأعمال واختناق العرض والتسويق، مما يحرم كثيراً من المسلسلات الجيدة من حقها في الرواج التجاري المطلوب.


ينعكس هذا الاختلال بشكل مباشر وحاد على مئات العاملين والفنيين خلف الكاميرات من مهندسي ديكور ومصورين ومساعدين وعمال إضاءة، حيث باتت أرزاقهم مهددة نتيجة تراجع عدد الأعمال المنتجة سنوياً أو خروج العديد من شركات الإنتاج الصغرى والمتوسطة من السوق لعجزها عن الصمود أمام هذه المعادلة المالية القاسية. إن استمرار هذا الوضع لا يهدد الاستثمار الفني فحسب، بل يهدد بفقدان الكوادر البشرية المدربة التي طالما شكلت العمود الفقري للريادة الفنية المصرية في المنطقة العربية.


ولتجاوز هذه الكبوة وإعادة صياغة المشهد على أسس متينة، يتطلب الأمر حزمة من الحلول العملية والجذرية التي تشترك في تنفيذها كافة أطراف المنظومة. يأتي في مقدمة ذلك صياغة ميثاق شرف إنتاجي واقتصادي ملزم بين غرفة صناعة السينما ونقابة المهن التمثيلية والسينمائية والشركات المنتجة وأن تقوم بهذه المبادرة الشركة المتحدة، يهدف إلى وضع أسقف متوازنة وموضوعية لأجور الفنانين وفق آليات تقييم عادلة ترتبط بالحجم المالي المتاح للسوق، وتضمن استقطاب الميزانيات لصالح القيمة الإنتاجية الإجمالية للمنتج الفني.
كما تبرز أهمية تحويل بوصلة الإنتاج نحو المواسم الموازية على مدار العام بدلاً من ضغط كافة الجهود في موسم واحد، والتوسع في إنتاج الأعمال القصيرة المكونة من ثماني إلى خمس عشرة حلقة، لما تحققه من كفاءة في التكلفة وإيقاع درامي سريع يتناسب مع متطلبات العصر. ينبغي كذلك دعم النصوص الدرامية المبتكرة التي تعتمد على عمق النص والأداء التمثيلي الجماعي والوجوه الشابة الواعدة، بما يقلل الاعتماد السلبي على النجم الفرد ويفتح المجال لضخ دماء جديدة في شرايين الدراما.


وأخيراً، يتوجب الانفتاح على أفق تسويقي جديد يرتكز على فتح أسواق خارجية إقليمية ودولية للتصدير، وعقد شراكات استثمارية متوازنة مع منصات البث الرقمي الحديثة مع الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية. إن الدراما المصرية لم تكن مجرد صناعة تجارية جافة، بل هي قوة ناعمة شكلت وجدان الشعوب العربية لعقود، والحفاظ على استقرارها وتطورها يقتضي إدارة علمية واقتصادية حكيمة ترعى المصالح المشتركة للجميع، وتضمن استمرار التأثير الفني والرمزي للهوية المصرية.
وحل لأزمة الإنتاج الدرامي ..وكيف ننقذ القوة الناعمة من فخ الميزانيات؟
مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة