رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الأمين العام لجامعة الدول العربية: غزة لن تُنسى.. لا أمن ولا سلام مع استمرار الاحتلال وغياب حقوق الشعب الفلسطيني

.
.

 

أكد السيد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن إحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يأتي وفاءً للشهداء وتضامناً مع الناجين، وتأكيداً على مسؤولية صون الحقيقة والدفاع عن الكرامة الإنسانية والعمل من أجل العدالة وإنهاء المأساة التي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على أهل غزة.


 

جاء ذلك في كلمة ألقاها سعادة السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، نيابة عن الأمين العام لجامعة الدول العربية، خلال الفعالية الخاصة بإحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي عقدت في الأمانة العامة للجامعة العربية في 18 أكتوبر 2026.


 

وأشار إلى أن يوم السابع عشر من أكتوبر يمثل مناسبة لاستحضار آلاف الأرواح التي أُزهقت، ومئات الآلاف من المصابين والمكلومين، والعائلات التي فقدت أبناءها، والأطفال الذين حُرموا من طفولتهم، والمدن التي باتت تبحث بين الأنقاض عن ملامح الحياة التي كانت.


 

وأوضح أنه وفقاً لأحدث الإحصاءات الطبية الفلسطينية، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة أربعة وسبعين ألفاً، بينهم أكثر من واحد وعشرين ألف طفل، فيما تجاوز عدد النساء اللواتي استشهدن أو أُصبن خمسة وثلاثين ألفاً، وذلك منذ أكتوبر 2023 فقط.


 

وشدد على أن حرمان السكان من المياه والغذاء والدواء، وتقليص المساحات الآمنة، وتعذر إعادة بناء البيوت، واستمرار القيود التي تعيق وصول المساعدات ومواد الإعمار، تجعل الضغط على الإنسان يتجاوز حدود الاحتمال، وتدفع خيارات البقاء إلى مزيد من القسوة والضيق.


 

وحذر من تحول هذه الظروف إلى أداة لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة الحاجة والخوف وانعدام مقومات الحياة، مؤكداً أن التهجير قد يمارس بالقوة المباشرة، وقد تصنعه أيضاً ظروف قسرية تجعل البقاء بالغ الصعوبة، وأن حماية السكان من النقل القسري تظل واجباً قانونياً، كما تظل حماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وصون ارتباطهم بوطنهم مسؤولية لا تحتمل التأجيل.


 

وأكد أن الجوع ليس وسيلة مشروعة لإخضاع الشعوب، وأن الماء ليس ورقة للمساومة، والدواء ليس امتيازاً يمنح أو يحجب وفق الحسابات السياسية، والمأوى ليس ترفاً في حياة من فقدوا بيوتهم، وإنما هي حقوق أساسية ومسؤوليات قانونية وإنسانية يتعين احترامها وضمانها.


 

وطالب بضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام، واستعادة الخدمات البلدية والصحية والتعليمية، وتوفير المأوى الملائم للنازحين، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العيش بكرامة وأمان.


 

وأكد أنه لا معنى للحديث عن التعافي بينما يفتقد الإنسان مقومات الحياة، ولا جدوى من خطط الإعمار إذا ظل السكان محاصرين في دائرة الخوف والحاجة والنزوح.


 

وأشار إلى أن هناك حقيقة ينبغي أن تكون في صدارة الاهتمام، وهي أنه بينما يُطرح السلام بوصفه أفقاً لإنهاء الحرب، ما زالت القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجود عسكري يسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة، الأمر الذي يضيّق الحيز المتاح للمدنيين ويزيد من تركز السكان في مساحات محدودة تحيط بها المخاطر والقيود.


 

وأوضح أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي واتساع نطاق السيطرة على الأرض يثيران تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام باستحقاقات وقف إطلاق النار، وبشأن الشروط اللازمة لانتقال غزة من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والتعافي.


 

وأكد أن وقف إطلاق النار كان ينبغي أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب واستعادة الحياة وتثبيت الأمن للمدنيين وتهيئة الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، مشيراً إلى أن استمرار الهجمات والقيود وتقليص المساحات المتاحة للسكان يبقي المجتمع رهينة للخطر، ويجعل السلام اسماً لمرحلة لم تستكمل شروطها على الأرض.


 

وشدد على أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بتكريس الخوف في نفوس المدنيين، ولا بإبقاء السكان تحت وطأة السيطرة والتهديد، وإنما بإزالة أسباب الصراع واحترام القانون وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم على أرضهم في إطار وطني فلسطيني موحد.


 

ولفت إلى طرح خطط ومبادرات لإنهاء الحرب في غزة، والحديث عن ترتيبات انتقالية ومجلس السلام وآليات دولية للإشراف على المرحلة المقبلة، إلى جانب خطط لإعادة الإعمار وتوفير التمويل اللازم لاستعادة الحياة.


 

وأكد أن جامعة الدول العربية رحبت بكل جهد جاد يضع حداً لمعاناة المدنيين ويقود إلى سلام عادل ودائم، موضحاً أن جدية أي خطة لا تقاس بجمال صياغتها أو بعدد الاجتماعات التي تعقد بشأنها أو بما تتضمنه من وعود مستقبلية، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة الناس، وما تنجح في تحقيقه من وقف للقتل وتوفير للأمن وإدخال للمساعدات وانسحاب للقوات واستعادة للحقوق.


 

وقال إن العالم يتحدث عن السلام، بينما ما زال أهل غزة ينتظرون نتائج هذا السلام في حياتهم اليومية، ويتحدث عن الإعمار فيما تنتظر الأسر مأوى يحميها، وعن التعافي بينما تحتاج المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والطرق إلى إعادة بناء عاجلة، وعن ترتيبات المستقبل فيما يظل حاضر السكان مثقلاً بالخوف والحرمان وانعدام اليقين.


 

وأكد أن مسؤولية المجتمع الدولي والجهات المعنية بتنفيذ الخطط المطروحة تقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، ومن الإعلان عن المبادرات إلى تنفيذ الالتزامات، ومن رسم الخرائط والخطط إلى استعادة الحياة على الأرض.


 

وتطلع إلى أن يسهم مجلس الأمن الدولي والقائمون على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية في تحويل التعهدات إلى نتائج عملية، وأن يضعوا حماية المدنيين وتلبية الاحتياجات الإنسانية في مقدمة الأولويات، وأن يعملوا على تثبيت وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، وفتح المجال أمام السلطة الوطنية الفلسطينية لتأخذ دورها في قطاع غزة، وتوفير الشروط السياسية والأمنية والمالية اللازمة لإعادة الإعمار.


 

كما أكد أن إعادة بناء قطاع غزة ينبغي أن تكون عملية فلسطينية القيادة، عربية ودولية الدعم، تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان، وتحفظ حقوقهم في الأرض والممتلكات، وتضمن مشاركتهم في تحديد مستقبلهم، وتربط الإعمار بمسار سياسي واضح ينتهي بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الفلسطيني.


 

وشدد على أن المجتمع الدولي مطالب بإثبات جديته بالفعل، وليس بالتصريحات وحدها، من خلال حشد الموارد وإزالة العقبات وإلزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها، وضمان ألا تبقى غزة معلقة بين وقف إطلاق نار هش، وخطط سلام غير مكتملة، ووعود إعمار تنتظر طريقها إلى التنفيذ.


 

وأكد أن التاريخ يعلم أن سياسات الحروب والاحتلال والاستيطان والجدران قد توفر هدوءاً مؤقتاً وسيطرة عابرة، لكنها لا تحقق أمناً حقيقياً ولا تؤمن سلاماً مستداماً، وقد تصطنع واقعاً على الأرض لكنها لا تنشئ حقاً ولا تكتسب شرعية، وقد تفرض استقراراً هشاً لكنها لن تنجح في منع انفجار محتوم، لأنها تمد الوضع الملتهب بوقود إضافي للتفجر، وهي عاجزة عن إخماد توق شعب إلى الحرية أو استئصال ذاكرته الحية أو اغتيال روايته.


 

ودعا إسرائيل إلى الإنصات إلى دروس التاريخ، ومغادرة عقلية القوة والاحتلال، والعبور إلى الفضاء الرحب للاعتراف بحقوق الآخرين والتعامل الندي المتكافئ لصنع السلام، والتوقف عن الاتكاء على ذرائع وهواجس أمنية مضخمة بهدف تكريس الاحتلال، أو استحداث مطالب تقود إلى دفع الصراع من أرضية محدداته وطبيعته السياسية إلى هاوية النزاع الديني في منطقة هي أصلاً مثقلة بالحساسيات.


 

وأكد أن أي مسار للسلام ينبغي أن يقود إلى أفق سياسي واضح ينهي الاحتلال، ويحفظ وحدة الأرض الفلسطينية، ويضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويفضي إلى إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.


 

وأشار إلى أن جامعة الدول العربية ستواصل، بالتعاون مع الدول الأعضاء وشركائها، العمل من أجل وقف معاناة الشعب الفلسطيني، وحشد الدعم الإنساني والسياسي والقانوني، والدفع نحو تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وضمان أن يكون قطاع غزة جزءاً أصيلاً من الدولة الفلسطينية المستقلة.


 

ودعا إلى جعل هذه الذكرى عهداً متجدداً بألا يُنسى ضحايا الإبادة الجماعية، وألا يُنسى قطاع غزة، وألا يُترك أهله وحدهم في مواجهة آثار الحرب، وألا تتحول معاناتهم إلى هامش في حسابات السياسة الدولية.


 

وأكد أن قطاع غزة يستحق أن تعود إليه الحياة، وأن تستعيد مدنه ملامحها، وأن ينهض أطفاله من تحت ظلال الخوف إلى آفاق الأمل، وأن يجد أهله في الغد بيتاً آمناً، وعملاً كريماً، ومدرسة مفتوحة، ومستشفى قادراً على العلاج، ومستقبلاً يليق بإنسانيتهم.


 

وفي ختام الكلمة، وجه تحية للشعب الصابر المناضل في فلسطين، في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وفي الداخل وفي مخيمات اللجوء والشتات، على مواقفه البطولية وتضحياته الجسيمة من أجل الدفاع عن حقوقه الثابتة في وطنه، وحقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة والقدس الشريف عاصمة أبدية لها.


 

كما وجه التحية إلى الأشقاء والأصدقاء وعشاق الحرية في العالم الذين يقفون إلى جانب الشعب الفلسطيني في مسيرته للخلاص من الاحتلال، وإلى كل من يفتح الأبواب لكي تعبر الدولة الفلسطينية المستقلة إلى ميلادها الجديد القادم حتماً.


 

واختتمت الكلمة بالدعاء بالرحمة لشهداء فلسطين، والشفاء للجرحى، والفرج للأسرى، والحفظ لأهل قطاع غزة وسائر الأرض الفلسطينية المحتلة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة