ذا ناشيونال إنترست: مستقبل الأمن الأوروبي مرهون بتحويل الإنفاق الدفاعي إلى قدرات عسكرية حقيقية
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد التحديات الأمنية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، أعاد خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في العاصمة اليونانية أثينا، في السابع من أكتوبر الجاري، فتح ملف مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية، وسط توجه أمريكي يدعو القارة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، واستعادة قدرتها العسكرية والصناعية، بما يضمن استمرار فاعلية حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وفي تقرير تحليلي نشرته مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأمريكية، بعنوان «لماذا يمثل خطاب ماركو روبيو في أثينا فرصة لأوروبا؟»، اعتبرت الباحثة تسيبورا فريد، الزميلة الزائرة بمعهد هدسون الأمريكي، أن الخطاب يحمل فرصة استراتيجية لإعادة بناء الشراكة عبر الأطلسي، لكنه يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على تحويل التعهدات السياسية والمالية إلى قوة دفاعية قابلة للاستخدام.

من أثينا إلى ميونيخ.. تحول في الخطاب الأمريكي
اختار روبيو إلقاء خطابه أمام المشهد التاريخي للأكروبوليس، مستحضرًا الإرث الحضاري لليونان القديمة، ودورها في تشكيل الفكر السياسي والفلسفي الغربي، مؤكدًا أهمية استعادة قيم الطموح والابتكار والشجاعة والقدرة على مواجهة التحديات.
ورغم الطابع الحضاري للخطاب، فإن رسالته السياسية تمثلت في دعوة أوروبا إلى استعادة الثقة بقدراتها، وتعزيز استقلالها في الدفاع عن مصالحها، دون التخلي عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وربطت «ذا ناشيونال إنترست» بين خطاب روبيو وكلمة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025، مشيرة إلى اختلاف الأسلوب بين الخطابين، رغم تقاربهما في الهدف الاستراتيجي.
فبينما اتسم خطاب فانس بانتقادات مباشرة للأوضاع الأوروبية، قدم روبيو رسالة أكثر إيجابية، تقوم على الاعتراف بالمكانة الحضارية للقارة، مع مطالبتها باستعادة دورها باعتبارها شريكًا قادرًا على المساهمة الفعلية في موازين القوة الدولية.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا في المعايير التي تنظر من خلالها واشنطن إلى حلفائها، إذ باتت القدرات العسكرية والإنتاج الصناعي والجاهزية العملياتية والاستعداد السياسي للتحرك عناصر أساسية في تقييم قوة التحالفات، إلى جانب الروابط التاريخية والقيم المشتركة.
الحرب الأوكرانية تكشف تحديات الدفاع الأوروبي
يأتي الخطاب الأمريكي في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات أمنية متزايدة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، والتي أعادت قضايا الردع العسكري والأمن الجماعي إلى صدارة الأولويات الاستراتيجية للقارة.
وأوضحت الباحثة تسيبورا فريد أن أوروبا تمتلك بالفعل قدرات عسكرية متقدمة، تشمل قوات ذات خبرات عملياتية، وصناعات دفاعية متطورة، فضلًا عن امتلاك فرنسا وبريطانيا قدرات للردع النووي.
غير أن التحدي الرئيسي يتمثل في قدرة هذه الإمكانات على العمل بصورة متكاملة، والاستمرار في عمليات عسكرية واسعة النطاق وطويلة الأمد.
وتشمل أبرز الفجوات الدفاعية الأوروبية منظومات الدفاع الجوي، والقدرات بعيدة المدى، والنقل العسكري الاستراتيجي، وسرعة تحريك القوات، فضلًا عن أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والقدرات الرقمية.
كما أبرزت الحرب الأوكرانية أهمية تطوير الصناعات الدفاعية بما يسمح بسرعة تعويض المعدات والذخائر، وتحديث الأنظمة العسكرية باستمرار، خصوصًا في ظل التطور المتسارع لاستخدام الطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
زيادة الإنفاق العسكري.. هل تكفي لبناء قوة أوروبية مستقلة؟
تتزامن الدعوة الأمريكية مع توجه أوروبي واسع لزيادة الاستثمارات الدفاعية، بعدما اتفق أعضاء حلف الناتو خلال قمة لاهاي في يونيو 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، منها 3.5% للاحتياجات الدفاعية الأساسية.
وبحسب الأرقام التي استند إليها تقرير «ذا ناشيونال إنترست»، أعلن الناتو ارتفاع الإنفاق الدفاعي للحلفاء الأوروبيين وكندا بنحو 20% بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025.
كما أطلق الاتحاد الأوروبي آلية التمويل الدفاعي المشترك «SAFE»، التي تتيح قروضًا تصل إلى 150 مليار يورو، بهدف دعم الاستثمارات الدفاعية وتعزيز المشتريات العسكرية المشتركة.
إلا أن التقرير حذر من اعتبار زيادة الموازنات العسكرية مؤشرًا كافيًا على تحسن القدرات الدفاعية، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي يتمثل في حجم القوات القادرة على الانتشار، وسرعة تحركها، وتوافر مخزونات الذخيرة، وقدرتها على مواصلة العمليات العسكرية، فضلًا عن تكامل أنظمة المعلومات والقيادة والاتصالات بين الجيوش الأوروبية.
روسيا ومستقبل الردع الأطلسي
يمثل الموقف الروسي أحد الأبعاد الرئيسية في إعادة صياغة العلاقات الدفاعية بين واشنطن وأوروبا، إذ يرتبط نجاح أي تحول في توزيع المسؤوليات العسكرية داخل الناتو بمدى قدرة الحلف على الحفاظ على منظومة ردع متماسكة.
وحذرت الباحثة من مخاطر تقليص الولايات المتحدة مساهماتها العسكرية الحيوية في أوروبا قبل امتلاك الدول الأوروبية القدرة الفعلية على تعويضها، معتبرة أن الانتقال غير المنظم قد يؤدي إلى ظهور فجوة أمنية يمكن أن تستغلها موسكو.
وأشارت إلى أن الردع لا يعتمد فقط على حجم القوات والمعدات، وإنما يرتبط أيضًا بوحدة القرار السياسي، واستمرارية الالتزام الأمريكي، وقدرة الدول الأوروبية على اتخاذ قرارات سريعة خلال الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى وضع آلية واضحة لنقل المسؤوليات الدفاعية تدريجيًا، وفق معايير محددة للجاهزية العسكرية، مع الحفاظ على منظومات القيادة المشتركة والتدريبات والاتصالات التي تشكل أساس العمل العسكري داخل الناتو.
فرنسا ودورها في مستقبل الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي
في سياق متصل، سلطت «ذا ناشيونال إنترست» الضوء على الدور المحتمل لفرنسا في قيادة جهود تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، استنادًا إلى امتلاكها قوة ردع نووية وقاعدة صناعية عسكرية متقدمة، فضلًا عن خبراتها العملياتية وقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
لكن التقرير أكد أن نجاح باريس في الاضطلاع بدور قيادي يتطلب ترجمة رؤيتها السياسية إلى مساهمات عسكرية ملموسة، وبناء توافقات مع الشركاء الأوروبيين، خاصة دول الجناح الشرقي للناتو الأكثر شعورًا بالتهديد الروسي.
وفي هذا الإطار، لا يعني تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بالضرورة الابتعاد عن الولايات المتحدة، وإنما بناء شراكة أكثر توازنًا، تسمح لأوروبا بتنفيذ عمليات عسكرية مستقلة عند الضرورة، مع استمرار التنسيق الدفاعي داخل التحالف الأطلسي.
لماذا اختارت واشنطن اليونان؟
حمل اختيار أثينا لإلقاء الخطاب دلالات سياسية واستراتيجية، إذ تزامنت زيارة روبيو مع انعقاد الجولة السادسة من الحوار الاستراتيجي الأمريكي اليوناني، التي تناولت التعاون الدفاعي والأمني والطاقة والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار.
وبحسب شبكة «يورونيوز»، شملت المباحثات تطوير التعاون العسكري، وتحديث مقاتلات F-16 اليونانية، وإدخال مقاتلات F-35 إلى القوات الجوية اليونانية، فضلًا عن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة ألكسندروبوليس.
كما تناول الجانبان تعزيز دور اليونان مركزًا لنقل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى دول وسط وشرق أوروبا، في إطار الجهود الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات.
وأشاد روبيو بالدور اليوناني داخل التحالف الأطلسي، معتبرًا أثينا نموذجًا للحليف الذي يسهم في تعزيز الأمن المشترك ويتحمل نصيبًا أكبر من المسؤوليات الدفاعية.
ويعكس ذلك الترابط المتزايد بين ملفات الدفاع والطاقة والأمن البحري في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، خصوصًا في منطقة شرق المتوسط.
اختلافات سياسية رغم المصالح المشتركة
ورغم الطابع الإيجابي الذي حمله خطاب روبيو، فإن رؤيته لمستقبل الحضارة الغربية أثارت نقاشًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية.
فقد تناولت صحيفة «الجارديان» البريطانية الخطاب من زاوية نقدية، معتبرة أنه قدم قراءة انتقائية للتاريخ الغربي، وربط بين استعادة القوة الحضارية والتوجهات القومية التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
كما أشارت «ذا ناشيونال إنترست» إلى استمرار الاختلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن السيادة الوطنية، ودور المؤسسات الدولية، وحدود العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وترى الباحثة أن تعزيز القوة العسكرية الأوروبية لن يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء هذه الخلافات، ما يجعل الحفاظ على الثقة السياسية واستقرار الالتزامات الأمنية الأمريكية شرطًا أساسيًا لنجاح أي ترتيبات دفاعية مستقبلية.
مستقبل التحالف.. شراكة جديدة أم إعادة توزيع للأعباء؟
تكشف الرسائل الأمريكية الصادرة من أثينا عن توجه نحو إعادة تعريف العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا، بحيث تتحول الأخيرة تدريجيًا من الاعتماد الواسع على الضمانات العسكرية الأمريكية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الإقليمي.
غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرهونًا بقدرة الدول الأوروبية على تطوير صناعاتها الدفاعية، وتعزيز التكامل بين قواتها المسلحة، ومعالجة أوجه القصور في الجاهزية العسكرية، بالتوازي مع استمرار الضمانات الأمريكية خلال المرحلة الانتقالية.
وخلصت قراءة «ذا ناشيونال إنترست» إلى أن الرسالة الأساسية لخطاب روبيو لا تتمثل في مطالبة أوروبا بالاستقلال الكامل عن واشنطن، وإنما في دعوتها إلى امتلاك القوة الكافية لتظل حليفًا استراتيجيًا موثوقًا وقادرًا على المشاركة الفعلية في حماية الأمن المشترك.
وبذلك، يضع خطاب أثينا العلاقات عبر الأطلسي أمام مرحلة جديدة، لن يتحدد مستقبلها بحجم التعهدات السياسية أو الموازنات العسكرية وحدها، بل بمدى قدرة واشنطن والعواصم الأوروبية على بناء منظومة دفاعية أكثر توازنًا، والحفاظ على تماسك التحالف في مواجهة التحديات الدولية المتصاعدة.