محمد راشد: السيطرة على الدين العام وتضييق الفجوة بين الصادرات والواردات أولوية لتحقيق النمو المستدام
أكد الدكتور محمد راشد، أستاذ الاقتصاد بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة بني سويف، أن السيطرة على الدين العام المحلي والخارجي، وتضييق الفجوة بين الصادرات والواردات، يجب أن تحظى بأولوية قصوى ضمن الملفات الاقتصادية المطروحة للنقاش في منتدى مصر 2026، بما يسهم في تحقيق النمو المستدام خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح راشد، تعقيبًا على ما يطرحه المنتدى بشأن تحديد أولويات المرحلة المقبلة، أن المعضلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد المصري تتمثل في اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد خلال العام الجاري، لا سيما واردات النفط والغاز، التي زادت بنحو 36% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، لترتفع من 16 مليار دولار إلى 22 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن وغيرها، وهو ما ينعكس سلبًا على زيادة الدين الخارجي.
وأشار إلى إمكانية الحد من الطلب على العملة الأجنبية من خلال إبرام اتفاقيات لمبادلة العملات مع الدول الخمس الرئيسية التي تستورد منها مصر نحو 90% من احتياجاتها من النفط والغاز، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وليبيا والعراق والمملكة العربية السعودية، بحيث تتم تسوية المدفوعات كليًا أو جزئيًا بالجنيه المصري بدلًا من الدولار وغيره من العملات الأجنبية، لافتًا إلى إمكانية تطبيق الآلية نفسها على واردات مصر من القمح.
وأضاف أن من بين الحلول المطروحة التفاوض مع الشركاء الدوليين لتحويل جزء من المديونية إلى استثمارات، في ضوء الأضرار التي لحقت بموارد النقد الأجنبي في مصر نتيجة التوترات في مضيقي هرمز وباب المندب، والتي أثرت سلبًا على إيرادات قناة السويس، رغم أن مصر ليست طرفًا في هذه التوترات. ومن شأن ذلك أن يسهم في خفض الدين الخارجي، وتحسين احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي، ودعم النمو الاقتصادي وخلق المزيد من فرص العمل.
وعلى صعيد الدين المحلي، أوضح راشد أن السيطرة على التضخم ستنعكس إيجابًا على إمكانية خفض أسعار الفائدة، مشيرًا إلى أن كل انخفاض بنسبة 1% يوفر للموازنة العامة للدولة نحو 120 مليار جنيه، بما يسهم في خفض الدين المحلي.
واقترح خفض تكاليف الاقتراض من خلال إتاحة اقتراض البنك المركزي من الجمهور مباشرة بأسعار فائدة أقل من تكلفة الاقتراض من البنوك، مع منح المكتتبين عائدًا يزيد بنحو 1% على الأقل على أسعار الفائدة المقدمة من البنوك على الشهادات والأوعية الادخارية الأخرى. ويمكن تحقيق ذلك من خلال طرح 30% من أذون وسندات الخزانة للجمهور مباشرة عبر تطبيق إلكتروني يصدره البنك المركزي، على غرار تطبيقات البنوك التجارية، على أن يتم اقتراض النسبة المتبقية، البالغة 70%، من البنوك.
ولفت إلى أن هذه الآلية يمكن أن تسهم في زيادة تعبئة المدخرات، التي تراجعت مؤخرًا إلى نحو 1.2% نتيجة التضخم، ولجوء البعض إلى الاستثمار في الذهب والعملات الرقمية وغيرها.
وشدد راشد على أن هذه الحلول قصيرة ومتوسطة الأجل لا تغني عن ضرورة تبني سياسات طويلة الأجل لخفض الدين العام بشقيه المحلي والخارجي، من خلال زيادة الإنتاج، بما ينعكس تدريجيًا على نمو الصادرات وخفض الواردات، وصولًا إلى تحقيق مستهدفات رفع الصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار، وفقًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأوضح أن ذلك يتطلب التوسع في إنشاء شركات مساهمة لإنتاج السلع التي تستوردها مصر بكميات كبيرة، ويمكن تصنيعها محليًا، من خلال مساهمة الدولة بنحو 30% من رأس المال، وطرح النسبة المتبقية في البورصة، بما يسهم في تنشيط سوق المال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعبئة المدخرات المحلية، وزيادة الإنتاج وفرص العمل والإيرادات الضريبية، ودعم النمو الاقتصادي، بما ينعكس في النهاية على خفض عجز الموازنة والدين العام.
وأكد أن مشاركة الدولة في هذه الشركات تستهدف بناء الثقة وتشجيع الجمهور على الاكتتاب، على أن تتخارج منها بعد عامين أو ثلاثة أعوام، عقب استقرار أوضاع الشركة وقدرتها على العمل في السوق. وشدد على ضرورة ألا تؤدي هذه المشاركة إلى هيمنة حكومية على الشركات، بل أن يتولى إدارتها مجلس إدارة يختاره المساهمون ويحاسبونه وفقًا للأداء، مع اختيار المشروعات بناءً على دراسات جدوى معدة مسبقًا.
وأشار إلى إمكانية تمويل حصة الدولة في هذه الشركات من حصيلة التخارج من بعض الشركات والأصول، التي قد تصل إلى نحو 12 مليار دولار، وفقًا للإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة حتى عام 2030.