رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ترامب وجرينلاند.. ما وراء الصفقة التي لم تغيّر الخريطة

بوابة الجمهورية

في السياسة، لا تتغير موازين القوة دائمًا عندما تتغير الحدود. أحيانًا تبقى الخريطة كما هي، وتظل الأعلام في أماكنها، بينما تتغير قواعد النفوذ فوق الأرض نفسها.

وهذا ما يجعل حكاية دونالد ترامب وجرينلاند أكثر إثارة مما تبدو عليه.

فالرئيس الأمريكي الذي أثار جدلًا عالميًا بمطالبته بامتلاك جزيرة شاسعة تتبع مملكة الدنمارك، انتهى به المطاف إلى اتفاق لم يمنحه شبرًا واحدًا من أرضها، لكنه فتح أمام واشنطن أبوابًا أوسع لتعزيز وجودها العسكري والتأثير في ترتيبات أمنها.

لم تصبح جرينلاند ولاية أمريكية، ولم تنتقل السيادة عليها إلى الولايات المتحدة. لكن في 22 سبتمبر 2026، شهدت نيويورك توقيع اتفاق دفاعي جديد بين واشنطن وكوبنهاجن وجرينلاند، أعاد صياغة جوانب مهمة من قواعد الحضور العسكري الأمريكي في تلك المنطقة الحساسة من العالم.

وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية.

كيف يمكن لرئيس أن يطالب بامتلاك جزيرة كاملة، ثم ينتهي باتفاق لا يمنحه ملكيتها، لكنه قد يحقق لبلاده مصالح استراتيجية واسعة؟ وهل كانت الأرض هي الجائزة الكبرى، أم أن ما تمنحه من قوة ونفوذ قد يكون أكثر أهمية من امتلاكها؟

لفهم ما جرى، علينا أن نتجه إلى أقصى شمال العالم، حيث تمتد مساحات الجليد إلى ما وراء الأفق، وتبدو جرينلاند بعيدة عن صخب العواصم الكبرى، بينما تحتل في الحسابات العسكرية موقعًا لا يمكن تجاهله.

فهذه الجزيرة قليلة السكان تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا، بالقرب من المسارات القطبية التي تدخل في حسابات الصواريخ وأنظمة الإنذار المبكر. وفي عالم تستطيع فيه الصواريخ عبور القارات، لم تعد أهمية الأرض تقاس بعدد سكانها أو قربها من مراكز الاقتصاد، بل بما يمكن رصده من سمائها، وما يمكن حمايته من خلالها، وما قد تمنحه من قدرة على اكتشاف التهديدات قبل وصولها.

ولهذا لم يبدأ الاهتمام الأمريكي بجرينلاند مع ترامب. فمنذ الحرب الباردة، أدركت واشنطن أهميتها الاستراتيجية، ولا تزال قاعدة بيتوفيك الفضائية تؤدي دورًا محوريًا في الإنذار المبكر بالصواريخ ومراقبة الفضاء.

لكن اتفاق سبتمبر 2026 ذهب أبعد من مجرد استمرار الوجود العسكري القائم.

فقد أتاح توسيع الأنشطة الأمريكية في بيتوفيك، ومهد لإنشاء مناطق دفاعية إضافية في نارسارسواك ومسترفيج، مع إمكان اقتراح مناطق أخرى وفق إجراءات وموافقات متبادلة. كما نظم وصول القوات الأمريكية وحركتها عبر أراضي الجزيرة ومياهها وأجوائها، ووضع قيودًا على الوجود العسكري المستمر لدول من خارج حلف شمال الأطلسي، وعلى بعض الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة.

والأكثر لفتًا للانتباه أن الاتفاق لا يحدد تاريخًا لانتهائه، ولا يمكن تعديله إلا بموافقة متبادلة. بل يتناول أيضًا استمرار الترتيبات الدفاعية إذا اختارت جرينلاند الاستقلال مستقبلًا.

صحيح أن توقيعه لا يعني دخول جميع بنوده حيز التنفيذ فورًا، إذ يتطلب استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة لدى الدنمارك وجرينلاند، كما أن المنشآت الجديدة لم تصبح واقعًا لمجرد النص عليها.

لكن الاتفاق يكشف عن حقيقة مهمة: يمكن لدولة أن توسع حقوق الوصول والوجود العسكري في أرض لا تملكها، دون أن تنتقل إليها السيادة عليها.

وهنا يتغير السؤال.

فبدلًا من التساؤل عما إذا كان ترامب يستطيع امتلاك جرينلاند، يصبح السؤال: إلى أي مدى تستطيع واشنطن تعزيز نفوذها داخل الجزيرة دون امتلاكها؟

فالسيادة تمنح حقوقًا قانونية وسياسية لا تعوضها الاتفاقات، لكنها تفرض أيضًا مسؤوليات وتكاليف والتزامات. أما الاتفاقات الدفاعية فقد توفر نفوذًا واسعًا دون أن تجعل الدولة صاحبة القرار الوحيد بشأن الأرض ومستقبلها.

لكن أهمية جرينلاند لا تتوقف عند ما يجري فوق سطحها أو في سمائها.

فهناك حكاية أخرى تختبئ تحت الجليد.

تضم الجزيرة موارد معدنية تشمل عناصر أرضية نادرة تدخل في صناعات تكنولوجية متقدمة. ومع احتدام المنافسة العالمية على المواد الأساسية للصناعات الحديثة، أصبحت سلاسل الإمداد نفسها جزءًا من حسابات الأمن القومي.

غير أن وجود المعادن لا يعني سهولة استخراجها. فالمناخ القاسي، وارتفاع تكاليف النقل والبنية التحتية، والاعتبارات البيئية، تجعل تحويل كثير من هذه الموارد إلى مشروعات مربحة تحديًا حقيقيًا.

كما أن الاتفاق الدفاعي لا يمنح واشنطن ملكية هذه الثروات أو حقوقًا حصرية لاستخراجها.

ومع ذلك، فإن أهمية الموارد لا تتعلق دائمًا بمن يستخرجها اليوم، بل بمن قد يستطيع الوصول إليها غدًا، ومن يمكن أن يكتسب نفوذًا استراتيجيًا من خلالها.

وهنا تتضح حلقة أخرى من الحكاية. فالتنافس بين القوى الكبرى لا يدور دائمًا حول امتلاك الثروة وحدها، بل قد يمتد إلى محاولة منع المنافسين من السيطرة على مصادرها أو اكتساب مزايا استراتيجية بفضلها.

لكن هل هذه المعادلة جديدة؟ وهل جرينلاند حالة استثنائية؟

للوصول إلى الإجابة، يكفي أن نترك جليد الشمال ونتجه آلاف الكيلومترات جنوبًا، إلى منطقة تبدو مختلفة تمامًا في طبيعتها، لكنها تكشف وجهًا آخر للعلاقة بين الجغرافيا والقوة.

إلى الخليج العربي.

هناك لا تمتد المسارات القطبية، بل حقول النفط والغاز والممرات البحرية التي تعبرها ناقلات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.

وعلى مدى عقود، أقامت الولايات المتحدة شبكة واسعة من العلاقات الدفاعية والمنشآت العسكرية مع عدد من دول الخليج، دون أن تمتلك أراضي تلك الدول أو مواردها.

ووفق تقارير لخدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي، كان نحو 13,500 عسكري أمريكي موجودين في الكويت بحسب تقدير يعود إلى يناير 2025، بينما أورد تقرير راجعته الخدمة في يناير 2026 تقديرًا بنحو 5,000 عسكري أمريكي في منشآت عسكرية بالإمارات.

ورغم أن هذه الأرقام تتغير وفق ظروف الانتشار العسكري، فإنها تكشف حجم الحضور الأمريكي في المنطقة.

ولا يمكن تفسير هذا الوجود بالنفط وحده، فهو يرتبط كذلك بأمن الحلفاء والعمليات الإقليمية وردع التهديدات وحماية المصالح الأمريكية. لكن أهمية موارد الطاقة والممرات البحرية تمنح هذه الترتيبات وزنًا استراتيجيًا إضافيًا.

فتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، مثلًا، قد لا تتوقف آثاره عند حدود الخليج، بل تمتد إلى أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين والتجارة الدولية.

وهكذا تصبح حماية ممر بحري لا تملكه دولة كبرى جزءًا مهمًا من حساباتها الأمنية والاقتصادية.

وهنا تلتقي جرينلاند بالخليج، رغم اختلاف الجغرافيا والتاريخ والظروف السياسية.

في الأولى، يمنح الموقع قدرة على الرصد والإنذار والدفاع في منطقة قطبية حساسة. وفي الثاني، ترتبط الجغرافيا بالطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.

وفي الحالتين، تستطيع واشنطن الحفاظ على حضور استراتيجي مؤثر دون امتلاك الأرض، من خلال اتفاقات وشراكات مع أطراف لها سيادتها ومصالحها وحقوقها.

لكن هذه المقارنة تعيدنا إلى سؤال أكثر إثارة في قصة ترامب.

إذا كانت الاتفاقات الدفاعية قادرة على تحقيق مصالح استراتيجية مهمة، فلماذا بدأ ترامب بالمطالبة بامتلاك جرينلاند بالكامل؟

هنا ندخل إلى واحدة من أكثر مناطق التفاوض إثارة، حيث لا يكون المطلب الأول دائمًا هو النتيجة التي ستنتهي إليها المفاوضات.

ففي بعض أساليب التفاوض، يبدأ أحد الأطراف بمطلب بالغ الارتفاع، فيصبح هذا المطلب نقطة مرجعية تقاس إليها التنازلات اللاحقة. وحين يتراجع عن طلب الحصول على كل شيء، قد يبدو ما يحصل عليه في النهاية أقل بكثير، رغم أنه قد يحمل مكاسب استراتيجية مهمة.

لكن هل كان هذا ما قصده ترامب منذ البداية؟

لا يمكن الجزم بذلك. فالمطالب المبالغ فيها قد تؤدي أيضًا إلى تعقيد المفاوضات وفقدان الثقة. غير أن الفارق بين مطلب امتلاك الجزيرة ونتيجة الاتفاق الدفاعي يفتح بابًا مهمًا لفهم كيف يمكن أن تتغير حدود التفاوض، دون أن تتغير حدود الدول.

لكن المفارقة لا تنتهي عند حدود المصالح الأمريكية.

فبينما قدمت واشنطن الاتفاق باعتباره تعزيزًا لأمنها وحضورها الاستراتيجي، أكدت الدنمارك وجرينلاند أنه يحترم سيادة المملكة وحق سكان الجزيرة في تقرير المصير.

كما تضمن أحكامًا تتعلق بحماية البيئة ومصالح السكان، ومنح الجهات والشركات الجرِينلاندية أولوية مشروطة في بعض العقود المرتبطة بالمناطق الدفاعية.

وهذا تفصيل لا ينبغي أن يضيع وسط خرائط القواعد العسكرية وحسابات الموارد. فجرينلاند ليست مجرد مساحة متجمدة تتنافس القوى الكبرى على استخدامها، بل وطن لشعب له حقوقه وتطلعاته ومستقبله السياسي.

ثم إن النفوذ، مهما اتسع، لا يعني السيطرة المطلقة. فالاتفاقات تحتاج إلى تنفيذ، والمصالح قد تتغير، وما تعتبره دولة تعزيزًا لأمنها قد يراه منافسوها تهديدًا يستدعي الرد.

وهكذا قد تتحول الرغبة في تحقيق الأمن إلى مصدر جديد للمنافسة وانعدام الثقة.

والآن، لنعد إلى المشهد الأول.

رئيس أمريكي طالب بامتلاك جزيرة كاملة، ثم وقع اتفاقًا يتيح لبلاده توسيع حضورها العسكري فيها، دون أن تنتقل إليه السيادة على شبر واحد من أرضها.

هل حصل ترامب على ما كان يريده فعلًا؟

لا يمكن معرفة نواياه النهائية من نتيجة الاتفاق وحدها، كما أن حجم المكاسب الأمريكية سيتوقف على التنفيذ وما سيحدث لاحقًا.

لكن الحكاية تكشف عن وجه مهم من وجوه القوة في العالم الحديث.

فالدول لا تقيس نفوذها فقط بمساحة الأراضي التي ترفع أعلامها فوقها، بل أيضًا بالمواقع التي تستطيع الوصول إليها، والاتفاقات التي تعقدها، والقرارات التي تملك القدرة على التأثير فيها.

ومع ذلك، يظل الفارق قائمًا بين النفوذ والسيادة، وبين التعاون والسيطرة، وبين المصالح الاستراتيجية وحقوق الشعوب.

وربما كانت المفارقة الأكبر أن امتلاك الأرض ليس دائمًا الطريق الوحيد للتأثير في مستقبلها.

فقد تستطيع القوة أن تحصل على ما تريد دون أن تمتلكه، لكن السؤال الأصعب يظل مفتوحًا: هل تستطيع الاحتفاظ بنفوذها دون أن تدفع الآخرين يومًا إلى مقاومته؟

قد يحمل مكاسب استراتيجية مهمة.

لكن هل كان هذا ما قصده ترامب منذ البداية؟

لا يمكن الجزم بذلك. فالمطالب المبالغ فيها قد تؤدي أيضًا إلى تعقيد المفاوضات وفقدان الثقة. غير أن الفارق بين مطلب امتلاك الجزيرة ونتيجة الاتفاق الدفاعي يفتح بابًا مهمًا لفهم كيف يمكن أن تتغير حدود التفاوض، دون أن تتغير حدود الدول.

لكن المفارقة لا تنتهي عند حدود المصالح الأمريكية.

فبينما قدمت واشنطن الاتفاق باعتباره تعزيزًا لأمنها وحضورها الاستراتيجي، أكدت الدنمارك وجرينلاند أنه يحترم سيادة المملكة وحق سكان الجزيرة في تقرير المصير.

كما تضمن أحكامًا تتعلق بحماية البيئة ومصالح السكان، ومنح الجهات والشركات الجرِينلاندية أولوية مشروطة في بعض العقود المرتبطة بالمناطق الدفاعية.

وهذا تفصيل لا ينبغي أن يضيع وسط خرائط القواعد العسكرية وحسابات الموارد. فجرينلاند ليست مجرد مساحة متجمدة تتنافس القوى الكبرى على استخدامها، بل وطن لشعب له حقوقه وتطلعاته ومستقبله السياسي.

ثم إن النفوذ، مهما اتسع، لا يعني السيطرة المطلقة. فالاتفاقات تحتاج إلى تنفيذ، والمصالح قد تتغير، وما تعتبره دولة تعزيزًا لأمنها قد يراه منافسوها تهديدًا يستدعي الرد.

وهكذا قد تتحول الرغبة في تحقيق الأمن إلى مصدر جديد للمنافسة وانعدام الثقة.

والآن، لنعد إلى المشهد الأول.

رئيس أمريكي طالب بامتلاك جزيرة كاملة، ثم وقع اتفاقًا يتيح لبلاده توسيع حضورها العسكري فيها، دون أن تنتقل إليه السيادة على شبر واحد من أرضها.

هل حصل ترامب على ما كان يريده فعلًا؟

لا يمكن معرفة نواياه النهائية من نتيجة الاتفاق وحدها، كما أن حجم المكاسب الأمريكية سيتوقف على التنفيذ وما سيحدث لاحقًا.

لكن الحكاية تكشف عن وجه مهم من وجوه القوة في العالم الحديث.

فالدول لا تقيس نفوذها فقط بمساحة الأراضي التي ترفع أعلامها فوقها، بل أيضًا بالمواقع التي تستطيع الوصول إليها، والاتفاقات التي تعقدها، والقرارات التي تملك القدرة على التأثير فيها.

ومع ذلك، يظل الفارق قائمًا بين النفوذ والسيادة، وبين التعاون والسيطرة، وبين المصالح الاستراتيجية وحقوق الشعوب.

وربما كانت المفارقة الأكبر أن امتلاك الأرض ليس دائمًا الطريق الوحيد للتأثير في مستقبلها.

فقد تستطيع القوة أن تحصل على ما تريد دون أن تمتلكه، لكن السؤال الأصعب يظل مفتوحًا: هل تستطيع الاحتفاظ بنفوذها دون أن تدفع الآخرين يومًا إلى مقاومته؟
 

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة