السوق الحضاري بنجع حمادي.. لماذا عادت أزمة الباعة الجائلين رغم إنفاق 42 مليون جنيه؟
محافظ قنا يكشف تفاصيل عودة العشوائية وأسباب التدخل لإعادة الانضباط إلى السوق
تصدرت أزمة السوق الحضاري بنجع حمادي بمحافظة قنا الاهتمام، بعد رصد مخالفات ميدانية وعودة عدد من الباعة الجائلين إلى الشوارع، رغم إنشاء سوق متكامل بتكلفة تقارب 42 مليون جنيه بهدف القضاء على العشوائية وتنظيم حركة البيع والشراء وتأمين الباعة والمواطنين. وكشف الدكتور مصطفى الببلاوي، محافظ قنا، خلال مداخلة هاتفية مع استوديو إكسترا نيوز، تفاصيل الأزمة والإجراءات التي اتخذتها المحافظة، مؤكدًا إحالة المسؤولين عن المخالفات إلى التحقيق، وتشكيل لجنة لإعادة الانضباط إلى السوق ومراجعة أداء الجهاز الإداري المشرف عليه.
السوق الحضاري بنجع حمادي.. التكلفة والمساحة والإمكانات
أوضح الدكتور مصطفى الببلاوي، محافظ قنا، أن السوق الحضاري الجديد بمدينة نجع حمادي أُنشئ على مساحة تبلغ 14 ألف متر مربع، بتكلفة تقترب من 42 مليون جنيه، مشيرًا إلى أن المشروع صُمم وفق أحدث الطرز المخصصة لهذا النوع من الأسواق، مع توفير الخدمات والمرافق اللازمة لضمان بيئة عمل آمنة ومنظمة للباعة والمواطنين.
ويضم السوق 84 محلًا تجاريًا و172 باكية مخصصة للباعة الجائلين، إلى جانب الكافتيريات ودورات المياه، ومنظومة متكاملة للحماية المدنية تشمل مضخات كبيرة، فضلًا عن كاميرات المراقبة وغرفة للأمن ومكاتب للإداريين، وجميع المرافق التي تتيح إدارة السوق ومتابعة الحركة داخله.
وأشار المحافظ إلى أن إنشاء السوق انتهى منذ نحو ثلاث سنوات، في إطار جهود الدولة لمعالجة مشكلة انتشار الباعة الجائلين في مدينة نجع حمادي، وتحسين المظهر الحضاري وتوفير أماكن ملائمة لممارسة الأنشطة التجارية بعيدًا عن الطرق والشوارع الرئيسية.

الباعة الجائلون في نجع حمادي.. خلفية الأزمة
قال محافظ قنا إن مدينة نجع حمادي كانت تعاني انتشار الباعة الجائلين في الميادين والشوارع الرئيسية، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة للمواطنين، وأثر في حركة المرور والتنقل داخل المدينة.
وأضاف أن وجود الباعة على الأسفلت وفي مناطق مزدحمة بالسيارات لم يكن يمثل مشكلة تنظيمية فقط، بل كان يشكل خطرًا على سلامتهم الشخصية أيضًا، في ظل تعرضهم لمخاطر حركة المركبات، إلى جانب ما تسببه الإشغالات من صعوبات أمام المواطنين.
وأوضح أن إنشاء السوق الحضاري استهدف إنهاء هذه الأوضاع، من خلال نقل الباعة إلى أماكن مجهزة تتوافر فيها الخدمات والأمن، بما يحقق مصلحة الباعة ويحافظ على سلامتهم، ويسهم في إعادة الانضباط إلى الشوارع والميادين.
محافظ قنا يوضح موعد نقل الباعة إلى السوق الحضاري
استعرض الدكتور مصطفى الببلاوي، خلال حديثه مع استوديو إكسترا نيوز، تفاصيل التعامل مع ملف الباعة الجائلين منذ توليه مسؤولية محافظة قنا.
وأوضح أنه تولى منصبه قبل شهر رمضان الماضي بثلاثة أيام تقريبًا، وأنه توجه إلى مدينة نجع حمادي في أول يوم جمعة بعد بداية الشهر، لمعاينة الأوضاع على الطبيعة والاستماع إلى الباعة الجائلين والتعرف على مشكلاتهم.
وأضاف أنه تحرك داخل المنطقة وتحدث مع الباعة، وعاين حجم المشكلة، لكنه رأى أن نقلهم في ذلك التوقيت لم يكن مناسبًا، وأن الأفضل تأجيل الانتقال إلى ما بعد انتهاء رمضان وعيد الفطر، مع مراعاة ظروف الباعة وطبيعة عملهم.
وأشار المحافظ إلى أنه جرى يوم 14 مايو، بالتنسيق مع الجهات الأمنية ومجلس مدينة نجع حمادي، نقل الباعة الجائلين إلى السوق الحضاري، في خطوة استهدفت إنهاء الإشغالات وإتاحة أماكن منظمة لممارسة أنشطتهم.

إعفاء من الإيجار شهرين وتخفيضات لتشجيع الباعة
أكد محافظ قنا أن المحافظة اتخذت إجراءات تحفيزية لتشجيع الباعة على الانتقال إلى السوق الحضاري والاستقرار داخله، تضمنت منحهم فترة سماح لمدة شهرين دون سداد الإيجار.
وأوضح أن القيم الإيجارية حُددت بصورة رمزية مراعاة لظروف الباعة، وتشجيعًا لهم على الاستفادة من الخدمات التي يوفرها السوق.
وأشار إلى أن إيجار الباكية التي تبلغ مساحتها ثلاثة أمتار يصل إلى 500 جنيه شهريًا، في حين يبلغ إيجار المحل نحو 3000 جنيه شهريًا، موضحًا أن المحال المماثلة في المنطقة المقابلة، وبالمساحة نفسها تقريبًا، يصل إيجارها إلى 6000 جنيه شهريًا.
وشدد المحافظ على أن هذه التسهيلات تأتي في إطار دعم الدولة للباعة الجائلين، وتوفير مكان مناسب لهم لممارسة أعمالهم، مع ضمان توافر الخدمات والأمان، بدلًا من البقاء على الطرق والأسفلت وسط حركة السيارات.
وأضاف أن الأوضاع استقرت بالفعل عقب نقل الباعة، وانتقلوا إلى السوق وبدأوا ممارسة أنشطتهم، كما تابع مع رئيس مجلس مدينة نجع حمادي ضرورة منع عودة الباعة إلى الشوارع، حتى لا تتجدد مظاهر العشوائية أو تتعرض سلامتهم للخطر.
جولة مفاجئة تكشف مخالفات داخل السوق الحضاري
كشف الدكتور مصطفى الببلاوي أن الأزمة ظهرت مجددًا خلال جولة ميدانية أجراها في مدينة نجع حمادي، عقب مشاركته في افتتاح مسجد بإحدى مناطق المدينة.
وأوضح أنه أثناء تحركه في طريق العودة، لفت انتباهه مشهد بائع سمك يجلس على الأسفلت، وبجواره كمية من الأسماك ومظلة قماشية بسيطة، بينما كان أحد العاملين بمجلس المدينة يتعامل معه أثناء رفع الإشغالات ونقل متعلقاته بعيدًا عن الطريق.
وأضاف المحافظ أنه توقف لمتابعة الموقف والتحدث مع العامل المسؤول، بعدما لاحظ أن التعامل مع البائع يتم بصورة غير منضبطة، وأن العامل كان يرفع متعلقاته بسرعة ويدفعه إلى الانتقال من مكانه.
وأشار إلى أنه سأل العامل عن سبب تعامله بهذه الطريقة، فأوضح له أن البائع يجلس على الأسفلت ويتسبب في إشغال الطريق، وهو ما دفع المحافظ إلى التحدث مباشرة مع البائع والاستماع إليه.
وأكد الببلاوي للبائع أن الجلوس على الأسفلت وسط حركة السيارات يمثل خطرًا على حياته، وأن المحافظة حريصة على سلامته قبل أي شيء آخر، مشددًا في الوقت نفسه على أن المخالفة لا تبرر التعامل معه بصورة غير مناسبة.
وسأل المحافظ البائع عما إذا كانت أي من متعلقاته قد تعرضت للتلف خلال الواقعة، فأجاب بالنفي، وأبدى تفهمه للموقف، فيما أوضح المحافظ أن الحفاظ على سلامة الباعة وممتلكاتهم يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من تنفيذ حملات تنظيم الشوارع ورفع الإشغالات.

محافظ قنا: تلقيت تقارير بأن الأوضاع مستقرة
أوضح محافظ قنا أنه فوجئ بما رآه على أرض الواقع، خاصة أنه كان يتلقى معلومات وتقارير تفيد باستقرار الأوضاع داخل السوق الحضاري، وتوافر الجهاز الإداري والأمني اللازم لإدارته.
وأشار إلى أن السوق يتضمن منظومة إدارية وأمنية، تشمل موظفين ومسؤولين عن البوابات والحراسة، إلى جانب العاملين المكلفين بمتابعة حركة الباعة وتنظيم العمل داخل السوق.
وجاء ذلك ردًا على سؤال مذيعة إكسترا نيوز بشأن تلقي المحافظ تأكيدات من نواب المدينة ومسؤولي الجهاز التنفيذي بأن الأوضاع تسير بصورة طبيعية، قبل أن تكشف الجولة الميدانية وجود مشكلات لم تظهر في التقارير التي وصلته.
وأكد الببلاوي أن ما شاهده أوضح وجود أخطاء من الجانبين، سواء من بعض الباعة الذين عادوا إلى ممارسة نشاطهم في الشوارع، أو من المسؤولين المكلفين بالإشراف الإداري على السوق وتنظيم العمل داخله.
وأضاف أن النتيجة كانت ظهور مظاهر عشوائية داخل السوق وخارجه، وعودة بعض الباعة إلى الأماكن التي كان من المفترض إخلاؤها بعد نقلهم إلى السوق الحضاري.
إحالة المسؤولين عن أزمة السوق الحضاري إلى التحقيق
أكد محافظ قنا أنه اتخذ قرارًا بإحالة المسؤولين المعنيين إلى التحقيق، بعد رصد أوجه القصور في إدارة السوق ومتابعة الباعة الجائلين.
وأوضح أنه شعر بالاستياء من تكرار هذه المخالفات، خاصة أن الدولة أنفقت مبالغ كبيرة لإنشاء السوق وتجهيزه، كما قدمت تسهيلات للباعة لتشجيعهم على الانتقال إليه، وكان الهدف من المشروع إنهاء العشوائية وتحقيق الاستقرار في الشوارع.
وأشار إلى أن اللجنة المختصة تحركت صباح اليوم التالي لمتابعة الأوضاع وإعادة الباعة إلى الأماكن المخصصة لهم داخل السوق الحضاري، على أن يتوجه رئيس مجلس المدينة في اليوم التالي على رأس لجنة ميدانية لاستكمال الإجراءات.
وأضاف أن المحافظة تنسق مع الجهات الأمنية ومدير الأمن لتوفير قوة شرطية داخل السوق، بما يضمن الحفاظ على الأمن والانضباط، ومتابعة التزام الباعة بالأماكن المخصصة لهم.
كما أعلن مراجعة الهيكل الإداري للعاملين بمجلس المدينة والمسؤولين عن إدارة السوق، للتأكد من كفاءة منظومة الإشراف والرقابة، وتحديد أوجه القصور ومحاسبة المقصرين.
محافظ قنا يوضح موقف الموظف الذي كشف المشكلة
تطرق الببلاوي إلى موقف الموظف الذي تحدث معه بشأن ما يحدث داخل السوق، موضحًا أن المحافظة تتيح للمواطنين والعاملين فرصة عرض المشكلات التي يواجهونها، وأن مكتبه مفتوح أمام الجميع.
وأكد أنه لا يمكن لوم أي مسؤول أو موظف لمجرد أنه يعرض مشكلة أو يلفت الانتباه إلى مخالفة، طالما أنه يتبع التسلسل الإداري الطبيعي ويحاول معالجة الأمر من خلال الجهات المختصة.
وأشار إلى أن الموظف المعني سبق أن لجأ إلى المسؤولين في جهاز المدينة أكثر من مرة، ولفت انتباههم إلى وجود أساليب تعامل وصفها بأنها تتسم بشيء من العنف، قبل أن تظهر الأزمة خلال الجولة الميدانية.
وشدد المحافظ على ضرورة التحقق من الوقائع والاستماع إلى جميع الأطراف، وعدم الاكتفاء بالروايات المنقولة، مؤكدًا أن التحقيقات ستحدد المسؤوليات، وأن الإجراءات التنظيمية ستستمر بالتوازي مع فحص الشكاوى.
تدخل أحد نواب رئيس مجلس المدينة خلال الجولة
كشف محافظ قنا أيضًا عن تدخل أحد نواب رئيس مجلس مدينة نجع حمادي خلال الموقف الذي رصده، موضحًا أن أحد المسؤولين، الذي ورد اسمه في الحديث بصورة غير واضحة باعتباره «عزت»، حاول التدخل أثناء الحوار.
وأشار إلى أنه أوقف هذا التدخل خلال مناقشة الواقعة، موضحًا أن رئيس مجلس مدينة نجع حمادي كان قد نُقل لإجراء عملية جراحية، وهو ما يرتبط بظروف إدارة العمل داخل المجلس خلال تلك الفترة.
وأكد الببلاوي أن المحافظة ستتابع مدى دقة الروايات التي قدمها مختلف الأطراف، وستتخذ الإجراءات اللازمة وفقًا لما تسفر عنه المراجعة والتحقيقات، دون أن يمنع ذلك من البدء الفوري في إعادة تنظيم السوق ومتابعة الأوضاع ميدانيًا.
إعادة تنظيم السوق ومراجعة أداء الجهاز الإداري
شدد محافظ قنا على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بمجرد توفير مكان للباعة، وإنما بكفاءة الإدارة وقدرتها على ضمان استمرار النظام الذي أُنشئ السوق من أجله.
وأوضح أن الدولة أنفقت أموالًا لتوفير محال وباكيات مجهزة، وتقديم خدمات ومرافق للباعة، لكن نجاح المشروع يتطلب التزام الباعة بالأماكن المخصصة لهم، وقيام المسؤولين بواجباتهم في المتابعة والرقابة.
وأضاف أن وجود السوق وحده لا يكفي لإنهاء العشوائية، ما لم يصاحبه تنظيم فعلي ومستمر، وتطبيق للقواعد على الجميع، ومنع عودة الإشغالات إلى الشوارع والميادين.
وأكد أن دور المحافظة يتمثل في تنظيم هذه المنظومة، والحفاظ على الاستثمارات التي أنفقتها الدولة، وضمان استفادة المواطنين والباعة من المشروع، مع تحقيق السيولة المرورية والحفاظ على المظهر الحضاري للمدينة.
إكسترا نيوز تتابع أوضاع السوق الحضاري بنجع حمادي
في ختام الحوار، رحب محافظ قنا بزيارة فريق استوديو إكسترا نيوز إلى مدينة نجع حمادي، لتصوير السوق الحضاري ومتابعة الأوضاع على أرض الواقع.
وجرى الاتفاق على وجود كاميرا إكسترا نيوز في نجع حمادي يوم الإثنين، لتفقد السوق ومتابعة نظام عمل الباعة الجائلين، والوقوف على مدى تنفيذ الإجراءات التي أعلنتها المحافظة لإعادة الانضباط.
وتأتي هذه المتابعة في إطار التأكد من عودة الباعة إلى الأماكن المخصصة لهم، وتقييم أداء الإدارة والعاملين بالسوق، ورصد نتائج التدخلات التي اتخذتها المحافظة بالتنسيق مع مجلس المدينة والجهات الأمنية.
وتؤكد تفاصيل الأزمة أن نجاح السوق الحضاري بنجع حمادي لا يتوقف على تكلفة إنشائه أو حجم الخدمات المتاحة داخله، بل يرتبط باستمرار الرقابة، وحسن إدارة المرافق، والتعامل المنضبط مع الباعة، بما يحقق الهدف الأساسي من المشروع في إنهاء العشوائية وحماية المواطنين والحفاظ على المال العام.



