أماني أبو سحلي.. أمٌّ أوجعها الثأر فاختارت التسامح وأنقذت الصعيد من شلال الدماء
لم تكن حكاية المستشارة أماني أبو سحلي، عضو مجلس النواب عن محافظة قنا، وابنة مركز فرشوط، التى توفيت صباح اليوم الجمعة مجرد قصة أم فقدت ابنها، بل كانت حكاية امرأة واجهت واحدة من أصعب لحظات حياتها بقرار استثنائي، عندما اختارت التسامح عقب مقتل نجلها الشاب ساهر، لتفتح بابا للصلح وتغلق طريقا كان ينذر بمزيد من الدماء.
كانت أماني تنتمي إلى عائلة أبو سحلي، صاحبة التاريخ المعروف في فرشوط، وعندما امتدت نيران الثأر إلى نجلها ساهر، الذي كان يدرس بالمرحلة الثانوية العامة ويحلم بالالتحاق بإحدى الكليات العسكرية مثل عدد من أقاربه، اعتقد كثيرون أن الفاجعة ستشعل جولة جديدة من العنف بين عائلتي أبو سحلي والمخالفة.
لكن المشهد جاء مختلفا.. فبدلا من أن تتحول أحزان الأم إلى رغبة في الانتقام، طالبت أماني أفراد عائلتها بالهدوء، وأعلنت الحداد على نجلها، ثم اختارت طريق العفو والتسامح، في موقف جسد قدرة استثنائية على تجاوز الألم من أجل الحفاظ على أرواح الآخرين.
وبعد رحلة إلى بيت الله الحرام، عادت لتتمسك بموقفها الداعي إلى التسامح لوجه الله تعالى، مطالبة بوقف نزيف الدم، في خطوة أسهمت في تهيئة الأجواء لإتمام الصلح بين العائلتين، وإنهاء خصومة ثأرية كانت قد خلفت وراءها العديد من الضحايا والمصابين.
وجاءت المصالحة بمشاركة رموز دينية وكبار رجال المصالحات في الصعيد، وبجهود الأجهزة الأمنية، وسط حضور الآلاف من المواطنين، في مشهد أكد أن صوت العقل والتسامح قادر على إيقاف دوائر العنف التي تهدد استقرار العائلات والمجتمعات.
شاهد على الحدث
لم تكن هذه الواقعة بالنسبة لي مجرد خبر صحفي عابر، فقد تابعت أحداثها وكتبت عنها مرارا بجريدة الجمهورية، وطالبت بتدخل وزير الداخلية بعدما تجاوز عدد الضحايا والمصابين، وفقا لما تابعته خلال الأحداث، 20 شخصا من أبناء العائلتين.
ومن هنا، فإن موقف أماني أبو سحلي يظل واحدا من المواقف الإنسانية التي تستحق التوقف أمامها؛ فالسيدة التي ذاقت مرارة فقد الابن لم تسمح للحزن بأن يتحول إلى وقود لخصومة جديدة، بل جعلت من محنتها دافعا لإنهاء الصراع وحماية أرواح الآخرين.
ولم تتوقف مسيرتها عند المصالحة، إذ واصلت أعمال الخير وخدمة أبناء الصعيد، وحرصت على إقامة أعمال خيرية على روح نجلها الراحل ساهر، كما شاركت في جهود المصالحات النسائية، وأسهمت في حل عدد من الخصومات الثأرية بمحافظات الصعيد، لتتحول تجربتها الشخصية إلى دافع للعمل من أجل السلام الاجتماعي.
وشاركها زوجها المستشار حمزة أبو سحلي هذا النهج، فكان موقفهما من المصالحة نموذجا في تغليب التسامح على الانتقام، وهو ما أكسبهما تقدير قطاعات من أبناء المنطقة، في مجتمع يدرك جيدا حجم التضحيات المطلوبة لإنهاء الخصومات الثأرية.
واستمرت أماني في العمل العام وخدمة المواطنين، حتى تم اختيارها عضوا بمجلس النواب عن القائمة الوطنية بمحافظة قنا، لتواصل مسيرتها في مساعدة الناس والسعي إلى حل مشكلاتهم، إلى جانب دورها في أعمال الخير والمصالحات.
لكن المرض أبعدها عن مواصلة مسيرتها في أواخر أيامها، بعد رحلة من المعاناة، لتبقى سيرتها مرتبطة بموقف إنساني يتجاوز حدود السياسة والعمل العام، ويطرح معنى مهما للتسامح في مجتمع عانى طويلا من آثار الثأر.
أماني أبو سحلي.. حكاية أم فقدت ابنها، لكنها رفضت أن تفقد معها أرواحا أخرى، واختارت أن يكون التسامح طريقا لإنقاذ العائلات من دوامة الدم.
إنها قصة تؤكد أن الشجاعة ليست دائما في المواجهة، وأن القوة الحقيقية قد تكون في القدرة على العفو، خاصة عندما يأتي التسامح من قلب أم فقدت أغلى ما تملك، لكنها آثرت سلامة الناس وحياتهم على استمرار الخصومة.