رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

دروس من نصر أكتوبر

بوابة الجمهورية

 

53 عامًا مرت على نصر أكتوبر، وما زال حاضرًا في وجدان المصريين، لا لأننا نعيش في الماضي، وإنما لأن بعض دروس التاريخ لا تنتهي  ابدا

فالحروب لا تُقاس بمعركة واحدة، ولا تختصر في يوم واحد. في الحروب هناك معارك تُكسب وأخرى تُخسر، وهناك جولات يتعلم منها المقاتل، ويعيد فيها الجيش ترتيب صفوفه، حتى تأتي اللحظة التي يستطيع فيها تغيير نتيجة المعركة الكبرى...ومن هذه الزاوية، يمكن أن ننظر إلى الفترة من 1967 إلى 1973 باعتبارها حربًا طويلة، بدأت بمعركة قاسية، ثم تتابعت فيها المواجهات والصمود وحرب الاستنزاف، وانتهت في أكتوبر بانتصار كبير و عظيم  أعاد لمصر أرضها وثقتها بنفسها.

كان يمكن للهزيمة أن تتحول إلى إحباط، وأن يصبح فقدان الأرض أمرًا واقعًا، وأن يتسلل اليأس إلى النفوس. لكن مصر اختارت طريقًا آخر.. أعادت بناء قواتها المسلحة، وخاضت حرب الاستنزاف، وبدأت مرحلة طويلة من التدريب والإعداد والتخطيط.

وكانت معركة رأس العش واحدة من العلامات المبكرة على أن الهزيمة لم تكن نهاية الطريق، وأن الجيش المصري قادر على الصمود والمواجهة. ثم جاءت حرب الاستنزاف بما شهدته من عمليات ومعارك لتصبح مرحلة مهمة في إعادة بناء القوات المسلحة واستعادة الخبرة والثقة.

وهنا ربما يكون الدرس الأول الذي يجب أن نتعلمه من أكتوبر: الهزيمة في معركة لا تعني هزيمة الحرب.

قد يخسر الإنسان جولة، وقد تتعثر الدولة في مرحلة، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الخسارة إلى قناعة بالعجز.

مصر بعد 1967 لم تتعامل مع ما حدث باعتباره نهاية التاريخ، وإنما تعاملت معه باعتباره واقعًا يجب تغييره. ولهذا لم يكن السادس من أكتوبر وليد لحظة عابرة، ولم تكن الساعة الثانية ظهرًا بداية القصة. كانت هناك سنوات من العمل والتدريب والتخطيط ودراسة العدو وإعادة بناء القوات وانتظار اللحظة المناسبة.


والجندي الذي عبر قناة السويس في أكتوبر 1973 لم يبدأ تدريبه في صباح السادس من أكتوبر، والخطة التي تحركت بها القوات لم تولد في ليلة واحدة، والسلاح وحده لم يصنع النصر. كان وراء العبور عقل يخطط، وجندي يتدرب، وقائد يتخذ القرار، ومؤسسة عسكرية أعادت بناء نفسها، وأمة تحملت سنوات طويلة من الانتظار والعمل والتضحيات.

وهنا نصل إلى درس ربما نحتاج إليه بشدة في زمننا الحالي: لا يوجد انتصار كبير بلا صبر. بين يونيو 1967 وأكتوبر 1973 ست سنوات، لكنها لم تكن سنوات انتظار. كانت سنوات قتال وإعداد وإعادة بناء واستعادة للثقة.


نحن نعيش اليوم في زمن يريد فيه البعض كل شيء سريعًا.. نجاحًا سريعًا، ومالًا سريعًا، وشهرة سريعة، ونتائج قبل أن يبدأ العمل أصلًا. ويأتي أكتوبر ليقول لنا: تمهلوا قليلًا.. الأشياء الكبيرة تحتاج وقتًا... أن التنافس في عالم اليوم يحتاج إلى التعليم والعلم والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي، قبل ذلك إلى الإنسان القادر على تحويل كل هذه الإمكانات إلى نتائج. وكذلك الفرد.. ولا يمكن أن  يتحقق النجاح دون أن يدفع ثمنه عملًا ووقتًا وصبرًا.

 

بعد 1967 لم تكن المشكلة في الأرض وحدها، وإنما كانت هناك معركة أخرى داخل الإنسان نفسه.. معركة استعادة الثقة. ومع كل مواجهة وكل عملية وكل خطوة في طريق إعادة البناء كانت هذه الثقة تعود تدريجيًا، حتى جاء أكتوبر ليقدم الإجابة على الأرض.

لم يكن العبور مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى، وإنما كان عبورًا من حالة نفسية إلى حالة أخرى.. من سؤال: هل نستطيع؟ إلى إجابة واضحة: نعم.. نستطيع.

ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يتحول إلى أغنية قديمة وصورة بالأبيض والأسود وخطاب محفوظ نردده كل عام. نحن بحاجة إلى أن نقرأ أكتوبر بعين الحاضر، وأن نسأل أنفسنا: ماذا نفعل عندما نواجه أزمة؟ هل نستسلم لأول خسارة؟ هل نريد النتيجة قبل أن نبدأ الطريق؟ وهل نبحث دائمًا عن الحل السريع بينما المشروعات الكبرى تحتاج إلى سنوات من العمل؟

هذه هي قيمة أكتوبر الحقيقية. أن نتذكر النصر، نعم، لكن الأهم أن نتذكر كيف وصلنا إليه...فأكتوبر لم يبدأ في السادس من أكتوبر 1973. بدأت قصته في 1967، بمعركة قاسية، ثم بمعارك صمود، ثم بحرب استنزاف، ثم بإعادة بناء وإعداد وتخطيط، حتى جاءت اللحظة التي استطاعت فيها مصر أن تحقق النصر الكبير.

ولذلك ربما تكون إحدى أهم رسائل أكتوبر أن التاريخ لا يكتب فقط أسماء المعارك التي انتصرنا فيها، وإنما يحتفظ أيضًا بالمعارك التي علمتنا كيف ننتصر.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة