في كلمة تحمل قدراً كبيراً من الدلالة الأخلاقية والإنسانية، وجّه فخامة الرئيس رسالة واضحة إلى كآفة المصريين ومسؤولي الدولة، محذراً من آفة قد تصيب الإنسان والمجتمع من حيثُ لا يشعر، قائلًا: "انتبهوا جميعاً من الاستعلاء بالوظيفة أو بالدين أو بالاستقامة".
ولعل أهمية هذه الرسالة أنها لا تتعلق بالوظيفة وحدها، ولا بأصحاب المناصب، وإنما تمس سلوك الإنسان في حياته اليومية، حين تتحول المنحة التي أُعطيت له إلى شعور بالتفوق على الآخرين.
فالوظيفة في أصلها تكليف ومسؤولية، وليست امتيازاً يضع صاحبها فوق البشر، والمنصب العام لا يمنح صاحبه حق التعالي على زملائه أو المواطنين، وإنما يحمّله واجب الاستماع إليهم، واحترامهم، والعمل على خدمة مصالحهم في إطار القانون والإنسانية، وقد شدد فخامة الرئيس في كلمته على أن المسؤولية تجاه الزملاء والمرؤوسين تقتضي التواصل معهم والاستماع إليهم، لا استخدام الموقع الوظيفي لإسكاتهم أو التقليل منهم.
أما الاستعلاء بالدين أو بالاستقامة، فهو أكثر دقة وخطورة، لأن التدين والاستقامة قيمتان عظيمتان حين تنعكسان تواضعاً ورحمة وحسناً في التعامل، لكنهما تفقدان معناهما حين تتحولان إلى وسيلة للحكم على الآخرين أو الشعور بالتفوق والتعالى عليهم.
وهنا تبرز قيمة قرآنية شديدة الوضوح: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فالإنسان مُطالب بإصلاح نفسه، وليس بمنح نفسه صكاً للحكم على قلوب الناس ونواياهم.
فالاستعلاء يبدأ غالباً من فكرة صغيرة فحواها "أنا أفضل من غيري" ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئاً، ليصبح المنصب مبرراً للتعالي، ويصبح التدين مبرراً للإدانة، وتصبح الاستقامة المزعومة مبرراً لاحتقار من يختلف فكراً أو يُخطئ.
إن مصر في حاجة إلى ثقافة عامة تُعلي من قيمة التواضع، وتؤكد أن قوة المسؤول ليست في قدرته على فرض صوته، وإنما في قدرته على الاستماع، وأن قيمة المتدين ليست في إدانة الآخرين، وإنما في أثر تدينه على أخلاقه ومعاملاته، وأن الاستقامة الحقيقية تبدأ من محاسبة الإنسان لنفسه قبل محاسبة غيره.
وفي النهاية، فإن المنصب عابر، والرتبة عابرة، والمظاهر عابرة، أما ما يبقى فهو أثر الإنسان الذي يتركه خلفه، وكلما ارتفعت المسؤولية، ازدادت حاجته إلى التواضع، لأن المكانة الحقيقية لا تصنعها الوظيفة، ولا المظهر، ولا ادعاء الاستقامة، وإنما يصنعها العمل الصالح، والعدل، واحترام الآخرين، والقدرة على خدمة الناس دون استعلاء.
تلك هي الرسالة الأوسع في التحذير من الاستعلاء، أن ما نملكه من سلطة أو معرفة أو مكانة ليس شهادة تفوق على الآخرين، وإنما أمانة واختبار.