قهوة الصباح
عدم القدرة على التنبؤ، عدم القدرة على رسم سيناريوهات للخروج من الأزمة، عدم القدرة على وضع خطط واضحة لمجابهة الصراعات اقتصاديا، عدم القدرة على الخروج من الغيمة التى تحجب الرؤية أمتار إلى الأمام، عدم القدرة على الخروج من موجة الضباب الكثيف، إذن نحن نعيش عالم اللايقين بامتياز، فالخوف المستباح والقلق الواجب والحذر المستمر هو سيد المواقف جميعها، كنت أظن – وبعض الظن إثم – أن اللايقين هو آفة مجتمعاتنا التى تعانى من شح المعلومات المؤكدة وندرة الكفاءات التى تستطيع أن تقرأ ما وراء السطور، ولكن جاء تقرير مؤسسة جيه بى مورجان ليمثل لى نوبة صحيان وجرس إنذار، لسنا وحدنا الذين نعجز عن التنبؤ، فلأول مرة فى التاريخ تخرج تلك المؤسسة الكبيرة عن وقارها ورسوخها وترفع الراية البيضاء مستسلمة أمام الكتل الضبابية التى تغلق المشهد، جيه بى مورجان كان يفترض أن الضغوط الاقتصادية ستضع سقفًا للحرب وتدفع واشنطن إلى التهدئة، لكنه يقول الآن إنه لا يرى حدودًا واضحة للتصعيد. ولذلك أصبحت المتغيرات مفتوحة، هل يستمر تعطل الملاحة فى مضيق هرمز؟ هل تتعرض منشآت أو خطوط أنابيب إضافية للهجوم؟ هل تتسع الحرب جغرافيًا؟ هل يؤدى ارتفاع الأسعار إلى تدمير الطلب وركود عالمي؟ أم يحدث انفراج سياسى مفاجئ يعيد الأسعار إلى الهبوط؟
البنك يقدّر القيمة العادلة لبرميل برنت بنحو 90 دولارًا، بينما تجاوز السعر فى السوق 100 دولار؛ أى إن الفارق يمثل ما يمكن تسميته علاوة الخوف الجيوسياسي. كما يقدّر اضطراب الإمدادات بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، لكنه لاحظ أن انخفاض الطلب العالمى خفف جزئيًا من حدة الصدمة، بيد ان أخطر ما فى التقرير ليس توقع سعر النفط، وإنما اعتراف واحدة من أكبر المؤسسات المالية فى العالم بأن أدوات التنبؤ التقليدية تعطلت، لأن السعر لم يعد تحكمه معادلات العرض والطلب وحدها، بل الصواريخ والمضائق والقرارات المفاجئة. وهذا يفرض على مصر إدارة الموازنة والطاقة وسعر الصرف وفق سيناريوهات متعددة وهوامش أمان واسعة، لا وفق رقم وحيد لسعر البرميل، الولايات المتحدة عاجزة أيضاً عن وضع نهاية للحرب فى الخليج وعاجزة بالتبعية عن فتح مضيق هرمز، وهى تنتظر انفراجة ما نتيجة حصار إيران الاقتصادي، وجدت تمدد إيرانياً يصل إلى مضيق باب المندب ليعلن الحوثيون سيطرتهم على مدخل البحر الأحمر ومن ثم إغلاق الدائرة النفطية كاملة مما رفع سعر برميل الخام إلى سقف الخطر وهو فوق المائة دولار، هذا أدى إلى خلق أزمة حلزونية أدت لارتفاع نسبة التضخم وبدأ سعر لتر البنزين يصل إلى دولار وعشرين سنتا داخل أمريكا ووصل فى نفس الوقت سعر لتر الديزل إلى دولار وسبعين سنت، الفيدرالى الأمريكى لم ينتظر مواطنات سياسية وسارع برفع سعر الفايدة لمواجهة موجات التضخم القاتلة، وتبعه البنوك الأوروبية واليابانية والخليجية مما خلق حالة ذعر مالى عالمى وموجة تضخمية لا يعلم أحد حدودها وتوقيتاتها، أما التأثيرات المباشرة على مصر فهذا موضوع آخر يستحق مقالا من بابه، غداً نلتقي.