لا تفهمونا غلط
تتوارى خلف العناوين البرّاقة دائماً حقائق أكثر تعقيداً وأشد خطورة، خاصة عندما يُعاد تدوير الشعارات المدنية في أروقة العواصم الأوروبية لتصبح مجرد ساتر ينظم حركة الأموال والأجندات المشبوهة. إن التحول الظاهري في سلوك التيارات الإخوانية الراديكالية للاندماج في أطر حقوقية ليس صدفة سياسية، بل هو انعكاس لمأزق عميق يبدأ من محاولة غسيل الأموال السياسية وتوظيفها للنيل من أرض الكنانة، ولا ينتهي عند التخفي خلف الواجهات المستحدثة بحثاً عن طوق نجاة بعد انحسار شرعيتها في الشارع.
أقف اليوم أمام ظاهرة تتجاوز في خطورتها مجرد التجمع السياسي العابر، لأحذر من خطورة مؤتمرات التمويل المشبوه في الخارج، والتي لم تعد سوى منصات لتمرير المال السياسي وتوجيهه لخدمة أجندات تستهدف الوعي القومي المصري وتماسكه. إن هذه الفعاليات التي تدار في الغرف المغلقة برعاية جهات خفية تعتمد على تجنيد الأدوات الواهمة وتسخيرها لضرب الاستقرار الداخلي، خاصة أنني أعرف جيداً كثيراً من الشخصيات التي تتصدر المشهد، وأراهم يتحركون وفق أطر موجهة ومصممة بعناية في دوائر خارجية، محركين بدوافع تتجاوز بكثير ما يدعونه من مبادئ وطنية.
إن المتأمل لأهداف هذا التجمع الذي ينظمه الإخوان تحت ستار مدني، يدرك بوضوح حجم الخيانة الوطنية في أجنداتهم؛ فهم لا يسعون إلا لتوفير ممر آمن لتمويلاتهم مجهولة المصدر، وفك الحصار الأمني والقانوني المفروض على تنظيمهم في أوروبا، فضلاً عن كسب شرعية دولية زائفة عبر اختراق المؤسسات الغربية. إن هدفهم الأسمى ليس الإصلاح ولا الحريات كما يروجون، بل توفير مظلة حماية لرموز سقطت شعبياً وسياسياً، واستغلال المساحات المتاحة للطعن في مؤسسات الدولة المصرية والترويج لمشروع يتصادم كلياً مع المصلحة القومية والسيادة الوطنية.
ومن المؤسف حقاً في هذا السياق أنني أرى دعوات متزايدة يقودها أيمن نور وغيره تزعم الحديث عن أحقية العودة للوطن، وهنا لابد أن ندرك جميعاً بأعلى درجات الوعي أن خلف هذه الدعوات تقف مؤسسات حقوقية ومراكز ضغط أجنبية في محاولة خبيثة لكسب أرضية جديدة وتوفير غطاء إنساني لتلك الرموز التي باعت الوطن بثمن بخس. إن طرح مثل هذه المبادرات لا ينفصل إطلاقاً عن تحركات التنظيم الدولي للإخوان، إذ يأتي انعقاد ما يسمى بالمؤتمر الوطني الأول في هولندا كحلقة جديدة للالتفاف على التضييقات التشريعية لمكافحة الإرهاب وتجفيف منابع التمويل، عبر التستر خلف كتل حقوقية وتكنوقراطية وهمية للوصول إلى الفضاء الإعلامي الغربي من أبواب خلفية ومن الأبواب التي تفتح لهم.
وقد تابعت بكثير من التأمل والتحليل كواليس مؤتمر هولندا التي فضحت الواقع المؤلم لهذه التحركات، وكيف تحولت المنصات المخصصة للهجوم على الدولة المصرية إلى مسرح هزلي مباشر لكشف أوراق التبعية لجهات خارجية واستخباراتية. لقد انشغل المنظمون بجمع شتات الشخصيات المقيمة في الخارج وتوفير الميزانيات الضخمة لإقامة فعالية معارضة في ظاهرها، لكن الرصد الدقيق للخطابات كشف عن حالة من الفوضى وفقدان السيطرة، حيث سقطت الرواية المصنوعة في التناقض المباشر عندما صعد بعض المشاركين لتقديم شهادات حية عن تفاصيل تنقلاتهم برعاية منظمات دولية اتضح أنها تفرض قيوداً صارمة على خطابهم، وشمل ذلك المنع المباشر والصريح من التطرق للقضايا القومية المصيرية وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني والعدوان على غزة، خاصة وأن المحرك لهذه الفعاليات واحد، يعرف كيف يتلاعب بعرائس الماريونيت.
وهنا تحوّل مؤتمر لاهاي إلى فضيحة كبرى لمنظميه والمشاركين فيه؛ فالفضيحة لم تأتِ من خصوم المؤتمر، وإنما خرجت من داخله .. حين تحدث عبد الرحمن طارق، الشهير بـ"موكا" في المؤتمر نفسه، وكشف ـ بحسب روايته ـ عن علاقات واتصالات مع أطراف إسرائيلية وأجهزة استخباراتية، وعن جانب من تحركات تنظيم الإخوان وتركيزه على إسقاط الدولة المصرية. وهنا تصبح المفارقة أكثر صداماً: مؤتمر يرفع شعار "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، وهنا تتجلى المفارقة في أبشع صورها؛ ففي الوقت الذي تتزين فيه منصات "لاهاي" بشعارات براقة عن حقوق الإنسان والديمقراطية، تصدر من أروقتها المغلقة نداءات التحريض المباشر ضد مصر وشعبها ومؤسساتها! إنها ازدواجية مقيتة تجسد حجم الفصام السياسي الذي يعيشه هؤلاء؛ فقد ذهبوا إلى تلك العاصمة الأوروبية مستميتين لرسم صورة تجميلية واهية عن أنفسهم أمام العالم، فإذا بالشهادات الصريحة التي خرجت من قلب المؤتمر تهدم هذا المعبد المزيف على رؤوسهم، وتفضح واقعهم المعرى للجميع.
إنني أرى في هذه الشهادات العلنية المعلنة أمام الكاميرات في قلب هولندا، بالتوازي مع المبادرات المطروحة حول العودة والتصالح، إثباتاً قاطعاً على ارتهان هؤلاء الأدوات لأجندات خارجية تمنحهم مساحات الحركة بشرط الامتثال الكامل لخطوطها الحمراء، وهو ما حول هذا التجمع في نظري من ندوة سياسية إلى جلسة اعترافات مجانية تفضح آليات التجنيد والاشتراطات التي تحكم عمل هذه الشبكات. وتؤكد لي الحقائق أن استغلال شعارات حقوق الإنسان ودعوات المواطنة وتخليص الوطن والمواطن يتهاوى سريعاً عند أول اختبار حقيقي للسيادة الوطنية واستقلالية القرار، حيث ترتبط هذه التحركات بآلية إنفاق مالي تديرها قيادات تقتصر مهمتها على تنفيذ التوجيهات ورسم الاستراتيجيات الإعلامية الموجهة ضد أمن الوطن.
ولاحظت كيف يتجلى الانهيار السياسي والتكتيكي لهذه المجموعات في تحول فعالياتها إلى مادة للتندر والسخرية لدى الرأي العام والجمهور المتابع، نظراً للافتقاد الكامل للرؤية الوطنية الغارقة في صراعات التمويل الداخلي بين أجنحة التنظيم المتصارعة، مما يجبر هذه الشبكات على تقديم التنازلات المتوالية وتلقي الدعم من كيانات تحركها مصالح تتعارض كلياً مع ثوابت الأمة. إن قراءة المشهد برمته تؤكد أن الوعي الجمعي بات يستوعب أبعاد هذه الألعاب السياسية والمناورات الحقوقية.
وقد زاد من تخبط هذا المشهد وانكشاف أهدافه الخبيثة موجة اعتذارات بالجملة أعلنتها عدة كيانات وشخصيات حقوقية بارزة رفضت المشاركة في المؤتمر منذ اللحظات الأولى، بعدما أدركت بوضوح أن الفعالية ليست سوى غطاء سياسي مُفبرك لمشروع إخواني يستهدف إعادة التموضع الغربي عبر التمويل المشبوه. وجاء هذا الرفض الحقوقي الصريح تجنباً للتورط في أجندات مأجورة تفقد هذه المؤسسات مصداقيتها الدولية، ولرفضها الصريح لعب دور "عرائس الماريونيت" في مسرحية تُساق فيها الشعارات الحقوقية كسلعة في سوق المزايدات، وهو ما شكّل ضربة قاصمة لمنظمي المؤتمر وأكد انحسار واجهاتهم المدنية المستعارة قبل أن تبدأ أولى جلساتهم.
إن التاريخ السياسي لا يرحم الكيانات التي تبيع قرارها في سوق المزايدات الدولية، وما شهدناه في هولندا لم يكن مجرد مؤتمر فاشل أو كبوة تنظيمية عارضة، بل كان إعلاناً صريحاً لسقوط آخر الأقنعة التي تحتمي بها هذه الشبكات لسنوات طويلة. إن الرهان على غسيل الأموال السياسية وتلفيق الواجهات الحقوقية قد وصل إلى نهايته الحتمية أمام صخرة الوعي الجمعي والشعوري للشارع المصري والعربي، ليثبت للجميع أن من يرتضِ أن يكون أداة في يد الآخرين سيظل رهيناً لأجنداتهم، وسينتهي به المطاف مطروداً من ذاكرة الوطن، مجرداً من أي مشروعية، شاهداً بنفسه على انحسار ظله وسقوط واجهاته المستعارة إلى غير رجعة.
مصطفى البلك
[email protected]