رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لم تعد المشكلة في عصرنا أن تصل إلينا الأخبار متأخرة، بل ربما أصبحت المشكلة الأكبر أن تصل إلينا الأخبار أسرع من قدرتنا على التحقق منها.

فمع اتساع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كل شخص قادرًا على نشر معلومة، أو إعادة تداول خبر، أو التعليق على حدث، حتى وإن لم يكن يمتلك المعرفة الكافية بتفاصيله أو مصدره.
وبين الخبر الصحيح والتحليل الشخصي، وبين المعلومة الموثقة والشائعة، تضيع أحيانًا الحقيقة وسط سيل من التفاعلات والانفعالات.

وتبقى مسؤولية الإعلام الحقيقي أكبر من مجرد السبق أو جذب المشاهدات، فالمصداقية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بكثرة التداول، ولا بارتفاع التفاعل، وإنما بسلامة المعلومة، ووضوح مصدرها، ودقة نقلها، والقدرة على توثيقها.
كما أن النقد لا يعني التشكيك في كل شيء، والحرص على التحقق لا يعني رفض الخبر، وإنما يعني احترام الحقيقة قبل إصدار الحكم.

ومن أخطر الظواهر أن ينجرف البعض وراء ما يوافق ميوله أو يثير مشاعره، فيشارك الخبر قبل أن يسأل عن مصدره، ويصدق الشائعة لمجرد أنها منتشرة، وكأن كثرة تداول المعلومة أصبحت دليلًا على صحتها، والحقيقة أن انتشار الخبر لا يمنحه المصداقية، كما أن غرابته لا تجعله حقيقة.

لذلك، نحن في حاجة إلى ثقافة مختلفة في التعامل مع الأخبار، أن نتوقف قليلًا قبل المشاركة، وأن نبحث عن المصدر الأصلي، وأن نميز بين الخبر والرأي والتفسير، وأن نسأل عن الدليل والتوثيق، وأن نقارن المعلومات بالمصادر الموثوقة كلما كان ذلك ممكنًا.

وفي القضايا التي تحتاج إلى معرفة متخصصة، من الحكمة أن نترك مساحة لأهل الخبرة والاختصاص؛ فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون خبيرًا في الإعلام والاقتصاد والطب والقانون والسياسة وكل مجالات الحياة، فالحكمة أحيانًا ليست في أن يكون لنا رأي في كل شيء، وإنما في أن نعرف متى نتحدث، ومتى نستمع، ومتى نترك الأمر لمن يملك المعرفة والأدوات اللازمة للحكم عليه.

الإعلام المسؤول شريك في حماية وعي المجتمع، والمتلقي الواعي شريك في حماية الإعلام من الانحراف نحو الإثارة والشائعات. وبين الطرفين تظل هناك قاعدة بسيطة تستحق أن نتذكرها دائمًا ألا وهي "لا تنقل كل ما تسمع، ولا تصدق كل ما يُنشر، ولا تحكم قبل أن تعرف المصدر والدليل".

فالكلمة حين تُنشر قد يصعب استرجاعها، والمعلومة غير الدقيقة قد تترك أثراً أكبر من حجمها، أما التثبت والتروي فهما أبسط طريق لحماية الحقيقة، وحماية الناس، وحماية ثقتنا في بعضنا البعض.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة