معا للمستقبل
من المحرر إلى رئيس المؤسسة.. حين يصبح المنصب مسؤولية
لم أدخل الصحافة بحثًا عن منصب، ولم أتصور يومًا أن الطريق الذي بدأته بمحرر شاب يستقل الأتوبيس كل صباح إلى إحدى الوزارات بحثًا عن خبر، سينتهي بي إلى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة صحفية عريقة. كنت أبحث عن الخبر، وعن متعة الوصول إليه قبل غيري، وعن ذلك الشعور الذي ينتاب الصحفي عندما يرى اسمه تحت موضوع يعرف أنه سيترك أثرًا.
ومضت السنوات. انتقلت من محرر إلى رئيس قسم، ثم نائب لرئيس التحرير، ثم نائب أول، ثم رئيس للتحرير، إلى أن أصبحت رئيسًا لمجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر عام 2009.
كانت رحلة طويلة، لكنها لم تكن رحلة وراء المناصب بقدر ما كانت رحلة وراء المهنة. ولهذا لم أخجل يومًا من القول إنني كنت سعيدًا جدًا وأنا محرر. وظلت سعادتي بالعمل حاضرة وأنا رئيس قسم، ثم نائبًا لرئيس التحرير. أما عندما أصبحت رئيسًا لمجلس الإدارة، فلم أشعر بالسعادة نفسها.
اكتشفت أن المنصب، مهما بدا براقًا في عيون الناس، يحمل أعباء لا يراها أحد من الخارج: قرارات ومسؤوليات وحسابات ومصالح متشابكة، وأحيانًا قرارات تعرف أنها ضرورية، وإن كانت ثقيلة على النفس.
وهنا تعلمت درسًا ظل معي: كلما ارتفع الإنسان في سلم المناصب، اتسعت دائرة المسؤولية وضاق هامش الراحة.
وكان اختياري رئيسًا للمؤسسة مفاجأة لي. لم أكن عضوًا في الحزب الوطني، ولا في لجنة سياساته. لكنني اكتشفت بعد ذلك أن الراحل صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى آنذاك، كان يتابع أداءي من بعيد، خصوصًا ما يتعلق بالمساهمة في زيادة دخل المؤسسة، ونجاح كتاب الجمهورية الذي استطعت تحويله من خسارة إلى مكسب كبير.
وفوجئت ذات يوم باتصال منه. طرح عليّ أسئلة كثيرة عن تطوير المؤسسة، وكيفية التعامل مع رؤساء التحرير الذين يكبرونني سنًا، وإمكانية ضم جريدة الرأي إلى المؤسسة.
ثم أنهى المكالمة مؤكدًا أن الأمر سري، وأن أعتبرها كأنها لم تحدث، لأن موضوع تعييني رئيسًا لمجلس الإدارة كان لا يزال معروضًا على الرئيس مبارك.
وبعدها صدر القرار. وأبلغني به مبكرًا الدكتور مفيد شهاب، رحمه الله رحمة واسعة.
توليت المسؤولية، واستطاعت المؤسسة أن تحقق أرباحًا في النشاط الجاري خلال العامين اللذين توليت فيهما المسؤولية.
ثم جاءت أحداث يناير، وتغير كل شيء. تبدلت الوجوه، واضطربت المؤسسات، وانتشرت الفوضى، وتصاعدت المطالبات بتغيير القيادات الصحفية التي عينها مبارك، وكنت واحدًا منها.
وجاء اجتماع الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء آنذاك، مع القيادات الصحفية القومية والحزبية والخاصة، وعدد من قيادات وسائل الإعلام.
ويومها قلت أمام الجميع إنني تقدمت باستقالتي إلى رئيس المجلس العسكري ثلاث مرات، أنا والزميل عبد القادر شهيب، وكان الرد: ابقوا في مواقعكم، وهناك أربعة رؤساء تحرير فقط سيغادرون مواقعهم.
لكنني كنت قد اتخذت قراري.
طلبت من الزملاء أن يحذوا حذونا، لأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى دماء جديدة، ولأننا نستطيع باستقالتنا أن نسهم في استقرار البلد.
ساد الصمت.
لم يتقدم أحد بالاستقالة غيري أنا وعبد القادر شهيب. أما الزميل عبد الله كمال فقال بوضوح: «لن أستقيل، وإذا أرادوا أن يقيلوني فليُقيلوني».
ومضت الأيام، وكانت استقالتنا تمهيدًا لإقالة بقية القيادات الصحفية التي كانت متمسكة بمواقعها.
ولو عاد بي الزمن، لاتخذت القرار نفسه مرة أخرى، مهما كانت تبعاته. لأنني كنت أرى أن المنصب ليس ملكًا لصاحبه، وأن بعض اللحظات تحتاج إلى أن يتقدم الإنسان خطوة إلى الخلف حتى لا تقف المؤسسة كلها في مكانها.
وعندما أنظر اليوم إلى الرحلة، لا أتذكر المكاتب الكبيرة ولا الألقاب بقدر ما أتذكر الممرات وغرف الأخبار وضجيج المطابع ورائحة الورق وقلق اللحظة التي تسبق صدور العدد.
أتذكر الصحفي الشاب الذي كان يركض وراء سبق، ويعرف أن خبرًا جيدًا يستحق أن يتعب من أجله، ذكرت أول تحقيق نشر لي باسمي بعنوان "الأطباء يخطئون والقانون لا يعاقبهم".
تغيرت المكاتب، وتغيرت الألقاب، وتغيرت المسؤوليات، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: حب المهنة.
وربما كانت تلك هي الحقيقة الأهم التي خرجت بها من نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة: أن المنصب قد ينتهي، والمكتب قد يتغير، والكرسي قد ينتقل إلى غيرك، لكن المهنة إذا سكنت الإنسان لا تغادره.
لقد بدأت الرحلة بقلم في يد محرر شاب، وانتهت بي إلى مكتب يحمل مسؤولية مؤسسة كاملة. وبين البداية والنهاية تعلمت أن قيمة الإنسان ليست في ارتفاع كرسيه، وإنما في الأثر الذي يتركه وهو جالس عليه.
ولهذا، حين أستعيد سنوات العمر، لا أشعر أنني عشت رحلة من منصب إلى منصب، بقدر ما عشت رحلة طويلة وراء الصحافة.
وما زلت أرى أن أجمل المناصب جميعًا كان ذلك الذي بدأت منه: محررًا يحمل قلمًا، ويبحث عن خبر.