رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة ليست مجرد احتفال بسبعين عاما من العلاقات المصرية الصينية.

إنها لحظة تكشف كيف يمكن أن يتغير معنى الجغرافيا عندما توجد دولة تعرف كيف تستخدمها.

فمصر لم تختر موقعها.

لكنها تستطيع أن تختار ماذا تفعل به.

وهذا ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه الزيارة كلها.

لم يكن المشهد في المتحف المصري الكبير مجرد صورة بروتوكولية لرئيسين يتجولان بين آثار حضارة عمرها آلاف السنين.

كان في المشهد شيء أبعد من ذلك بكثير.

رئيس مصر، الدولة التي وقفت طويلا عند ملتقى القارات والحضارات، ورئيس الصين، الدولة التي تحولت خلال عقود قليلة إلى أحد أكبر مراكز الصناعة والتكنولوجيا في العالم، يقفان أمام تاريخ لا يزال حاضرا، بينما يدور الحديث عمليا حول المستقبل.

وربما كانت هذه هي الصورة الأكثر اختصارا للعلاقة نفسها.

مصر تملك التاريخ والموقع.

والصين تملك قدرة صناعية وتكنولوجية هائلة.

وبين الاثنين يمكن أن تكتب قصة مختلفة تماما، إذا عرفت القاهرة كيف تحول الجغرافيا إلى إنتاج، والإنتاج إلى نفوذ.

فمن السهل أن نتعامل مع زيارة الرئيس الصيني باعتبارها مناسبة سياسية مهمة، أو احتفالا بمرور سبعين عاما على العلاقات الدبلوماسية، أو فرصة للإعلان عن اتفاقات ومذكرات تفاهم جديدة.

لكن الزيارات الكبرى لا تقرأ بالصور وحدها

وراء كل زيارة من هذا النوع حسابات للمصالح، وخرائط للنفوذ، وتقديرات للمستقبل.

وحين تأتي الصين إلى مصر، فإنها تأتي إلى دولة تعرف جيدا أن قيمتها لا تختصر في حجم سوقها.

مصر تقع عند واحدة من أهم نقاط العالم.

قناة السويس تربط مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والبحر الأحمر أحد أهم شرايين الملاحة الدولية.

ومصر نفسها بوابة إلى أسواق عربية وأفريقية ومتوسطية واسعة.

وفوق الجغرافيا تأتي السياسة.

مصر دولة محورية في الشرق الأوسط، حاضرة في ملفات فلسطين والسودان والبحر الأحمر، وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات ممتدة مع الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي وأفريقيا وآسيا.

ولهذا فإن القاهرة بالنسبة إلى بكين ليست مجرد سوق.

إنها منصة.

والأهم أن مصر لم تعد تتحدث عن هذه المنصة باعتبارها احتمالا نظريا فقط.

فعلى امتداد السنوات الماضية بدأت تتشكل حول قناة السويس بنية اقتصادية مختلفة عن الصورة التقليدية للممر الملاحي.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تضم ستة موانئ بحرية وأربع مناطق صناعية رئيسية هي السخنة وشرق بورسعيد والقنطرة غرب وشرق الإسماعيلية “وادي التكنولوجيا”.

ومن يوليو 2022 حتى فبراير 2026 شهدت المنطقة تنفيذ 378 مشروعا في القطاعات الصناعية والخدمية واللوجستية، مع توفير أكثر من 138 ألف فرصة عمل، إلى جانب 14 مشروعا لتطوير الموانئ البحرية.

أي أننا لا نتحدث فقط عن طموح لأن تصبح منطقة قناة السويس مركزا للصناعة واللوجستيات.

جزء من هذا التحول بدأ بالفعل على الأرض.

وهنا تحديدا يصبح السؤال المصري أكثر طموحا.

إذا كانت الصين ترى في مصر منصة، فكيف نستخدم هذه المنصة لبناء قوة مصرية؟

هذه هي القضية.

فليس السؤال كم مصنعا صينيا سيقام في مصر.

بل كم صناعة مصرية ستنشأ حول هذه المصانع.

وليس السؤال كم استثمارا سيأتي من الصين.

بل كم قيمة مضافة ستبقى داخل الاقتصاد المصري.

وليس السؤال كم منتجا صينيا سيدخل السوق المصرية.

بل كم منتج مصنوع في مصر يمكن أن يجد طريقه إلى السوق الصينية وإلى أسواق أخرى.

وهذا السؤال الأخير لم يعد مجرد طموح نظري.

فالبيان المشترك المصري الصيني تحدث صراحة عن العمل لتحقيق مزيد من التوازن في التجارة، وتشجيع دخول المزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية.

وهنا يصبح الاختبار واضحا.

هل تتحول الصين بالنسبة إلى مصر من أحد أكبر مصادر الواردات إلى سوق أوسع أيضا للإنتاج المصري؟

هذا هو الفارق بين دولة تستقبل الاستثمار، ودولة تستخدم الاستثمار لتغيير موقعها الاقتصادي.

وأفضل مكان يمكن أن نرى فيه هذا الاختبار هو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ففي السخنة لم تعد الشراكة الصناعية المصرية الصينية مجرد مشروع على الورق.

هناك بالفعل منطقة “تيدا - مصر” للتعاون الاقتصادي، التي أصبحت واحدة من أوضح نماذج الاستثمار الصناعي الصيني داخل مصر، ووصل حجم الاستثمارات الصينية بها وفقا للبيانات المعلنة في 2024 إلى نحو ملياري دولار، من خلال وجود نحو 150 شركة تعمل في قطاعات صناعية ولوجستية متعددة.

هذه المصانع والمنشآت ليست تفصيلا صغيرا في القصة.

هي دليل على أن فكرة تحويل الموقع المصري إلى منصة إنتاج بدأت تأخذ شكلا ماديا.

ولهذا يكتسب إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارة شي جين بينج الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية تتجاوز إضافة مساحة صناعية جديدة.

فالمرحلة الجديدة تستهدف قطاعات مثل الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والمنسوجات والألياف الكيماوية.

والأهم أن الرئيس السيسي وضع المسألة في إطار أكبر حين أكد أن “توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا” يمثلان أولوية في التعاون بين البلدين.

هذه العبارة تحديدا تستحق التوقف أمامها.

لأنها ترسم الفارق بين نوعين من الاستثمار.

استثمار يأتي برأس المال والمصنع ثم يظل منفصلا عن الاقتصاد المحلي.

واستثمار يترك وراءه صناعة ومهارة وتكنولوجيا وشركات محلية قادرة على الدخول في سلسلة الإنتاج.

النوع الثاني هو الذي يصنع القوة.

والقنطرة غرب تقدم بدورها نموذجا آخر على أن النشاط الصناعي حول القناة لم يعد محصورا في السخنة.

فبحلول يونيو 2026 بلغ عدد المشروعات الصناعية والخدمية واللوجستية بها 53 مشروعا، باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 1.48 مليار دولار، مع عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة المستهدفة، وتركز واضح في صناعات المنسوجات والملابس الجاهزة والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.

وهنا تظهر قيمة النموذج بصورة أوضح.

فالمشروع الصناعي الذي ينتج في مصر ويصدر من مصر لا يضيف مجرد مصنع جديد إلى الخريطة.

هو يضيف صادرات ويوفر فرص عمل وينقل خبرة إنتاج، وقد يخلق حوله شبكة من الموردين المحليين.

والهدف في النهاية ليس أن تتراكم المصانع كجزر منفصلة.

الهدف أن تتصل ببعضها.

أن يحتاج مصنع السيارات إلى مورد مصري للمكونات.

وأن تحتاج صناعة الطاقة المتجددة إلى مهندسين وفنيين مصريين.

وأن تدخل الشركات الصغيرة والمتوسطة المصرية إلى سلاسل إنتاج أكبر منها.

عندها فقط يتحول الاستثمار الأجنبي من رأس مال جاء إلى مصر إلى قدرة اقتصادية بقيت في مصر.

والشراكة مع الصين تركت بالفعل آثارا ملموسة في أكثر من قطاع.

شاركت شركات صينية في تشييد الحي التجاري المركزي بالعاصمة الإدارية الجديدة، وفي مقدمته البرج الأيقوني.

والقطار الكهربائي الخفيف LRT يمثل أحد مشروعات التعاون المصري الصيني في النقل، وقد دخلت مرحلتاه الأولى والثانية الخدمة منذ 2022، فيما تتواصل خطوات استكمال المرحلة الثالثة.

وامتد التعاون إلى الفضاء من خلال القمر الصناعي “مصر سات 2”، بما أضاف بعدا تكنولوجيا مختلفا إلى العلاقة بين البلدين.

لكن قيمة هذه المشروعات لا ينبغي أن تقاس بحجمها المعماري أو الهندسي فقط.

القيمة الأكبر هي ما إذا كانت الخبرة المرتبطة بها تنتقل إلى الداخل المصري.

فهذه لا ينبغي أن تكون علاقة “مال مقابل أرض”، بل علاقة موقع مقابل معرفة.

وهذا أكثر قيمة على المدى الطويل.

فالمال يمكن أن ينفد.

والمصنع يمكن أن يتوقف.

أما المعرفة فتتراكم.

والإنسان الذي تعلم كيف يشغل التكنولوجيا ويطورها وينقل خبرته إلى غيره يبقى أصلا وطنيا.

ولهذا فإن تدريب العمالة وربط التعليم باحتياجات الصناعة لا ينبغي أن يكونا تفصيلا هامشيا.

فتوطين الصناعة لا يعني أن يكون المصنع موجودا داخل الحدود المصرية فقط.

التوطين الحقيقي يعني أن تتسع نسبة المكون المحلي بمرور الوقت.

أن يتعلم العامل المصري.

وأن يكتسب المهندس المعرفة.

وأن تدخل الجامعة إلى المصنع.

وأن يصبح للمورد المحلي مكان في سلسلة الإنتاج.

وأن تتحول مصر تدريجيا من مكان تستخدم فيه التكنولوجيا إلى مكان يفهمها ويطور جزءا منها.

وهنا يصبح ما قاله الرئيس شي جين بينج خلال مباحثاته في القاهرة شديد الصلة بما تحتاجه مصر.

فقد دعا إلى مواءمة استراتيجيات التنمية بين البلدين بصورة أفضل، وإطلاق مجالات جديدة للتعاون في الطاقة الخضراء والمركبات الكهربائية والفضاء والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الزراعية الحديثة.

هذه ليست مجرد قائمة قطاعات حديثة.

إنها قائمة بالصناعات التي يتشكل حولها جزء مهم من اقتصاد المستقبل.

والبيان المشترك ذهب إلى مساحة أوسع، فتحدث عن السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة والألواح الشمسية وأبراج الرياح وتحلية مياه البحر والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد وسلاسل إمداد المعادن الحرجة.

وهنا ينتقل السؤال من الاستثمار إلى الموقع الذي تريد مصر أن تحتله في الاقتصاد العالمي.

هل نكتفي بشراء هذه التكنولوجيا؟

أم نستطيع استخدام الشراكة الصينية للدخول إلى بعض سلاسل إنتاجها؟

والسخنة شهدت بالفعل توسعا في استثمارات ترتبط بالطاقة الجديدة والصناعات الهندسية والإطارات والأجهزة المنزلية وغيرها.

كما اتجهت استثمارات صينية جديدة إلى تصنيع مكونات الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة، وهي مجالات ترتبط مباشرة بالتحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.

أي أن أمام مصر فرصة لا تقتصر على استيراد ألواح شمسية أو بطاريات أو سيارات كهربائية.

الفرصة الأكبر أن يصبح جزء منها مصنوعا هنا.

لكن النجاح لا يقاس بعدد اللقاءات ولا بعدد المصانع وحده.

المعيار الأهم هو ما الذي سيبقى بعد سنوات.

كم شركة مصرية دخلت سلسلة التوريد؟

كم بلغت نسبة المكون المحلي؟

كم تقنية انتقلت بالفعل؟

كم مهندسا وفنيا مصريا أصبح قادرا على تشغيلها وتطويرها؟

وكم سلعة كانت مصر تستوردها وأصبحت تنتج جزءا منها أو تصدرها؟

هنا تبدأ السياسة الاقتصادية الحقيقية.

فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمنح مصر ميزة لا تتوافر بسهولة في أماكن كثيرة.

الدولة تجمع في الموقع نفسه الصناعة والميناء والممر الملاحي والخدمات اللوجستية.

وهذا ما يجعل فكرة تحويل مصر إلى مركز إقليمي قابلة للتحول من شعار إلى نموذج اقتصادي.

فالمنتج الذي يصنع قرب ميناء متصل مباشرة بأحد أهم طرق التجارة العالمية يمتلك ميزة ضخمة.

وهكذا يتغير معنى قناة السويس.

في صورتها التقليدية هي ممر.

أما في الرؤية الأوسع فهي نقطة يمكن أن تلتقي عندها الصناعة بالميناء والطاقة والخدمات والتجارة.

وبدلا من أن تمر البضائع عبر مصر فقط، يمكن أن يصنع جزء أكبر منها في مصر.

وبدلا من أن تكتفي الدولة بعائد المرور، يمكنها أن تحصل على عائد التصنيع والتكنولوجيا والخدمات والتصدير.

ولهذا يصبح ما ورد في البيان المصري الصيني عن العمل لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا أكثر من مجرد صياغة دبلوماسية.

إنه في الحقيقة تعريف محتمل لدور اقتصادي جديد لمصر.

لكن كلمة “مركز” وحدها لا تكفي.

فالمركز الحقيقي لا يعلن نفسه.

الآخرون يحتاجون إليه.

وهذا هو التحدي المصري.

أن تصبح الشركات بحاجة إلى الموانئ المصرية.

والأسواق بحاجة إلى الإنتاج المصري.

وسلاسل الإمداد بحاجة إلى المصانع المصرية.

عندها تتحول الجغرافيا إلى نفوذ.

والأمر ذاته ينطبق على التعاون المالي.

فتوسيع استخدام العملات المحلية وتجديد اتفاق مبادلة العملات وزيادة قيمته يمكن أن يمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين مساحة أكبر من المرونة.

لكن العملة وحدها لا تصنع اقتصادا.

والتمويل وحده لا يصنع تنافسية.

ما يصنع القوة الاقتصادية هو الإنتاجية والقيمة المضافة والقاعدة الصناعية والقدرة على التصدير والتعلم التكنولوجي.

ولهذا فإن أقوى نتيجة لأي شراكة مالية مع الصين هي أن تنتهي إلى زيادة قدرة مصر على الإنتاج والمنافسة.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

مصر لا تحتاج إلى أن تكون حليف الصين الوحيد.

ولا تحتاج إلى أن تصبح جزءا من نفوذها.

مصر تحتاج إلى أن تكون دولة يصعب الاستغناء عنها.

وهذا هو الفارق بين التبعية والشراكة.

أن تمتلك القاهرة علاقات قوية مع الصين، دون أن تخسر علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والأفريقية وغيرها من القوى.

أن تنفتح على الجميع، لكن تظل مصالحها الوطنية هي البوصلة.

ولهذا كان لافتا أن الجانب الصيني نفسه ثمن في البيان المشترك “مبدأ الاتزان الاستراتيجي” الذي أرسته مصر.

وهذا التعبير يستحق التوقف أمامه.

ففي عالم تتسع فيه المنافسة بين القوى الكبرى وتتغير فيه خرائط النفوذ، تصبح القدرة على الاحتفاظ بعلاقات متعددة نوعا من القوة في حد ذاتها.

فالاستقلال لا يعني أن تغلق أبوابك.

الاستقلال يعني أن يكون لديك أكثر من باب.

وكلما تعددت البدائل، اتسع هامش القرار.

ومصر، بحكم موقعها وعلاقاتها، ليست مضطرة إلى أن تختار طرفا لكي تكسب طرفا آخر.

بل تستطيع أن تفعل شيئا أكثر صعوبة وأكثر ذكاء: أن تجعل الجميع يرون في استقرارها وقوتها مصلحة لهم.

وهنا تصبح السياسة الخارجية امتدادا للسياسة الاقتصادية.

كلما أصبحت مصر مركزا أكبر للإنتاج والطاقة واللوجستيات والتكنولوجيا، زادت أهميتها السياسية.

وكلما ازدادت أهميتها السياسية، اتسع هامش حركتها وقدرتها على جذب المزيد من الشراكات والاستثمارات.

اقتصاد قوي يصنع نفوذا.

والنفوذ يحمي المصالح الاقتصادية.

وهذا هو المعنى الحقيقي للقوة الشاملة للدولة.

ومن هنا أيضا يمكن فهم حضور قضايا فلسطين والسودان والبحر الأحمر والنيل في الحوار المصري الصيني.

فأمن البحر الأحمر ليس قضية سياسية منفصلة عن الاقتصاد.

هو أمن للملاحة والتجارة.

واستقرار السودان ليس شأنا بعيدا عن التنمية.

هو جزء من استقرار الجوار المصري.

والقضية الفلسطينية ليست ملفا معزولا عن مستقبل المنطقة.

هي واحدة من أكثر قضاياها تأثيرا على الأمن والاستقرار.

أما النيل، فهو يمس مباشرة أمن مصر المائي والغذائي.

ولهذا يحمل تأكيد الصين في البيان المشترك إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل لمصر وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها.

كما أن رؤية الرئيس شي جين بينج للأمن الإقليمي تضيف بعدا آخر إلى هذه العلاقة.

فقد قال إن تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط يعتمد بصورة أساسية على التنمية، وربط بين التنمية وحماية الممرات الملاحية الدولية وتقارب المصالح بين دول المنطقة.

وهذه فكرة شديدة الصلة بمصر.

لأن أقوى حماية للموقع المصري ليست فقط أن يكون مهما جغرافيا.

بل أن يصبح استقرار مصر نفسه مصلحة اقتصادية لعدد متزايد من الدول والشركات والأسواق.

وهنا تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة.

مصر لا تحتاج فقط إلى أن يكون موقعها مهما.

فقد كان مهما منذ آلاف السنين.

التحدي هو أن تجعل هذا الموقع منتجا.

ومن الإنصاف القول إن جزءا من الطريق قد بدأ بالفعل.

فالموانئ والمناطق الصناعية والبنية الأساسية والمشروعات التي دخلت حيز التنفيذ خلال السنوات الأخيرة تعطي لهذا الموقع قيمة اقتصادية أكبر، فيما يتجه التعاون إلى مجالات أكثر تقدما من السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة إلى الاقتصاد الرقمي وأشباه الموصلات وتطبيقات الفضاء.

لكن كل إنجاز يرفع سقف السؤال التالي.

هل يتحول ما تحقق إلى قاعدة صناعية مترابطة، وصادرات تتسع، وشركات مصرية تدخل سلاسل التوريد، وجيل جديد قادر على تشغيل هذه الصناعات وتطويرها؟

إذا حدث ذلك، فلن تكون زيارة شي جين بينج مجرد محطة مهمة في العلاقات بين دولتين.

ستكون جزءا من تحول أكبر في تعريف الدور المصري نفسه.

فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد.

بل بما استطاعت أن تصنعه بهذه الموارد.

ولا تقاس فقط بما تمنحها الجغرافيا.

بل بما تضيفه هي إلى الجغرافيا.

ولهذا يمكن قراءة زيارة الرئيس الصيني من زاويتين.

الأولى أنها تعكس تقديرا صينيا واضحا لقيمة مصر وموقعها وقدرتها على الربط بين الأسواق.

والثانية، وهي الأهم، أنها اختبار مصري لقدرة الدولة على تحويل هذا التقدير إلى قوة ملموسة.

فمصر لا تحتاج إلى أن تثبت للصين أنها مهمة.

الصين جاءت إلى القاهرة لأنها تعرف ذلك بالفعل.

المطلوب أن تثبت مصر لنفسها أنها قادرة على استخدام هذه الأهمية.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يظل على الطاولة في القاهرة:

ماذا تريد مصر أن تصبح؟

دولة يمر العالم من خلالها؟

أم دولة يأتي العالم إليها لكي يصنع فيها؟

الفرق بين الاثنين ليس في الخريطة.

بل في القدرة على تحويل الموقع إلى صناعة، والصناعة إلى تصدير، والمعرفة إلى نفوذ.

فالمستقبل لن يمنح مصر مكانتها لمجرد أنها تقع في المكان الصحيح.

والمطلوب في النهاية ليس فقط أن يمر العالم من مصر.. بل أن يحتاج العالم إلى ما تصنعه مصر.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة