طيب القول
في رحاب ذكرى عطرة تهفو إليها القلوب، احتفلت مصر بالمولد النبوي الشريف، ذكرى ميلاد خير البرية، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وجعل سيرته نموذجًا خالدًا للإنسانية في أسمى صورها.
وفي هذه المناسبة المباركة، جاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي لتؤكد أن الاحتفال الحقيقي بمولد المصطفى لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المشاعر والاحتفاء، وإنما يجب أن يتحول إلى أخلاق وسلوك وعمل وبناء.
وأكد الرئيس، خلال احتفالية المولد النبوي بمقر القيادة الاستراتيجية، أن ذكرى مولد الرسول الكريم ليست مجرد احتفاء بميلاد خير الأنام، وإنما هي استحضار لأنواره وآثاره ورسالته التي أخرجت الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور الهداية والاستنارة. واستند الرئيس إلى قوله تعالى في وصف نبيه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، لتكون الأخلاق المحمدية عنوانًا أساسيًا للاحتفال بهذه الذكرى.
وهنا تتجلى أهمية الرسالة التي حملتها كلمة الرئيس؛ فالنبي لم يكن عظيمًا في عبادته فحسب، وإنما كان عظيمًا في معاملاته، رحيمًا بالضعيف، حانيًا على الفقير، رفيقًا بالصغير، بارًا بالكبير، كريمًا في موضع الكرم، وحازمًا حين يقتضي الأمر الحزم. ولذلك فإن الاقتداء الحقيقي به يبدأ من السلوك اليومي، ومن احترام الإنسان وصون كرامته وجبر خاطره.
ومن هذا المنطلق، دعا الرئيس إلى أن يكون مولد النبي نقطة تحول يرى العالم فيها أخلاق الرسول الكريم في أخلاق أتباعه، مشددًا على أن رفعة الأمة لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بإتقان العمل وحسن الخلق، باعتبارهما نمط تفكير ومنهج عمل وطريقة حياة.
وهي رسالة بالغة الأهمية في زمن تحتاج فيه المجتمعات إلى استعادة قيمة العمل والإتقان والانضباط؛ فالأمم لا تتقدم بالأماني، ولا تبني حضارتها بالشعارات، وإنما بالعلم والإنتاج والبحث والابتكار، وبالقدرة على تحويل القيم الدينية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
كما حملت كلمة الرئيس تأكيدًا على أن بناء الدولة مسؤولية مشتركة، وأن الأمة التي تخلص في عبادتها مطالبة كذلك بأن تتقن زراعتها وصناعتها، وأن تبني حضارتها، وتتحصن بالعلم والأخلاق. وهنا يلتقي جوهر الرسالة المحمدية مع متطلبات بناء الدولة الحديثة؛ فالإيمان الحقيقي لا ينفصل عن العمل، والأخلاق لا تنفصل عن المسؤولية، وحب الوطن يترجم إلى عطاء وإتقان وحفاظ على مقدراته.
ولم تغفل كلمة الرئيس جانب الأمن والاستقرار، حيث أكد يقظة الدولة المصرية تجاه ما يتعلق بالأمن القومي، واستعداد القوات المسلحة وجهاز الشرطة للدفاع عن مصر ومقدراتها، بالتوازي مع مواصلة جهود تطوير الدولة وتحسين الخدمات ومعالجة المشكلات المتراكمة.
وهكذا جاءت كلمة الرئيس في ذكرى المولد النبوي لتضع أمامنا معنى أعمق للاحتفال: أن نُخرج السيرة النبوية من دائرة الذكرى إلى دائرة الممارسة، وأن يتحول حب المصطفى إلى صدق وأمانة ورحمة وإتقان وعلم وعمل.
إن مولد النبي ليس صفحة من الماضي نقرأها ثم نطويها، بل نورًا ممتدًا في الحاضر والمستقبل. وكلما اقتربنا من أخلاقه وسيرته، اقتربنا من المعنى الحقيقي للرحمة والإنسانية والتقدم.
سلام على مولد أشرق به النور، وسلام على صاحب الخلق العظيم، وسلام على رسالة جعلت الرحمة طريقًا، واحترام الإنسان عنوانًا، والعمل الصالح سبيلًا إلى بناء الحياة.
وكل عام ومصر وشعبها والأمتان العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء بخير وسلام.