طيب القول
يطل علينا المولد النبوي الشريف كل عام حاملاً معه نفحات إيمانية عطرة، وذكرى عظيمة لميلاد خير الخلق وسيد المرسلين، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ووالديه وصحبه وسلم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهداية للبشرية، وداعيًا إلى مكارم الأخلاق والعدل والرحمة والسلام.
إن الاحتفال بذكرى مولد النبي الكريم ليس مجرد مناسبة تتكرر في التقويم، وإنما فرصة لاستحضار سيرته العطرة، والتأمل في مواقفه الإنسانية العظيمة، وما قدمه للبشرية من نموذج فريد في الرحمة والتسامح والعفو وحسن التعامل. فقد كان قرآنًا يمشي بين الناس، يرفق بالضعيف، يكرم الضيف، يصل الرحم، يعفو عند المقدرة، يحث على الخير، وينهى عن الظلم والعدوان.
كانت رسالته ثورة أخلاقية وحضارية نقلت الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان والعلم والمعرفة، وأرست مبادئ راسخة تحفظ للإنسان كرامته وتصون حقوقه، وتدعو إلى التكافل والتعاون والتراحم بين أفراد المجتمع.
ومن أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من هذه الذكرى أن محبة الرسول لا تكون بالكلمات وحدها، وإنما باتباع سنته والاقتداء بأخلاقه في حياتنا اليومية. فالمحبة الحقيقية تظهر في الصدق والأمانة، بر الوالدين، صلة الأرحام، إغاثة المحتاج، واحترام الآخرين، نشر الخير، والابتعاد عن الكراهية والخصومة.
وفي ظل ما يشهده عالمنا من تحديات وصراعات، تزداد حاجتنا إلى استلهام القيم النبوية التي تؤكد الرحمة والتسامح وقبول الآخر، وتدعو إلى نبذ العنف والتطرف، وإعلاء قيمة الإنسان، وبناء مجتمعات يسودها الأمن والاستقرار والمحبة.
كما تمثل ذكرى المولد النبوي فرصة لتربية الأجيال الجديدة على معرفة سيرة نبيهم، وتعريفهم بمواقفه ودروسه، حتى يجدوا في شخصيته القدوة الحسنة والنموذج الذي يجمع بين قوة الإيمان وسمو الأخلاق وحسن التعامل مع الناس.
إن ميلاد النبي كان ميلادًا لنور أضاء الطريق أمام الإنسانية، وستظل سيرته العطرة معينًا لا ينضب لكل من أراد أن يسلك طريق الخير والحق. ولذلك فإن أفضل احتفال بهذه الذكرى هو أن نجعل من أخلاقه منهجًا لحياتنا، ومن رحمته سلوكًا في تعاملاتنا، ومن سنته نورًا نهتدي به.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجدد مشاعر المحبة والامتنان لنبي الرحمة، ونجدد العهد على أن نتمسك بالقيم التي جاء بها، وأن نجعلها أساسًا لحياتنا ومجتمعاتنا، حتى تبقى رسالة الإسلام بما تحمله من رحمة وسلام وخير حاضرة في واقعنا ومستقبل أجيالنا.
وحسنا فعلت مؤسساتنا الدينية، بل حتى كثير من منظمات المجتمع المدني أيضاً، باستثمار هذا الشهر الأنور، شهر ميلاد النبي، في التعريف بسنته وشمائله حتى نقتدى بها ونطبقها، قدر استطاعتنا، في حياتنا اليومية، عسى أن نكون من المقتدين المهتدين، فما أحوجنا لنصبح "محمديون" قولا وفعلا!