رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


لو كان هناك شيء واحد يجمع بين سيدي بشر وسيدي جابر وسيدي كرير وسيدي عبد الرحمن وسيدي حنيش، فهو أن البحر المصري يبدو وكأنه لم يكن يسمح لأحد أن يقترب من مائه إلا بعد أن يحصل على موافقة «سيدي»!

فأنت لا تمشي طويلًا على الساحل المصري قبل أن تصطدم باللقب.

سيدي هنا.

وسيدي هناك.

وسيدي ثالث يطل عليك من لافتة منتجع حديث، وكأن الساحل كله كان في يوم من الأيام اجتماعًا مفتوحًا للأولياء، ثم جاء أحفادنا وبنوا فوقه القرى السياحية والفيلات وحمامات السباحة.

لكن المفاجأة أن الحكاية ليست مجرد اختراع سياحي حديث.

وراء بعض هذه الأسماء بالفعل رجال عاشوا قبل قرون، وأضرحة ومقامات وذاكرة شعبية استطاعت أن تفعل شيئًا عجيبًا: وهو أن تجعل اسم إنسان يعيش أطول كثيرًا من تفاصيل حياته.

«سيدي بشر» مثلًا.

المصادر التاريخية المحلية تنسب الاسم إلى الشيخ بشر بن الحسين الجوهري، الذي قدمت أسرته إلى الإسكندرية في زمن توافد علماء من المغرب والأندلس، وعاش في منطقة منعزلة على شاطئ البحر، واشتهر بالزهد والوعظ، ثم توفي سنة 528هـ ودُفن في المكان نفسه.

ومع مرور الزمن، لم يعد الاسم يخص الرجل وحده.
صار للمقام اسم.
ثم للمنطقة اسم.
ثم للشاطئ.
ثم لمحطة القطار والشوارع والعقارات والمحال.
اختفى الرجل تقريبًا من الحياة اليومية، وبقي الاسم.

وسيدي جابر يقدم لنا حكاية مشابهة، وإن كانت المصادر القديمة نفسها تكشف شيئًا أكثر إثارة: حتى هوية صاحب الاسم ليست خالية تمامًا من الخلاف.
الرواية الأشهر تنسب المنطقة إلى الشيخ جابر بن إسحاق الأنصاري، الذي أقام بالإسكندرية، وارتبط اسمه بزاوية ثم مسجد وضريح، حتى أصبح اسمه اسمًا لواحدة من أشهر مناطق مدينة الإسكندرية.
لكن بعض المصادر التاريخية تشير إلى اختلاف الروايات في تحديد شخصية «سيدي جابر» على وجه الدقة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لأن السؤال لم يعد فقط:
من هؤلاء الأولياء؟
بل كيف يستطيع اسم أن يعيش قرونًا، حتى عندما تبدأ تفاصيل صاحبه نفسها في التلاشي داخل الضباب؟
الأمر يصبح أكثر وضوحًا كلما اتجهنا غربًا.

في سيدي عبد الرحمن مثلًا، يرتبط الاسم بالفعل بشيخ مدفون في المنطقة، لكن حتى هنا لا تقدم لنا الذاكرة حكاية واحدة نظيفة جاهزة للطبع.
هناك روايات مختلفة عن هويته وتفاصيل حياته، ومن الروايات التي ما زالت متداولة أنه الشيخ عبد الرحمن الهدهودي، المعروف محليًا بـ«أبو بطيخة»، وأن مقامه كان موجودًا قبل أن تتحول المنطقة إلى واحدة من أشهر بقاع الساحل الشمالي.
أي أن الاسم الذي نراه اليوم على بوابات أفخم المنتجعات لم يبدأ أصلًا باعتباره «براند» عقاريًا.
بل بدأ بقبر ورجل وحكايات تناقلها الناس.

أما سيدي كرير، فالحكاية تصبح أكثر غموضًا.
توجد رواية متداولة تنسب الاسم إلى رجل صالح قيل إنه جاء من الجزائر واستقر في المنطقة لتدريس علوم الدين، كما توجد روايات شعبية أخرى مختلفة حول أصل الاسم.
لكن التوثيق التاريخي المتاح هنا أقل وضوحًا مما نجده في حالة سيدي بشر مثلًا.

أما سيدي حنيش، فيقدم لغزًا أكثر غموضًا.
فالاسم حاضر على خريطة الساحل، لكن العثور على سيرة تاريخية موثقة لشخص محدد يحمل الاسم، ويثبت أنه صاحب التسمية، ليس بالأمر السهل.
وهذا في حد ذاته أهم من العثور على قصة جاهزة.
لأن الساحل المصري لا يقدم لنا سجلًا مدنيًا للأولياء.

إنه يقدم لنا شيئًا أكثر فوضوية وجمالًا:
يعرض ذاكرة شعبية.

وفي مصر عمومًا، كان «سيدي» لقب احترام يُطلق على الشيخ أو الولي أو الرجل الذي أحاطته الجماعة بالتوقير، ثم يحدث التحول العجيب بمرور الزمن:
اسم الرجل يصبح اسم المقام.
واسم المقام يصبح اسم القرية.
واسم القرية يدخل الخرائط.
ثم تموت الأجيال التي كانت تعرف أصل الحكاية، ويبقى الاسم وحده.

وهنا يستحق الأمر شيئًا من الشك والابتسام في الوقت نفسه.
هل كان الساحل فعلًا مليئًا بالأولياء إلى هذه الدرجة؟
أم أن البحر كان ببساطة واحدًا من أفضل الأماكن في مصر لصناعة الحكايات؟
الساحل لم يكن مجرد شريط رمال نذهب إليه في يوليو وأغسطس.
بل كان طريقًا للحركة والسفر والتجارة، وممرًا يصل بين الإسكندرية ومجتمعات الساحل الغربي وما وراءها.

والطرق التي يعبرها البشر طويلًا تترك وراءها أكثر من آثار الأقدام.
مسافر يموت في الطريق.
شيخ يستقر في موضع بعيد.
قبر يعرفه أهل المنطقة.
حكاية تتناقلها الأسر.
ثم يأتي جيل لا يعرف الرجل، لكنه يعرف القبر.
ويأتي جيل آخر لا يعرف القبر جيدًا، لكنه يعرف الاسم.
وبعد عدة قرون لا يبقى من كل ذلك سوى كلمتين على لافتة:
«سيدي فلان».
فالذاكرة الشعبية لا تحتاج دائمًا إلى سيرة ذاتية موثقة كي تحافظ على الاسم.
أحيانًا يكفي مقام، أو قبر، أو رواية محلية متوارثة، لكي يتحول شخص حقيقي، أو شخصية تآكلت تفاصيلها مع الزمن، إلى علامة جغرافية تعيش أطول من صاحبها نفسه.

وهكذا يمكن أن تجد نفسك في عام 2026 داخل سيارة مكيفة، متجهًا إلى قرية سياحية، تمر بلافتة تقول «سيدي عبد الرحمن»، فتدرك فجأة أنك لا تقود فقط فوق طريق إسفلتي حديث.
أنت تقود فوق طبقات من الذاكرة عمرها قرون.
وحتى الساحل نفسه لم يسلم من إعادة التسمية.
فالمصريون قسموه في السنوات الأخيرة، بشيء من السخرية، إلى «الساحل الطيب» و«الساحل الشرير»: الأول أقرب إلى صورة المصيف القديم، والثاني ارتبط في الاستخدام الشائع بعالم المنتجعات الأحدث والأسعار الأعلى والرفاهية الأكثر صخبًا.

والمفارقة أن «سيدي»، الذي بدأ لقبًا لشيخ أو ولي، أصبح اليوم أحيانًا اسمًا يطل عليك من قلب هذا العالم الجديد.
وهنا تأتي السخرية الجميلة:
نحن المصريين بارعون في تحويل التاريخ إلى عقار.
ولي صالح عاش أو دُفن في مكان ما؟
أصبح الاسم قرية.
قرية قديمة؟
أصبحت مصيفًا.
المصيف؟
أصبح «وجهة ساحلية متكاملة».

ثم ظهرت المرحلة الأولى والثانية والثالثة، واللاجون، والكلوب هاوس، والـSea View والـVIP.

أما الشيخ الذي أعطى المكان اسمه، فبقي واقفًا وحده على اللافتة، بينما ارتفع سعر المتر من حوله إلى أرقام ربما كان سيحتاج هو نفسه إلى كرامة لفهمها.
لكن خلف النكتة توجد نقطة أكثر إثارة.

كثرة أسماء «سيدي» على الخريطة لا تعني بالضرورة أن كل اسم منها وراءه ولي موثق تاريخيًا، ولا أن عدد الأولياء على الساحل كان استثنائيًا فعلًا.
بعض الشخصيات نعرف عنها الكثير.
وبعضها لا نملك عنه إلا روايات متأخرة.
وبعض الأسماء بقي بينما ضاعت تقريبًا قصة صاحبها.
وهذا هو الجزء المدهش.
نحن لا نرى التاريخ كله.
نحن نرى التاريخ الذي نجا من النسيان.

ففي هذه المناطق عاش آلاف الصيادين والتجار والمسافرين والنساء والأطفال، وكانت لهم بالتأكيد حكايات لا تقل إثارة.
لكنهم رحلوا بلا مقام.
وبلا رواية استمرت.
وبلا لافتة.
وبالطبع بلا منتجع يحمل اسم أي منهم.
أما بعض هؤلاء الشيوخ، فقد حدث لهم شيء نادر:
تحولوا من أشخاص إلى جغرافيا.
ولهذا ربما تكون كلمة «سيدي» أخطر مما تبدو.
فهي ليست مجرد لقب ديني
إنها أحيانًا وعاء صغير تحفظ فيه الذاكرة الشعبية ما تبقى من الحكاية.
ننسى متى عاش الرجل.
ونختلف حول أصله.
وتضيف الحكاية الشعبية إلى سيرته أشياء ربما لم تحدث أصلًا.
وفي بعض الحالات لا نعرف حتى من كان على وجه اليقين.
لكن الاسم يظل هناك.
جيلًا بعد جيل.
وربما لهذا يبدو الساحل المصري اليوم وكأنه خريطة ضخمة للأولياء.
ليس لأن كل رملة كانت لها كرامة، وإنما لأن الإنسان أحب أن يربط المكان بقصة، والقصة بشخص، والشخص بالبركة، ثم يترك الزمن يقوم بالباقي.
والزمن قام بالباقي فعلًا.
بل ربما بالغ قليلًا.
فالساحل الذي كان يقول لك قديمًا:
«هنا سيدي فلان».
أصبح يقول لك اليوم:
«هنا تبدأ منطقة الـVIP».

ولا أحد يعرف ماذا كان سيقول صاحب المقام لو عاد بعد كل هذه القرون ورأى المشهد.
ربما كان سينظر في دهشة إلى البوابات والمنتجعات والسيارات، ثم إلى اللافتة التي ما زالت تحمل اسمه، ويقول:
على الأقل… اسمي ما زال موجودًا.

أما نحن، ففي المرة القادمة التي نمر فيها من سيدي بشر إلى سيدي جابر، ثم سيدي كرير وسيدي عبد الرحمن وسيدي حنيش، ربما يستحق الأمر أن ننظر إلى اللافتات بطريقة مختلفة.
فنحن لا نمر فقط أمام أسماء على الطريق.
نحن نمر أمام بقايا طريقة مصرية قديمة جدًا في تحويل الإنسان إلى جغرافيا، والحكاية إلى خريطة، والذاكرة إلى اسم لا يموت.
ثم، بعد كل ذلك…
إلى منتجع صيفي قد يحتاج صاحب الاسم نفسه إلى الاستغفار كثيرًا قبل أن يسأل عن سعر أسبوع فيه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة